صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

بمناسبة مرور عام على تحرير أبوعشر (٢)

0

 

جارنا كان يتمنى أن يأخذوا سيارته سريعاً حتى يرتاح

أبوعاقله أماسا
* يوم وصول الجيش إلى منطقتنا كان لوحده حكاية، والساعات الأخيرة أيضاً كانت لحظات مرت ببطء وترقب وتراجيديا عجيبة حوت تفاصيلاً غلب عليها الحزن والخوف، ولكننا وبرفقة مجموعة من الجيران الأعزاء كنا نصنع من ذات المواقف بسمة علها تضيء لنا ظلمة الساعات، يتقدمنا الجار الطيب محمود محمد يوسف زوج حليمة بت نافي العيوب، وحسبو مكي ومصطفى عبدالوهاب وحمدان النيل، نصحك على شر البلية ونحاول نسيان مايجري ولو للحظات، وقد تخيلت مع خواتيم شهر يناير أننا قد نموت إذا لم يصل الجيش حتى يوم ٣/ فبراير، فقد إنتهى كل ما كتت أدخره من مال ومواد تموينية.. حتى ما كنت أستخدمه ك(علوق للبهائم) وزعته على بعض معارفي فقد وصل الناس مرحلة ما قبل أكل شجر النيم والعشر..!!
* جارنا العزيز حسب الرسول مكي مصطفى، أو حسبو مكي كما نحب أن نناديه كان أكثر الناس تضرراً، وكذلك أكثرهم جرأة وشجاعة، وبسبب الأبواب الكبيرة كان منزله جاذباً للصوص، ولا تمر ساعات إلا وتقتحم عليه مجموعة بيته..إجتهدنا معه في نقل بعض المقتنيات الثمينة من بيته إلى البيوت المجاورة، وكان يضطر لمراقبة البيت من على البعد وزوار الليل والنهار قلبوا كل شيء بحثاً عن المال والذهب..وكانت حصيلة خسائر حسبو لوحده سحابين وسيارة أفانتي وموتر…غير الأشياء الصغيرة، أحد السحابين كان متعطلاً لسنوات ولكنه كان مصدر قلق لكل الحي، لأن الجنجويد أصروا على جره معهم، وبذلوا مجهوداً لو بذلوه في أي عمل حلال لاستطاعوا شراء سحاب أفضل منه..وتبادلت في المهمة مجموعات كثيرة منها مجموعة محمد علي أكثر قادة الجنجويد في أبوعشر نهماً وحماساً في النهب و(الشفشفه).
* بعد أن فشلوا في فك التأمين أطلقوا على الطبلون سبع طلقات، فطلب منهم حسبو أن ينبهوه إذا أرادوا الخروج ليساعدهم حتى لا يحطموا جدران البيت، وبالفعل فلحوا في فك التأمين وتحريك السحاب ونادوه فساعدهم بالفعل على إخراجه وتوديعهم في شارع مدني.. والسبب أن منظر السيارة كان مغرياً وجاذباً لكل المارة ومصدر قلق وإزعاج..حتى حسبو نفسه لم ينم لأيام بسبب كثرة الجنجويد الطامعين، وبالفعل بعد أن أخذوا السحاب إرتحنا منهم ولم يعد هناك ماهو مغري..!!
* جاءت مجموعة مسلحة منهم واقتحموا بيت المرحوم سليمان الحبشي ومنه دخلوا إلى بيت المرحوم حسن القنان وتسكن فيه الجارة العزيزة حليمة شرف الدين (بت نافي العيوب)… فعثروا على مخزن مغلق، وبدون أي تردد أو حتى نظر لساكني المنزل تناول الجنجويدي فأساً وبدأ يحطم باب المخزن حتى فتحه، ووجد بداخله جوالات من القمح لا تقل عن كذا وعشرين جوالاً فبدأوا في تحميلها، وفي الأثناء كانت هنالك مجموعة تحاول في تحريك سبارة حسبو مكي فأخبروهم بما يحدث، فجاء منهم إثنين وبعد رجاءات أقنعوا اللصوص بالتنازل عن ما تبقى من القمح.. وبعد استئذان أصحابه قمنا بتوزيعه على الأسر والتكايا.. وقبلها كان صديقي وجاري حاتم الجيلي محمد نور قد أرسل إلينا أحدهم من عديد أبوعشر حيث هرب بأبقاره في جنح الليل ونزح أولاده نحو ود الماجدي.. فأرسل إلينا ليبلغنا بأن هنالك ثلاث جوالات من الذرة في مخزن بيته وعلينا أن نسبق الجنجويد ونقوم بتوزيعه.. وقد نفذنا طلبه، وكانت جوالات القمح من طارق محمد أحمد والذرة من حاتم الجيلي من الأشياء التي دعمت الصامدين..!
* أما سوق أبوعشر فقد نهب بالكامل في أول ليلة بعد دخول الجيش إلى مدني، وحدثت فيه اشتباكات بين مجموعتين وتناثرت فيه جثث الموتى إلى ما بعد تحرير المنطقة فأصبح مكاناً ملوثاً، فضلاً عن أنه كان عبارة عن مستعمرة جنجويد أقلهم يفوق الضباع في الطباع، وفي تلك الأيام فقد عثمان حفيد جارنا إبراهيم ود يوسف، وهو من أسرة بين أبوعشر والطالباب وقد قتله الجنجويد في ذلك اليوم الأغبر وتركوا جثته في إحدى أزقة السوق ولم يتم التعرف عليه إلا بعد التحرير بأيام من حذاءه وما كان يرتديه من ملابس بعد أن تحللت جثته..!
* بعد عشرة أيام كاملة بدأت حركة لصوص الدعم السريع تخف داخل المدينة بعد أن نهبوا كل ذو قيمة وماعاد فيها حتى مياه للشرب، وبدأنا نستطلع أخبار أصدقاءنا ومعارفنا داخل المدينة…من بقي فيها ومن نزح.. وكنت قد فكرت مبكراً وقمت بشراء كارو يجره حمار أبيض شنداوي فكنا نرفع عليه عبوات الذرة ونذهب إلى ود الماجدي وأم دقرسي لطحنه ونجلب به الماء من البحر والترعة، وفي نفس الوقت محاولة التواصل مع من نزح إلى هناك، ومنهم جيراني وأصدقائي وشقيقتي الكبرى وبناتها.. ثم دخول الإستارلينك في ود الماجدي ولو لساعة لمعرفة آخر الأخبار ولم تكن المهمة سهلة لأن الكل كان يسعى للتواصل مع أهلهم وأقربائهم في الخارج وإستقبال التحويلات البنكية.. وفي ود الماجدي كانت أقسى المناظر ونحن نرى أهلنا وجيراننا في لحظات ضعفهم وخوفهم تقرأ من عيونهم سهر الليالي والخوف من المجهول.. كنت أحاول طمأنتهم بأن الجيش قريب، وأن هذا النزوح لن يستمر كثيراً.. وأحاول التخفيف عليهم بقصص الأسر التي نزحت من منازلها لأكثر من عام وأننا محظوظين لأن هذه الكارثة حدثت في الخواتيم والجيش على الأبواب..!!
* بعضاً من حسن الحظ كان في ضيق الوقت وحالة الهلع التي كان يعيشها الجنجويد وهم يترقبون هجوم الجيش في أي وقت، فلم يكن هنالك وقت لنهب أثاثات البيوت، فركزوا على بعض ما خف وزنه وغلا ثمنه وعندما عاد الأهل وجد معظمهم مقتنيات منزله وأثاثاتهم كما هي إلا من أثر الفوضى ولم تنهب إلا بيوت محددة وبعض التي سكنوها..!!

….. نواصل في الحلقة القادمة..

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد