بمناسبة مرور عام على تحرير أبوعشر (٣)
عند دخول الجنجويد توفيت (مهالك) حزناً.. ومع دخول الجيش فقدنا بكري (فرحاً)..!
أبوعاقله أماسا
* كنت أشعر بأن سقوط ولاية الجزيرة مسألة وقت، ليس تشاؤماً ولا لشيء آخر غير أنني لاحظت التراخي وعايشته من خلال مشوارين من أم درمان وحتى ولاية الجزيرة وحاضرتها عبر طريق البطانة، وكان النزوح إلى مسقط رأسي محفوفاً بالمخاطر، ومع ذلك كنت أشتاق للمكوث فترة في أبوعشر لأسباب عاطفية فقط، وقد لاحظت التساهل الكبير في الطريق لدرجة أنني كتبت ملاحظة صغيرة مفادها أن أي شخص بإمكانه وصول مدني بسهولة بعد أن يدفع في الإرتكازات.. وإن كان يحمل معه حميدتي نفسه..
* يوم الإجتياح كان كابوساً سخيفاً خيم على صدورنا، وكنت قلقاً لدرجة بعيدة فلا أحد يعرف مدى خطورة ما يجري وما ينتظر مدينتنا مثلي، وكنت أعرف أنهم رعاة الإبل الذين كانوا يخيفونا بهم في طفولتنا عندما كنا نزور جبال النوبة، وحتى عندما نكون في أبوعشر حيث ولدنا ونشأنا وترعرعنا وتعلمنا.. كان أهلي يخيفون الأطفال بعبارة (قاملو سلو)..وترجمتها (العرب الأباله)..وكانوا يقولون للطفل: إذا ابتعدت عن البيت سيسرقك العرب الأبالة ويأخذونك بعيداً.. فيخاف الأطفال ولا يبتعدون كثيراً، ومغزى ذلك أن رعاة الإبل كانوا يتوغلون إلى داخل جبال النوبة في الصيف،حيث تحتفظ الوديان وسفوح الجبال بالأشجار الخضراء وتكون مراعي مثالية، ولكنهم غير مؤتمنين، ولا يكتفون بسرقة البهائم بل يسرقون حتى الأطفال الصغار.. وفي هذا الجانب كثير جداً من الروايات المتواترة تحكي عن عمليات الإختطاف ومنهم من عادوا بعد أن اشتد عودهم.
* المهم أنها كانت ليلة إجتمعت فيها كل الكوابيس، وفتحت كل السيناريوهات أبوابها على مصراعيها.. هل سيعتقلونني؟.. أم يقتلونني مباشرة، فأنا لا أملك في سجلي المهني كلمة طيبة في حق الدعم السريع، ولا أعرف منهم إلا من عرفتهم بنادي المريخ، حتى المك أبوشوتال كان انضمامه لهم قبيل اندلاع الحرب بأشهر قليلة.. وعلاقتي معه بعمر إنسان.. لذلك كنت أتوقع الأسوأ..!!
* أذيع خبر وفاة شقيقة البروفيسور حسن عثمان عبدالنور المدير الأسبق لغابات السودان ووكيل وزارة الزراعة، وفي هذه الحالة يتوجه الرجال إلى المقابر للتشييع، وكان ذلك بعد المغرب متزامناً مع دخول المرتزقة، ولأنهم كانوا خائفين هالهم العدد الكبير من الرجال يرتدي معظمهم الجلاليب البيضاء فأطلقوا أعيرة كثيفة في الهواء معتقدين أنهم ينوون الهجوم وقد تحفزوا للأسوأ، ولكن القريبين من موقعهم نبهوهم إلى أنها موكب جنازة.. وفي تلك الأثناء بدأ بعضهم نشاطهم في نهب الناس، ففقد أكثر من شخص هواتفهم وسياراتهم وفقد الأخ والصديق خالد الرشيد خالد دراجته البخارية في ذلك اليوم.. وكانت الرسالة قوية لكل من كان يستخف بالأمر ويحسن الظن بالجنجويد ويعتقد أننا مواطنون عزل ولن نكون هدفاً لهم، وكل ساعة أعقبت ذلك كانت تأكد أنهم ليسو بشراً أسوياء، وهذا لا يعني أننا لم نجد فيهم من يجيد الحديث والتعامل، ولكنهم قلة قليلة، والغالب منهم مجرد من أية مشاعر إنسانية..!!
* في تلك الليلة شهدت أبوعشر إرتقاء روح أول شهيد بالمدينة، حسن الأمين شقيق الأخ والصديق الشيخ آدم الأمين، كان يقود سيارة يوصل بها مرضى مركز الكلى.. وفي ذلك اليوم كان يوصل الأخت المرحومة فرحه علي برج بعد أن فرغت من جلسة الغسيل، ولكن أيادي الغدر إغتالته عند إحدى الإرتكازات، وقد كان الشهيد رجل خير وبر، يبادر بالعمل الطيب ولا يترك خدمة للمرضى بمستشفى أبوعشر إلا ويقدمها عن طيب خاطر.. وكان إغتياله إحدى الرسائل التي وصلت إلى الأهالي، وملخصها أن الكوارث قادمة..!!
* كان علينا أن نتقبل الأمر بشكل أو بآخر.. غير أن النفس كانت ترفض فقه (التعايش).. ليس لشيء سوى أن الطرف الآخر ليس من الكائنات التي تقبل التعايش وتحتمله بمسؤولية.. فهم الطرف الباديء بالشر دائماً.. وكذلك صيغت كل الأحداث والمواقف بعد ذلك على هذه الحقائق، وأدركت أن دوري أكبر في توعية الناس عبر مجموعات الواتساب والفيسبوك.. والتحذير من أي احتكاك مع هؤلاء الناس.. فلا إعلان رفضهم سيكون مفيداً ولا محاولات التعايش ستكون مفيدة، وكنت أتحاور مع كل من يهمه الأمر لإيجاد طريقة تحقن دماء الأهل في أبوعشر.. فأي فقد سيكون مؤلماً.. وبإختصار كنت مستعداً للتضحية من أجل ألا يصيب أحدهم مكروهاً، فمرت الساعات ببطء مرعب، وفي نهار اليوم التالي لم تكن هنالك حركة مواطنين على طول شارع مدني، وكل إلتزم بيته، وفي المساء تعطلت سبارة (ثلاجة) أمام منزلنا وبابنا الكبير الذي يفتح مباشرة على شارع مدني، فافترشوا مسطبة بيتنا وكنا نتحرك في الداخل على الأمشاط لنتحاشى أي احتكاك معهم، فربما يكون من بينهم النسخة الأسوأ من البشر.. إلى أن قرع أحدهم الباب، فتقدمت وفتحت له.. فألقى السلام وطلب مني مياه شرب.. فأحضرت له حفاظة مياه مع كوب فارغ فشكرني وذهب.. تنفست الصعداء.. وذاب جزء من جبل الهم وتحررنا بعض الشيء..!
* إبن خالتي معتصم عبدالله كليرا كان قد وصلني قبل أسبوع فقط بعد رحلة نزوح من أم درمان عبر الجموعية وبالمراكب من الشيخ الصديق إلى القطينة وبعد أن أقام في منطقة (القبوب) لأسابيع.. وكان يحكي لنا تجاوزات وانتهاكات وسلوك الجنجويد بأمبدة، وقد ساهم في مضاعفة ذخيرة المعلومات التي عندي وساعدتني على قراءة الأحداث وتوقع ماسيكون..!
* أبوعشر وبحمدالله وتوفيقه تعافت سريعاً.. فمن لحظة التحرير وحتى الآن لم ينتظر أهلها الحكومة لكي تعيد الحياة إلى مدينتهم بل عملوا في إعادة تشغيل المستشفى بالعون الذاتي والمبادرات التي تألق فيها نساء المدينة ولجنة لطفي شريف ومبادرته، ثم أعيدت محطات المياه للعمل بمبادرات خارقة وبطولية من أبناء المدينة بدول المهجر.. ثم إجتهد جارنا العزيز اللواء أسامه العوض وحرك قافلة للمواد الغذائية من القضارف لتكون أول وأضخم قافلة تدخلها على الإطلاق، وأقدمت لجنة المعز مهدي الحلاوي وأنحزت صيانة مبنى المحكمة فعادت للعمل مزودة بوحدة طاقة شمسية، وبرز دور سواعد أبوعشر وملتقى هيئة وتطوير أبوعشر وتزاحمت المبادرات فكانت النتيجة أن أبوعشر وبعد عام فقط عادت كما كانت وأفضل..!!
* شيء واحد لن يعود.. تلك الأرواح العزيزة التي أزهقها الجنجويد من أهلنا وأصدقاءنا، وجرح من فقدوا أطرافهم بسبب إصابات مباشرة في القدم… فقدنا الأخ والجار العزيز عوض عبدالوهاب، الشقيق الأكبر للمقدم الكباشي عبدالوهاب الذي كان قد استشهد بالمدرعات قبل ثلاثة أشهر فقط من مقتل عوض، وهو صديق طفولة ورفيق حي تزاملنا بفريق الشعلة وتزاملت مع شقيقه الكباشي بفريق التكامل، وكنت دائماً أجده بجانبي بمسجد القبة الخضراء وأول من يجلس في حلقات التلاوة، ومعه فقدنا روح الشاب الأنيق والمهذب عبدالله عبدالرحيم (ود القور) وقبل أيام كنت أمازحه بأنني حضرت زواج والديه.. والأخ العزيز وصاحب القلب الطيب والجار السابق محمد فضل الله خلف الله … وكانت هنالك قصة وعبرة في استشهاد كلاً منهم..!!
* وفي ليلة من الليالي التي أعقبت تحرير مدني حدثت إشتباكات بين أبناءنا والجنجويد داخل المدينة وتلقينا النبأ الحزين بإستشهاد الشاب المهذب محمد الضو.. والذي كان يهب دائماً عندما تنطلق صافرات الإستغاثة في أي حي من الأحياء
* أبوعشر فقدت الأخت (مهالك الحسن دفع الله) زوجة الأخ والأستاذ طارق محمد عبدالرحمن ليلة دخول الجنجويد.. وقد ماتت مرعوبة منهم لحظة دخولهم حوش عائلة قدورة وفريق الجزارة لنهب السيارات.. وكذلك فقدنا روح الأخ العزيز بكري علي فرح.. والذي استشهد وهو يحتفل بوصول الجيش وتحرير مدينة الهلالية التي نزح إليها بعد انتهاكات أبوعشر.. وبذلك كانت العبرة أننا فقدنا روحاً مرعوبة عندما دخل المرتزقة للمرة الأولى.. وفقدنا روح الجميل بكري علي فرح وهو في قمة السعادة.. يعبر بطريقته إحتفالاً بوصول الجيش…!!
… غداً أكتب عن زيارة أبوشوتال..


