صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

المُبـدع الذي جَعلَ الرؤيَـة بالأُذن مُمكِـنة

53

صَـابِنَّهَـا
محمد عبد الماجد

المُبـدع الذي جَعلَ الرؤيَـة بالأُذن مُمكِـنة

عندما يرحل مُبدعٌ أو رمزٌ وطنيٌّ خَـالِـدٌ، أصبحت أعجز عن الكتابة عنه بعد الرحيل، صرت احتاج لبعض الوقت لأستوعب خبر الرحيل، الصدمة أصبحت أكبر من أن تتلقّفها أحرفي بشيءٍ من الصبر.
والكتابة وجعٌ ـ ولكن عدم الكتابة وجعٌ أكبر.. نحن نهرب من الكتابة إلى الكتابة ونتداوى منها بها (دَع عَنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ.. وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ).
والساقية لسه مدوِْرة ـ عند الدوش أسى آخر (في اللي ماشين المدارس.. في المصاريف في الكتب.. في اللىَي ضاق بيهو المكان.. هسه سافر واغترب.. لمدن بعيده تنوم وتصحى على مخدّات الطَرَب).
الذهاب إلى المدارس هنا، حالة من حالات تعري الحزن.
لا أعرف كيف جمع الدوش بين الساقية وأولاد المدارس والاغتراب إلى مدن بعيدة تنوم وتصحى على مخدات الطرب؟ إن ذلك عندي قمة الحزن، لأنّ الحزن شعورٌ يجمع بين النقائض.
أبحلق في الغرفة حائراً، مثل (مالك الحزين)، انظر إلى السقف تارةً، وإلى أركانها المريبة تارةً أخرى، أحس أنّ الأركان تخون جدرانها، أتوقّف بنظري على مروحة ساكنة، يبني عليها العنكبوت بيوته، كأنه يستفزّنا بذلك.
وبيوت العنكبوت في السيرة النبوية دليل عزلة وهجرة.. فهل أصبحنا نشعر بالعزلة والهجرة حتى ونحنُ في بيوتنا؟
لا أدري ما علاقة المروحة بالحزن عندما يكون فجائياً، هل في صمتها مشاركة لنا فيما نحنُ فيه من حزن؟ الحياة تدور والمروحة تدور، ولكنها تتوقّف الآن، هل هذا دليلٌ لتوقف الحياة؟
والساقية لسه مدورة.. وأحمد مازال يخب وراء التيران، والخب سير بين المشي والجري.. أو هو الهرولة إذا أردنا له الفصحى.
في أنحاء الغرفة، تفقدت قلبي، عسى أن أجده ملقياً في بعض نواحيها المنسية ـ احتفظ بكثير من (الهتش) الذي يرى كثيرون أنه مافي داعي ليه، وأنه لا يزيد الغرفة إلا المزيد من الفوضى.
انظر في الجدران في غرفة أرهقها السكون ـ أبحث عن شيء ما، فقدته حتى إنّني لم أعد أعرف عن ماذا أبحث؟
بفتش في حاجة، راحت حتى في دواخلي.
ما هي لا أدري؟ هذا ما قال عنه نفس الدوش (وتمشي معاي وتروحي.. وتمشي معاي وسط روحي.. لا البلقاه بعرفني ولا بعرف معاك روحي).
كثيراً ما أكتب عن الفرح وعن انتصارات الهلال، ولكن في الحقيقة في قلبي وجع لا ينتهي ـ أحزاني مثل فصل الشتاء.. تجعلني أتدثر بالكثير من (الهدوم)، أكاد أخفي وجهي من الحزن في قطعة قماش سميكة، كلما أرهقني الحزن مسحت بها على وجهي، أفعل ذلك بابتسامة أتغلب بها على درجة الحزن العالية في محيط الغرفة.
أدخل اَيدي في جيوبي، وأخرجها محاولاً أن أتنكّر بذلك على نفسي.
انفض يدي، متخيلا إنّني بذلك أنفض حزني، أشعر بحباته متناثرة على الأرض والتربيزة، وهي تزاحم شاحن الموبايل، وقلم رصاص مرمي.
أحاول أن أجمعها، أجد أنّني أجمع روحي، أتكاسل عندما اكتشف ذلك.
في نفسي الكثير من الجراح، فنحنُ نعاني من أزمة وطن مازال رغم كل صراخه وسط اللمة منسياً، على شاكلة طفلة إسحاق الحلنقي في (أقابلك).
أبحث في فضاء غرفة أقف في بابها، أشعر فيها بالغربة، والوحشة والخوف، وأقول في نفسي يا ريت لو قرينا، يا ليتني سمعت كلام أبوي، على الأقل كنت طلعت شخصاً آخر، قد يكون لا علاقة له بهذا الحزن الذي يتدفّق على دواخلي مثل ثورة نهر القاش عندما يفيض بلا موعد وبدون سبب، مُتمرِّداً على كل التوقعات والتنبؤات البيئية.
أبحث عن شيء ما لا أعرفه، حالي يبدو في غرفتي مثل الطفلة التي تبحث في عيون الناس في مناسبةٍ، الكل مشغولٌ فيها عن والدتها، تشعر بالغربة أمام كل العيون التي تبحلق فيها واجمة.
هل هذا هو الحُزن حينما يصبح جزءاً من تركيبتك الشخصية؟
حزني على رحيل البروفيسور صلاح الدين الفاضل لا يحده حدودٌ، رحل يوم الجمعة الماضي يوم مباراة الهلال وصن داونز، وكتبت عن النتيجة التي خرج بها الهلال بفرح عريض وأنا أتمرّغ في الحزن، تعلّمنا في مهنتنا تلك أن نفصل بين أوجاعنا وأفراح الآخرين، تعلّمنا أن ندس أحزاننا حتى تلك التي تكون (قطاعاً عاماً) يعيشها الشعب كله مثل مرتبات المعاشيين، تجد الكل ينتظرها رغم أنها بلا قيمة، ربما لأنها تربطنا بأُناس أعزاء.
عندما أشعر بالحُزن، أتذكر والدي (صوت العرب) هكذا كان يلقبونه ويعرفونه، وقتها كانت إذاعة صوت العرب هي الصوت الأعلى فينا.. والدي كان مثل إذاعة صوت العرب لذلك لقبُّوه بها، فهو كان من الذين يستطيعون أن يُحوِّلوا كتلة السكون إلى حالة من هياج الفرح، كان سودانياً في كل شيءٍ، يقرأ الصحف بحثاً عن وطن عريض، ويحضر نشرة ثلاثة بحثاً عن وطن عريض، وينوم ويصحو بحثاً عن وطن عريض، حتى إنه كان عندما يراجع معي بعض ما درسته في التاريخ أو الجغرافيا لا يفعل ذلك إلا بحثاً عن وطن عريض ـ الآن أقول الحمد لله إن أبي لم يحضر هذا الزمن، كان لن يحتمل أن يرى وطناً مثل (منقد المناسبة) الذي أعدوه لكي يشتعل، الكل يبحث عن عود كبريت ليوقد ناره.. الكل يبحث عن عود يزيد به التهاب نيرانه.
وطن أصبح متل تور الكرامة، الكل يريد أن يشارك في ذبحه حتى يضمن (كومه) والخاصة من الناس يخصون أنفسهم بالكبدة والكلاوي وأم فتفت، ومنهم من لا يشارك في الذبيحة ويساهر الليل إلا من أجل ذلك، وبكرة لمن يلاقيك في المناسبة يقول ليك إنت أمس كنت وين؟ نحن الليل كله كنا مساهرين في الضبيحة، والآن هنالك من يساهر في أستديوهات الفضائيات، مساهراً في إشعال الحرب، ويسمون من بعد كل ذلك الذي قبضوا ثمنه من الفضائية أو من غيرها بالدولار (وطنية)!!
المحللون الذين يظهرون على الفصائيات وهم في كامل الأناقة ليحللوا كل شيء، لو كانوا يمتلكون ذرة من الحياء لحرموا هذا الذي يحللونه للناس.
أتذكر أمي، كانت مثل رغوة اللبن، نقية وبيضاء وسهلة، لا تسعد وتفرح إلا عندما تراك تأكل، إذا علقت على ملاحها أو لم تأكل منه، يومها كلها تكون معكرة، وهي داخلة وطالعة من المطبخ عشان تعمل ليك حاجة تعجبك.
في أحزاننا نحن دائماً نتذكر ونرجع لمن نحب، هم يعطوننا شيئاً من القوة، ويمنحونا رباطة صبر.
أتذكّر أختي (سيدة) تمثل العالم عندها في أن تكون الأخت الكبيرة ـ هي تُجسِّد كل ذلك في شخصها، شايلة هَـمّ البيت وأخواتها في رأسها، بتبقى لينا (سيوتر) في البرد وحَلّة حلبة في العشاء، تذاكر معاك دروسك، وتلقاها الصباح واقفة في رأسك بهدوم المدرسة، وهي آخر من نامت في البيت بعد أن تأكدت من غطاك، لمن تطلع حفيان بتلقاها تعمّدت أن تمسح بأرجلها قدامك الشارع عشان ما تلاقيك شوكة أو سوساية.
لا أعرف في هذا الزمن أين اختفت (السوساية)؟ فقد كانت جراحنا في ذاك الزمن كلها من (السوسايات)، الآن جراحنا أصبحت أكبر من ذلك.
أتذكر صديقي عبد الفتاح بشير فحل، كان هادئاً، هدوءاً لا يشبه صخبنا، كان أكثرنا حكمةً ولباقةً ـ لذلك أصبح (قاضياً) لأنه يشبه القضاء في الهيبة والجلال، منذ أن كنا نتشعلق في قطار كريمة أطفالاً، ونتلب سلك الإشلاق، كان هو من يومه بتشعلق وبتلب بطريقة (قانونية).
عبد الفتاح رحل في حادث حركة، عندما كان عائداً إلى مدينته في العيد، ترك لنا ثلة من الأحزان وطفلتين أكبرهما لم تتجاوز الرابعة، نحنُ من بعده نجرب إن كانت الحياة مُمكنة.. لا أدري هل نجحنا في ذلك أم فشلنا في أن نكون أحياء؟ رغم القهوة التقيلة التي نشربها حتى نعيد بها نشاط ذاكرتنا وشعورنا بالحياة.
في 17 مايو المُقبل سوف تمر 6 سنوات على رحيل عبد الفتاح، مازلت عندما يرن التلفون أتخيّل أن يكون المتصل عبد الفتاح، وعندما لا أجده هو المتصل، أتعذّر بالقول (الشبكة بتكون كعبة).
النمرة غلط!!
البروفيسور صلاح الدين الفاضل كان أحد الذين حاورتهم في برنامج (الضلع الثالث) بإذاعة هلا 96، هو أيضاً من الذين تفاجأت بهم، كان إنساناً مُدهشاً، يمتلك أن يسحرك من الوهلة الأولى، كان عالماً بتفاصيل ما يعمل، إذا تحدّث لك شعرت بأنه يعرف كل شيء، يتحدّث بصورة جاذبة وهادئة جداً، وهو يبدو في قمة التواضع وهو يحدثك في أمور تضعه في عنان السماء.
الدراميون يمتلكون قدرة هائلة في طرح آرائهم بشكلٍ جاذبٍ، لذلك الشعراء المسرحيون أكثر قدرةً على التصوير والحشد البصري.. أنظر للدوش وهاشم صديق وقاسم أبوزيد.. كلهم درسوا المسرح.
دائماً أقول إن المبدع السوداني يختلف عن كل المبدعين في العالم، في أنه أكثر تواضعاً وأكثر إنسانيةً، يقدم لك معلوماته مع شلال من الطيبة، يفعل ذلك وكأنك أنت تتفضّل عليه، لا هو الذي يمدك بكل هذا العلم.
قابلت كثيراً من المبدعين بسبب طبيعة مهمتنا، وكل مبدع كنت أهتم جداً في أن اقرأ شخصيته صحيحاً، لذلك كنت حريصاً على محاورتهم والجلوس معهم والدخول إلى بيوتهم، أكلت ملح وعيش مع كثيرين، محجوب شريف ومحمد الحسن سالم حمّيد وأبوعركي البخيت وزيدان إبراهيم وغيرهم كثر، وكل واحد كنت حريصاً على أن أعرف من أين أبدأ معه.. أو أين يقبع سر إبداعه؟
اثنان أعتقد أن حساسيتهما ولطفهما لا مثيل له.
لم أجد إنساناً في رقة السني الضوي وصلاح الدين الفاضل ـ أعتقد أنّ كلاهما عبارة عن شلال من الحواس.
سألت صلاح الدين الفاضل عن البروفيسور علي شمو وكان وقتها شمو مريضاً، فلم أعرف كيف أسكته، فقد انجرفت دموعه وشعرت به يتبخر أمامي.. صلاح الدين الفاضل كان بذلك اللطف، كان يمتلك أخلاق الفرسان، فيه شيءٌ لله، لا تملك إلا أن تحبه.
دخل صلاح الدين الفاضل للإذاعة وهو طالبٌ وعمل متعاونا معها وعمره دون الـ19 عاماً.. حتى نال درجة الأستاذية فيها، وهو الذي عُيِّـن فيها وهو طالبٌ ليصبح مديراً للإذاعة السودانية وهو البروفيسور الوحيد الذي شغل هذا المنصب يحمل هذه الدرجة الرفيعة.
الإعلامية الفاضلة يسرية محمد الحسن والتي نحبها جميعاً، ذكرت في مقال لها أن صلاح الدين الفاضل تخرج في المعهد العالي للموسيقى والمسرح بدرجة لم يسبقه عليها أحدٌ ولم تحدث بعده، وكما كان أول دفعته في معهد الموسيقى والمسرح، كان كذلك عندما بُعث للدراسات العليا في الولايات المتحدة، ليتفوّق على كل الطلبة الذين جاءوا من دول مختلفة، ليتم تعيينه بعد ذلك في الإذاعة وفي المعهد العالي للموسيقى والمسرح في نفس الوقت، وهذا أمرٌ لم تشهده المؤسسات الحكومية والكلام للإعلامية الكبيرة يسرية محمد الحسن.
صلاح الدين الفاضل هو الذي اخترع الرؤية بالأذن، عبر دراسته وأعماله الدرامية في الإذاعة، لذلك كان وفيّاً للإذاعة، ولا أحسب أنّ هنالك مؤسسة في السودان لعبت دوراً كبيراً في بناء الشخصية السودانية مثلما فعلت إذاعة هنا أم درمان، ولصلاح الدين الفاضل الفضل في تكوين الشخصية الاعتبارية لإذاعة أم درمان بذلك الوهج والتأثير، والتي نعتبرها جميعاً هي مدرستنا الأولى.
أخرج صلاح الدين الفاضل أكثر من 126 مسلسلاً إذاعيّاً وكتب بنفسه ثلاثة مسلسلات وتعامل مع كبار المؤلفين عبد القادر حمدنا الله وهاشم صديق والسر قدور وتاج السر عطية.
كتابه أو دراسته (الرؤية عبر الأذن) تعتبر مرجعاً أساسياِ في علوم الإذاعة، والرؤية غير النظر، لأن الرؤية ترتبط في الشوف بعنصر إضافي هو عنصر الخيال.
الرؤية هي حضور لغائب أو شوف المفقود، وهذا بُعدٌ إضافيٌّ.. لذلك في الرؤية فلسفة.
الفاضل جعل الرؤية ممكنة عبر الأذن حتى بالنسبة لشخصيات بسيطة وغير متعلمة، استطاع صلاح الدين الفاضل أن يصل إليها.
ومع أنّ صلاح الدين الفاضل كان يعمل خلف الكواليس إلّا أنّ نجوميته ضاهت نجومية وردي وعثمان حسين، فقد كان يكفي أن تسمع إخراج صلاح الدين الفاضل ليتوقف كل شيء ـ اسمه كان دعوة للاستماع أو الاستمتاع، فهو من نقل الحدث الإذاعي من الصوت إلى الصورة.
اللهم أرحم صلاح الدين الفاضل، فقد كان يشكل للناس كل الأنس، كان مبدعاً وأكاديمياً، وخدم وطنه بحب وإخلاص.
اللهم تقبله قبولاً حسناً، فقد كان كل شيء فيه حسناً.
أسألكم الدعاء له، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

متاريس
مازلت أبحث عن مدخل للراحل الموسيقي والباحث أمير النور.. فهو أيضاً كان يمثل لنا وطناً.
سوف نعود لكل ذلك إن مد الله في الأعمار.

ترس أخير: يا رب يا كريم أرحم عبدك صلاح الدين الفاضل واغفر له وتولاه بلطفك.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد