صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

وأفقنـا ليـت أنّـا لا نفيـق

0

​صابنها
محمد عبد الماجد

وأفقنـا ليـت أنّـا لا نفيـق

​عزَّ عليَّ وأنا أكتب لكم عن النصر، عندما نكون شركاء في الفرحة، ألا أكتب لكم عند الحزن، ونحن تحت وطأة الهزيمة. وهي تأتي تجرجر أذيالها مثل أعقاب السجائر الملاقاة بشيء من الإهمال في ركن منسي. حالتي هي أسوأ من حالتكم، ولكن لن أقول إلا ما يدعم الهلال ويعيده من ثاني. لم نستسلم لحالة الحزن، ولن أسلّم أوراقي للإحباط. سهلٌ عليَّ أن أكتب في مثل هذا الوقت مهاجماً ومنتقداً ومعارضاً. يسهل عليَّ أن أحمّل الهزيمة لجهة ما وأقلب الصفحة. سهلٌ عليَّ أن أضع يدي على خدي وألعن الجميع. لكن في كل الأحوال لن أتغافل عن حالة الحزن.
​أريد أن أكتب لكم عن صدمة الخروج، فقد رتبنا كل أمورنا، وجهزنا كل شيء، “ستفنا” أحلامنا، وحشدنا آمالنا، وكانت طموحاتنا لا تنتهي عند الشمس. الشيء الوحيد الذي لم نعمل له حساباً ولم نرتب له هي الهزيمة، والخروج من ربع النهائي، بعد أن قطعنا العهد بالوصول إلى النهائي. كانت أحلامنا معلقة باللقب، لم نعلن عن ذلك، لكن كل واحد فينا كان يحمل حلمه طفلاً، يكبر يوماً بعد يوم. أضفنا حلمنا في مقررات المدارس، أي طالب كان يحمله في (حقيبة المدرسة)، مع الكراسة والكتاب والقلم. كنا نثق في قدراتنا، وكنا نعتقد أن جزاء جهدنا هذا لن يكون إلا اللقب.
​افترشنا طريقنا بالعشم، ودهنا الجدران والأبواب، والصمام الأيمن والصمام الأيسر بحتمية فوز الهلال بالبطولة. لم نترك واردة أو شاردة إلا وغازلناها باللقب. شاركتنا الشوارع في أحلامنا وسابقتنا في ذلك. ونحن هكذا يجعلنا الحب نمشي في الطرقات ننشد محبوبنا. هكذا نحن.. ننام ونصحو على الهلال، نفرح به ونفرح به ولا نحزن إلا من أجله. أوجاعنا كنا نسكت نبيحها بانتصار الهلال، وجراحنا كانت المضادات الحيوية لها فوز الهلال. لم يكن للقمة طعم إلا إذا “عطناها” في سيرة سيد البلد، ولم يكن يروينا غير أن نرى الهلال كما نحب. هؤلاء نحن، نتغنى بالهلال، ليس عند النصر فقط، حتى في الهزيمة لا نسقط ترانيمنا له. تعودنا أن ينام أطفالنا على هواه، وأن يستيقظوا على صوته. شاي الصباح، قهوة العصر، كل شيء لا يكتمل إلا بالهلال. شوارعنا تكتسب ألفتها منه، نحبه لهذا الحد الذي يجعل هزيمته مثل النطق بالإعدام.
​لقد خسرنا، وها لنا أن نشاهد صرحنا الذي بنيناه يتهاوى ويتساقط. إنها الأطلال:
​يا فؤادي لا تسل أين الهوى .. كان صرحاً من خيالٍ فهوى
اسقني واشرب على أطلاله .. واروِ عني طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبراً .. وحديثاً من أحاديث الجوى
​لا نرفض نحن أن نعيش “الوجعة” كما هي، عندنا من الشجاعة ما يجعلنا نعترف بأحزاننا، بل ما يجعلنا نواجهها. لا نجمّل واقعنا بما ليس فيه. الإخوة في المريخ عموماً لا يشعرون بذلك ولا يعرفون ما نحس به؛ لأنهم لم يجربوا هذا الذي نحن فيه، هم يخرجون من مرحلة التمهيدي، وجراحهم وقتها مجرد خدوش. نحن وحدنا من نقاتل.. وحدنا من يجتهد ونعمل ثم نأتي ونخرج ونحن على مقربة من النهاية السعيدة. أكيد الصدمة أكبر.
​الهلال عندنا دائماً هو في هذه الصورة حتى عند الانكسارات:
​أين من عيني حبيبٌ ساحرٌ .. في نبلٍ وجلالٍ وحياء
واثق الخطوة يمشي ملكاً .. ظالم الحسن شهي الكبرياء
عبق السحر كأنفاس الربى .. ساهم الطرف كأحلام المساء
​سوف تظل تمشي ملكاً حتى وأنت تخسر، سحرك يخرج من هذا، أنك تبقى الملك حتى عندما تخسر. هذا الحزن الذي نحن فيه، ليس هو حزن عليك، هو حزن من أجلك، حزن نمارس فيه كل العشق. ستغضبون كثيراً، وستعترضون وتمارسون حقكم كاملاً في الغضب والحزن والاعتراض، ولكن نرفض أن نتراجع خطوة. لم نتخلَّ عن أحلامنا، وآمالنا سوف يزيد تعلقنا بها، نعرف أن الفروقات تخرج من الهزيمة، الفروقات لا تحدث عند النصر. عندما ننتصر، كلنا نفرح ونهلل ونتسابق نحو العشم، ولكن عندما نخسر قليلٌ منا من يتماسك ومن يرفض الانكسار أو البداية من جديد من الصفر. عشقنا للهلال لا ينتهي ولن ينتهي، محكومٌ علينا أن نكمل السير، ليس فينا من يدعو للرجوع أو النكوص.
​لن ننسى العهد الذي يجمعنا:
​هل رأى الحب سكارى مثلنا .. كم بنينا من خيالٍ حولنا
ومشينا في طريقٍ مقمرٍ .. تثب الفرحة فيه قبلنا
وضحكنا ضحك طفلين معاً .. وعدونا فسبقنا ظلنا
​هل هذا هو قدرنا، أن نظل على تلك الحالة أو تنتهي الحكاية كلما اقتربنا من الحلم؟ كنا نظن أن دواء هذا الذي خلفته فينا الحرب هو أن نرى الهلال متوجاً. كنا نحسب أن الجزاء سوف يكون الأميرة السمراء.
​وانتبهنا بعد ما زال الرحيق .. وأفقنا ليت أنّا لا نفيق
يقظةٌ طاحت بأحلام الكرى .. وتولى الليل والليل صديق
وإذا النور نذيرٌ طالعٌ .. وإذا الفجر مطلٌ كالحريق
وإذا الدنيا كما نعرفها .. وإذا الأحباب كلٌّ في طريق
​نعم قد تبدو النهاية للكثيرين على هذا النحو، فقد تجرعنا من ذلك الكأس كثيراً. حياتنا قائمة على تلك الجراح.. نقترب ثم نخرج. نعشم ثم نصدم.. حتى صار ذلك لنا قدراً. علينا أن نحسن التعامل مع أقدارنا إذا أردنا أن نبدلها للأحسن. لا تدخلوا في صدام مع أقداركم، تعلموا الرضا حتى في لحظات الوجع.
​أيها الساهر تغفو .. تذكر العهد وتصحو
وإذا ما التأم جرحٌ .. جدَّ بالتذكار جرحُ
فتعلّم كيف تنسى .. وتعلّم كيف تمحو
​عندما خسر الهلال بخماسية على ملعبه من مازيمبي كتبت تحت عنوان (تايتنك)، حيث صُممت هذه السفينة على أعلى طراز وكان من صنعها ومن ركب عليها يقول هي سفينة ضد الغرق… لكنها غرقت. غرقت رغم الحب الذي كان فيها. الآن بعد الخسارة من نهضة بركان والخروج من ربع النهائي لا أجد أفضل من (الأطلال) لإبراهيم ناجي لأكتب على رحاها. لم أجد أفضل من ذلك:
​يا حبيبي كل شيءٍ بقضاء .. ما بأيدينا خلقنا تعساء
ربما تجمعنا أقدارنا .. ذات يومٍ بعد ما عزَّ اللقاء
فإذا أنكر خلٌّ خله .. وتلاقينا لقاء الغرباء
ومضى كلٌّ إلى غايته .. لا تقل شئنا فإن الحظَّ شاء
​نعم إن الأقدار لم تكتب لنا حتى الآن البطولة، الجميع اجتهد، كلهم لم يقصروا، غير أن الأقدار أرادت لنا غير ما كنا نخطط ونأمل به. المطلوب منكم أن تواصلوا بنفس الجهد والقوة، بل المطلوب منكم مضاعفة الجهد؛ لأن جهدنا السابق اتضح أنه ليس كافياً لكي نحقق البطولة. لا تتراجعوا. نقول للعليقي الذي أعلن عن اعتزال العمل الرياضي إننا نقدر صدمتك، ونعرف حجم الإحباط الذي أصابك، لكن لن نقبل منك ذلك، نحن نريدك لمثل هذا اليوم. أنت أحد قيادات الهلال، لم نقبل منك الترجل في مثل هذا الظرف. الهزيمة الحقيقية هي في هذا الترجل والابتعاد. يجب ألا تزيدكم الهزيمة إلا قوة. أقبل منك اعتزال العمل الرياضي عندما يحقق الهلال اللقب، أما الآن فإن المطلوب منكم التماسك والمزيد من الجهد، خاصة وأنتم في قيادة الهلال. لا ترموا المنديل؛ لأن عزاء المشجع المغلوب على أمره في صمودكم وفي عودتكم أقوى.
​الهلال ما زال أمامه الدوري السوداني والدوري الرواندي، وتوقيت الاعتزال في هذا الوقت مرفوض تماماً. سلموا الهلال للجمعية العمومية القادمة، وهو بطلٌ للدوري السوداني والدوري الرواندي، الهلال أمانة في رقبتكم. أتمنى ألا يخرج عليّ أحد ويقول لي: يعني شنو لو الهلال فاز أو لم يفز بالدوري السوداني أو الدوري الرواندي؟ الهلال ما زال في أرض المعركة.. وليس مقبولاً أي إحباط أو تراجع، خاصة من شخصية مؤثرة مثل العليقي. نحن نقدر حالة العليقي واجتهاده الكبير ونثق في أنه لن يبتعد عن الهلال في هذا التوقيت.
​سوف يظل الهلال هو الهلال، وكلما حدث إخفاق أو فشل أو وقع إحباط سوف نقول إن العلاج والعودة في المزيد من الحب والعمل والاجتهاد. جدوى الرياضة ليس في الانتصارات والبطولات، جدواها وهدفها أن تظلوا أقوياء في حالة الهزيمة والانكسار. أن تعودوا أقوى ـ تلك هي البطولة الحقيقية لنا. علينا أن نعلم وأن نعترف أن هذا الذي وصلنا إليه لا يكفي لتحقيق اللقب، علينا أن نبذل المزيد. سوف تجدون الكثير من المحبطين والكثير من الذين علاقتهم بالهلال قائمة فقط عند الانتصار، هؤلاء لا يهموننا في شيء وهم لا يشكلون إضافة للهلال، جمهور الهلال الحقيقي هو من يدعم في هذا الوقت. إذا فقدنا هؤلاء الذين لا يظهرون إلا عند الهزيمة سوف نكون كسبنا الكثير.
​لقد خرج بيراميدز بطل النسخة الماضية وخرج الأهلي البطل التاريخي للمنافسة، خرجا رغم أنهما وجدا كل الدعم وتنعم بلادهما بالاستقرار والأمن السلام، فكيف لنا أن نستغرب من خروج الهلال وهو يقاتل غريباً! عودوا إلى هلالكم ورتبوا صفوفكم؛ لأننا تعاهدنا أننا كلما خسرنا عدنا أقوى.
….
​متاريس
​لن نتحدث عن الاتحاد الإفريقي ولم نتحدث عن التحكيم.. سوف نتحدث عن المزيد من العمل والجهد. المطلوب المزيد من الحب. نحن نعرف أننا نلعب في بطولة فاسدة، ولكن نبحث عن الفوز بها رغم ذلك الفساد. علينا أن نتغلب على فساد الاتحاد الإفريقي، يجب أن يكون عندنا القوة الكافية التي تجعلنا نتغلب على المنافسين ونتغلب على فساد الاتحاد. ما زال التوفيق بعيداً عنا.. ما زلنا نخسر بأسوأ سيناريو. دائماً الهزيمة تبحث عن الصورة الأسوأ لها عندما يخسر الهلال. لكن في النهاية لن نقول غير الحمد لله. الحمد لله على أي حال.
​ترس أخير: خسر الهلال، لكن نحن في حاجة أن ننتصر على أنفسنا.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد