من أسوار الملاعب
حسين جلال
القدرات الاحترافية للسنغال تتغلب على طموحات منتخبنا
الأحلام والطموحات حق مشروع لأي منتخب يسعى لبلوغ المجد، غير أن كرة القدم الحديثة لا تُدار بالعاطفة وحدها، بل يحكمها واقع صارم ومنطق أرقام لا يمكن القفز فوقه. هذا الواقع تجلّى بوضوح في المواجهة الحاسمة بدور الـ16 بين منتخبنا الوطني ونظيره السنغالي.
قبل صافرة البداية، كانت الفوارق الرقمية كفيلة بترجيح كفة أسود التيرانغا؛ منتخب السنغال يحتل المركز 19 عالميًا في تصنيف الفيفا، والثاني إفريقيًا، مقابل المركز 117 عالميًا و31 إفريقيًا لمنتخبنا. أما على مستوى القيمة التسويقية، فالفجوة أكثر اتساعًا، حيث تبلغ قيمة المنتخب السنغالي قرابة 406 ملايين يورو، مقابل نحو 3 ملايين يورو فقط لمنتخب السودان.
ورغم هذه الأرقام الصادمة، فرض منتخبنا واقعًا مغايرًا في بداية اللقاء، وتحديدًا في الدقيقة السادسة، عندما افتتح المحترف عامر عبد الله التسجيل بهدف عالمي، وضع فيه الكرة ببراعة في الزاوية البعيدة، هدف يمكن تصنيفه كأجمل أهداف البطولة حتى الآن، وأشعل حماس الجماهير ومنح لاعبي المنتخب دفعة معنوية كبيرة.
دخل الغاني كواسي أبياه اللقاء بطريقة 4-3-3، بتشكيلة ضمت:
منجد في حراسة المرمى،
أرنق وكرشوم في قلب الدفاع،
بخيت خميس في الرواق الأيسر، وشادي في الجهة اليمنى،
ثلاثي الوسط: عمار طيفور، أبو عاقلة، وبوغبا،
وثلاثي المقدمة: عامر عبد الله، الغربال، ومحمد عيسى.
امتاز أداء منتخبنا بالانضباط والحذر في الدقائق الأولى، خاصة خلال الثلث ساعة الافتتاحية، حيث بدا الفريق متماسكًا ومركزًا. غير أن تحركات ساديو ماني وإسماعيلا سار على الأطراف، إلى جانب بابي غاي وإدريسا غاي في عمق الوسط، كشفت سريعًا الفوارق الكبيرة في الخبرة والجاهزية والاحتراف.
عانى وسط ملعب منتخبنا من بطء التحول، وضعف التمركز، وسوء التمرير والاستلام، خاصة من أبو عاقلة وعمار طيفور، وبرز ذلك بوضوح في الخطأ القاتل لأبو عاقلة خلال محاولة افتكاك الكرة، ليستغل بابي غاي، محترف فياريال، الوضع ويسجل هدف التعادل، قبل أن يعود المنتخب السنغالي لإحراز الهدف الثاني مستفيدًا من المساحات بين الوسط والعمق الدفاعي.
الوقوف الخاطئ لثلاثي المحور (أبو عاقلة، طيفور، وبوغبا) على خط واحد، وانعدام الضغط على حامل الكرة، منح لاعبي السنغال حرية التحرك والاختراق، ليأتي الهدف الثالث عبر الموهبة الصاعدة إبراهيم مباي، لاعب باريس سان جيرمان، مؤكدًا السيطرة الميدانية الكاملة للمنتخب السنغالي طولًا وعرضًا.
ورغم ذلك، لم يخلُ اللقاء من فرص حقيقية لمنتخبنا؛ أضاع شادي فرصة ثمينة وهو في مواجهة مباشرة مع الحارس إدوارد مندي، كما أهدر البديل الجزولي فرصة أخرى بسبب سوء التقدير واتخاذ القرار في التوقيت الحاسم. في المقابل، قدم بخيت خميس مباراة ضعيفة دفاعيًا، وتسبب بشكل مباشر في الهدف الثالث نتيجة تراجع لياقته البدنية، فضلًا عن عرضياته غير الدقيقة التي لم تُضف أي فاعلية هجومية.
كما ظهر الغربال بمستوى باهت، ولم يكن منجد في أفضل حالاته، خاصة في الهدف الثالث، ما زاد من صعوبة العودة في النتيجة.
في المحصلة، جاءت الخسارة منطقية ومتوقعة إلى حد كبير، في ظل الفوارق الشاسعة في الإمكانات الفردية والجماعية، وعدم قدرة معظم لاعبينا على مجاراة متطلبات كرة القدم الحديثة، التي يجيدها المنتخب السنغالي بكل تفاصيلها. فرغم التأخر بهدف، عرف أسود التيرانغا كيف يعودون للمباراة ويحسمونها بثبات وخبرة، وهي عوامل تصنع الفارق في مثل هذه المواعيد الكبرى.
آخر الأسوار:
خروج منتخبنا من دور الـ16 لا يقلل من قيمة المجهود المبذول، لكنه يضعنا مجددًا أمام حقيقة مؤلمة: الطموح وحده لا يكفي. ما لم تُبْنَ منظومة كروية حقيقية قائمة على الاحتراف، الإعداد، وتطوير اللاعب ذهنيًا وبدنيًا، ستظل الفجوة قائمة بيننا وبين كبار القارة، وسيبقى الواقع أقوى من الأمنيات.


