صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

بمناسبة مرور عام على تحرير أبوعشر (٨)

3

بمناسبة مرور عام على تحرير أبوعشر (٨)

الإختراق الكبير.. المستشار المتمرد يوسف الكنزي مر من هنا..!

أبوعاقله أماسا
* كتبت في الحلقات الأولى أنني نزحت من أم درمان بعد سبعة أشهر من بداية الحرب، وإخترت التوجه إلى أبوعشر حيث مسقط الرأس ومولدي ونشأتي والبيت الكبير، ومابين تأريخ وصولي وسقوط ولاية الجزيرة شهر وثلاثة عشر يوماً بالضبط، وهي فترة قصيرة لم تسعفني لقراءة واقع المدينة وتقاطعاتها ومكوناتها وإمتداداتها الجديدة، خاصة وأن السبعة أشهر الأولى كانت قد شهدت تدفقات كبيرة جداً من النازحين الذين وفدوا إلى المدينة، فامتلأت كل دور الإيواء من مدارس ومراكز، وارتفعت أسعار الإيجارات وغصت المدينة الصغيرة بحركة المقيمين الجدد، وسط كل هذه المتغيرات كان هنالك متسللين وخلايا نائمة، وصلوا إلى المدينة وأقاموا بين أهلها الطيبين وبخبث شديد رسموا كل تفاصيلها الدقيقة وعندما حدث الإجتياح ذهب المعتدون إلى أهدافهم مباشرة وكأنهم مقيمين في هذه المدينة منذ عقود.
* لم أكتب في هذا الأمر نسبة لنقص المعلومات المكملة، ففترة شهر ونصف لم تسعفني لمعرفة كل شيء في المدينة خاصة وأن فترات غيابي عنها كانت تمتد أحياناً لعام كامل، وقد توصلت أخيراً للروايات الكاملة التي تؤكد الحديث وترسم كل تفاصيل سيناريو الإختراق العظيم في ولاية الجزيرة وتحديداً مدينة وأبوعشر وما جاورها، وعن نفسي كنت حريصاً على السؤال عن كل مايثير شكوكي واتأكد من الأشخاص وأماكن إقامتهم بالخرطوم..!
* من ضمن النازحين إلى المدينة، رجل أعمال قيل أنه من منطقة الجديد، وقد أقام بالحي العاشر وبعدها وصلت شاحنات تحمل أطناناً من السيخ ومواد البناء ليستقر هناك ويواصل نشاطه التجاري.. وأهل أبوعشر في هذا الحي بسطاء وكل في حاله ولا أحد يتدخل في شؤون الآخر ولم يشك أحد فيما يحدث هناك.. فضلاً عن عدم معرفة الأغلبية وإستشعارهم لخطورة ما يحدث.. والخطر الزاحف إليهم من العاصمة الخرطوم.
* بعد إستقرار رجل الأعمال وإسمه علي المرين.. في الحي العاشر إمتدت علاقاته مع الجيران خاصة وأنه أبدى كرماً وطيبة في معاملاته، خاصة وأنه ميسور الحال، وبعد شهور من إقامته طلب من بعض الجيران البحث عن منزل لصديق له بروفيسور بجامعة الخرطوم، يريد أن ينزح من العاصمة ويريده أن يقيم في هذه المدينة، وبطيب خاطر وكرم ونخوة ساعدوه في إيجاد بيت في الحي التاسع داخل حوش كمال الدين محمدين، فجاء الضيف بأبناءه وأقام في الحي التاسع وفي موقع قريب من قلب المدينة والأحياء القديمة..!
* كان ذلك الضيف والوافد الجديد إسمه يوسف الكنزي، أستاذ بجامعة الخرطوم، وتتكون أسرته من إبنته في بداية العشرين، متحررة وجميلة مما جعلها محط أنظار الجميع، وبعد فترة عملت في بوتيك في الحي الرابع في العمق قليلاً من وسط المدينة، وكل من راقبها لاحظ تحركاتها وأنها ترسم وتسجل ولا تسأل إلا الأطفال حسب إفادات من كانوا قريبين منها.
* والدها البروفيسور.. كان يقضي نهاره جيئة وذهاباً من بيته إلى بيت صديقه رجل الأعمال في الحي التاسع، وفي الغالب كان يتناول معه الوجبات ويقضي معه الساعات الطوال.. وكان يثرثر مع الجيران ويسأل أسئلة كثيرة معظمها إستفسارات ومحاولات لمعرفة كل شيء عن أي شيء، وبعد فترة بدأ يخرج في مشاوير إلى المناطق المجاورة، مرة إلى المحيريبا لزيارة صديق له، وأخرى إلى الحصاحيصا حيث كان يشارك في إجتماعات في مكتب يقع داخل سوق الحصاحيصا، وتارة أخرى يذهب إلى الكاملين والهلالية وبعض المناطق المجاورة.. كل ذلك بحجة زيارة أصدقاءه ومعارفه وزملاءه، وقد اتضح بعد ذلك أنه كان ينسق لعمل ما.. ولكن يحكم معرفة الناس والقريبين من موقع سكنه بأنه أستاذ بجامعة الخرطوم فلا أحد يجرؤ على الشك والتتبع، وكلما مضت الأيام زادت الحركة.
* أما بنته الجميلة فقد غاصت كخنجر مسموم في خاصرة المدينة الهادئة وأهلها الطيبون تسجل وتدون وترصد أصحاب الأموال وحركة الشباب المستنفرين وأماكن السيارات وكل معلومة عن أبوعشر.. إلى أن جاء وقت الإجتياح ودخول الجنجويد لتتكشف الحقائق وتسقط الأقنعة..!!
* بدا الرجل مهتماً أكثر بتمدد الجنجويد وتغلغلهم في قرى شمال الجزيرة، ويتحرك بين الناس بثبات دون أن يظهر عليه ذلك القلق الذي كان يعلو كل الوجوه وقتها، وقبل ساعات من وصول الجنجويد قدم الدعوة لأكثر من شخص لحضور إجتماع مهم يعقد بالحصاحيصا..!!
* بعد إجتياح الجنجويد ظهر يوسف الكنزي وهو يرتدي الزي الرسمي للدعم السريع وبرتبة عميد، واتضح بعد ذلك أنه مستشار، وتم ترحيل أسرته بعد ذلك ربما إلى الخرطوم حيث أكدت بعض الأخبار أن بنته الجميلة قد تزوجت بأحد قيادات المتمردين، فيما كان آخر ظهور للكنزي في المقابر بعد استشهاد عوض عبدالوهاب وعبدالله ود القور في حادثة إشتباك مع جماعة المجرم أحمد صافولا.. ويومها خاطب الجموع الغاضبة وقام بتخويفهم من أي ردة فعل حتى لا تكبر الخسائر.. نظراً لعدم التكافؤ بين قوة مدججة بالسلاح ومواطنين عزل..
* إبنته الحسناء أدت دورها على أكمل وجه، لأن الجنجويد دخلوا المدينة وتوجهوا إلى أماكن السيارات الفارهة بدون أي تردد وتخبط في الطريق رغم تعقيدات الطرق الداخلية، ووصلوا إلى حوش قدورة… وحوش قدورة تحديدًا يقع في العمق الشرقي من المدينة على ضفة النيل الأزرق.. حتى نحن المولودون في هذه المدينة لا نوصل المكان إلا في المناسبات الإجتماعية..
* حوش قدورة والديوان الكبير والذي هو ملك لتلك الأسرة العريقة وهي أسرة وكيل وزارة الصناعة الأسبق المرحوم عثمان الأمين قدوره، ملحق به حوش كبير وأشجار نيم ضخمة والمكان يستضيف كل المناسبات في ذلك الحي ويطل على النيل، وقد كان مخبأ للسيارات من كل صنف، بعضها خرجت من الخرطوم، وكان كل شيء يدل على أنهم وصلوا إلى المكان بمعرفة ودليل..!!
* بعدها مباشرة كانت المليشيا تطارد الشباب المستنفرين بالإسم، فقبضت على المنسقين ومن كانوا يشرفون على الإستنفار ويتولون التدريب، ومن ضمن المدربين الذين تم القبض عليهم (عبدالله) زوج الأخت بثينه رحمه بحي المستشفى وهو في عداد المفقودين وكان في بداية الأمر قد رحل إلى سجن سوبا ولم يرد ما يفيد بوفاته أو أنه ضمن السجناء الذين تم ترحيلهم إلى نيالا..!
* إستمرت مطاردة المستنفرين من أبناء أبوعشر، وأصبحوا هدفاً فهرب الأغلبية من المدينة ونزحوا إلى الولايات الآمنة، ولكن الجنجويد كانوا يملكون قوائم المستنفرين كدليل على ذلك الإختراق الكبير..!
* شاركت عناصر أجنبية مع الدعم السريع، وهذه حقيقة لا شك فيها، ومن بين الأجانب الذين شاركوا مه القوات التي كانت تتواجد بمنطقتنا جنوبي من الدينكا إسمه بوب، كان في إرتكازات أم دقرسي وبعد تسليم قائدها (ود ريا) مع كيكل عاد من تمبول رافضاً التسليم وإختار أن يواصل في النضال من أجل (القضية).. على حد تعبيره، أما العناصر التشادية فقد كانت واضحة، ومنهم بدرالدين قائد الإرتكاز الجنوبي من السوق ومجموعته ولديه أبناء عمومة في قرية السنيط إنضموا بأكملهم للدعم السريع.. وعلى رأسهم كان (فرنسا)… أحد أخطر المطلوبين في أبوعشر وما جاورها لكثرة انتهاكاته.. ثم كامل طاقم الدوشكا الذين كانوا مع القائد (الماحي) آخر من غادر المنطقة، وبعد تحرير مدني جاءت مجموعات أخرى من النوير وارتكزت بالسوق فضلاً عن المجموعة التي اشتبكت مع الهبانية وورد ذكرها من قبل.

… في الحلقة القادمة نحدثكم عن مطاردة النظاميين..

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد