صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

بَلقيس مَلكة الدِّرامَـا السُّودانيّة

79

صَـابِنَّهَـا
محمد عبد الماجد

بَلقيس مَلكة الدِّرامَـا السُّودانيّة

الموت علينا حقٌ، وهو مصير أو يقين لا شك فيه ولا مفر منه ـ لكن عندما يرحل مبدع والسودان يمر بهذه الظروف، حُزننا يبقى أكبر ووجعنا يكون أعظم.
رحلت الدرامية بلقيس عوض بعيدة عن ديارها، أجبرتها الحرب على الخروج من العاصمة، وهي بنت الخرطوم، ولدت فيها 1946م، ودرست في مدارسها القبطية، ولعبت كرة السلة، تخرجت في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، ودخلت الإذاعة السودانية في مرحلة مبكرة من عمرها، واُختيرت بسبب مشاركتها في برنامج الأسرة وتقديمها لفقرات درامية وإجادتها للغة العربية وهي طالبة، للقيام ببعض المشاركات الدرامية في المسرح والإذاعة وبعد ذلك في التلفزيون، لتصبح نجمة منذ ستينيات القرن الماضي وحتى موعد رحيلها المر.
بلقيس عوض كانت رائدة في كل المجالات التي طرقتها، في دخولها للإذاعة وفي إجادتها للغة العربية وتمثيلها لأدوار باللغة العربية الفصحى ـ كانت الملكة بلقيس رائدة حتى في مجال الخدمة المدنية، عندما كانت أول ضابط جمارك سوداني من الجنس اللطيف.
أجادت في الفن وأجادت في العمل العام، وكانت منفتحة على العالم الخارجي، واستطاعت أن تحقق للمرأة السودانية مكاسب كبيرة، في وقت كان وقوف المرأة فيه على الباب مشكلة.
إنسانة بهذه التركيبة الارستقراطية والمنفتحة كان من الصعب عليها أن تخرج من العاصمة وتبعد من بيتها ومن المسرح والإذاعة والتلفزيون، لذلك كانت بلقيس عوض تموت في كل يوم وهي بعيدة عن بيتها، وبعيدة عن المسرح الذي عشقته ـ عاشت معاناة كبيرة بسبب هذه الحرب، انعكست على صحتها وظهر ذلك حتى في شكلها ومظهرها العام.
هنالك معلومة، كثيرون لا يعرفونها عن ملكة الدراما السودانية بلقيس عوض، وقد سعدت بمحاورتها إذاعياً ورغم أنّني لا أملك تسجيلاً للبرنامج الذي استضفته فيها بإذاعة هلا 96 ولا أملك مسودة عن الحلقة والمعلومات التي خرجت بها من تلك الاستضافة، إلا أنّني مع ذلك أذكر جيداً أن بلقيس عوض قالت لي في تلك الحلقة الإذاعية إنها غضبت من الشاعر أبو آمنة حامد الذي كانت تجمعها به معرفة قوية ـ بلقيس قالت إنها غضبت من أبو آمنة حامد لأنه كتب أغنية (سال من شعرها الذهب) وهي مواصفات كما تبدو من الكلمات تنطبق على أجنبية خصّها أبو آمنة حامد بهذه الكلمات، حيث أغضب ذلك بلقيس عوض وزميلاتها في الدراسة أن يتجاهل أبو آمنة حامد السودانيات ويكتب ويتغزل في أجنبية، لذلك كان اعتراض بلقيس عوض على هذه الأغنية التي تغنى بها صلاح بن البادية وهي من ألحان عبد اللطيف خضر ود الحاوي، فما كان من أبو آمنة حامد إلا أن كتب من أجل إرضاء بلقيس عوض أغنية (ﺑﻨﺤﺐ ﻣﻦ ﺑﻠﺪﻧﺎ ﻣﺎ ﺑﺮﻩ ﺍﻟﺒﻠﺪ ﺳﻮﺩﺍﻧﻴﺔ ﺗﻬﻮﻯ ﻋﺎﺷﻖ ﻭﺩ ﺑﻠﺪ ﻓﻲ ﻋﻴﻮﻧﻬﺎ ﺍﻟﻤﻔﺎﺗﻦ ﺷﻲء ﻣﺎ ﻟﻴﻪ ﺣﺪ)، وهي الأغنية التي تعتبر بجغرافيا عاطفية جال بها أبو آمنة حامد على كل ربوع السودان ليكتب عن المرأة السودانية العظيمة بمواصفات البيئة والمنطقة التي خرجت منها ـ وقد فعل ابو آمنة حامد ذلك إرضاءً لبلقيس عوض وقد لحن محمد وردي الأغنية وتغنى بها ـ فهل فيكم من يعرف أن وردي غنى لبلقيس عوض من كلمات أبو آمنة حامد أكثر شعراء الأغنية السودانية عزةً وكبرياءً وأنفةً تصل حد التمرد؟
امرأة يكتب عنها أبو آمنة حامد في ثوب للقومية والوطن وليس في الغزل، ويغني لها وردي تستحق أن تكون (ملكة) وقد كانت هي ملكة الدراما السودانية حقاً.
مع ذلك، عاشت معاناة كبيرة بسبب هذه الحرب ومع نجوميتها تعرّضت لعذابات كثيرة وعاشت ظروفاً صعبة حتى إن حالتها وصورتها كانت صادمة للناس، وهي مع ذلك، ومع معاناة المرض والحرب لم تتخل عن كبريائها، كانت صامدة وقوية، قابلت الابتلاءات بصبرٍ وجَلدٍ.
إن تاريخنا الفني والاجتماعي، وتاريخنا بصورة عامة يتعرض لتلف كامل، ورموزنا يرحلون دون أن نكمل التوثيق لهم، وأخشى أن يكون ما تملكه من وثائق ومرجعيات قد أتلفتها هذه الحرب، وها نحن نكتب عن الذاكرة، والذاكرة لا يعتمد عليها، فهي قابلة للخطأ والنسيان.
أتمنى أن تكون كل الشرائط والبرامج والوثائق محفوظة وإن كنت أشك في ذلك، لأنّ هذه الحرب قامت من أجل أن تطمس تاريخنا وهويتنا، وللأسف هنالك أطرافٌ كثيرةَ بوعي أو بدون وعي شاركت في هذا الإثم وهي تسأل عن ذلك وسوف يأتي وقت الحساب، وإن ظنوا أنهم سوف يفلتون من ذلك.
استمرار هذه الحرب هو استمرار للمعاناة والطمس الممنهج لتاريخنا وهويتنا وثقافتنا.
لا أعرف ما هو مصير حلقات برنامج (أسماء في حياتنا) للدكتور عمر الجزلي والذي يعتبر أشهر وأقدم برنامج وثائقي قي المنطقة، بل في العالم، وقد سبق به عمر الجزلي العالم العربي كله.
حلقات برنامج (أسماء في حياتنا) يجب أن تُكتب وتُنقل في مجلدات، فهي وثّقت لرموز سودانية نادرة، أغلبهم رحل من هذه الفانية، لا أعرف ماذا كانت تفعل وزارة الثقافة وهي تجهل وتهمل مثل هذا التاريخ.
التاريخ يكتب وبدون ، ولا يسجل فاكتبوا هذا التاريخ ولا تهملوه.
كذلك يجب أن تُكتب وتُنقل كل حلقات البروفيسور عبد الله الطيب الإذاعية في تفسير القرآن الكريم، هذه نوادر وكنوز لا مثيل لها، كما يفترض كذلك كتابة كل حلقات برنامج سير وأخبار التلفزيوني للعلامة ذاته.
طلاب الجامعات وخريجو كليات الآداب والإعلام يجب أن يتجهوا لكتابة هذا التاريخ ـ الكتابة هي الوحيدة القادرة للحفاظ على هذا التاريخ ـ أتمنى وأسأل الله تعالى أن لا تكون هذه الكنوز قد إتلفت بسبب هذه الحرب وبطش مليشيا الدعم السريع عندما استباحت العاصمة وأفسدت فيها كل شئ، فقد تغيّر حتى طعم مياه النيل وأصبح لها لون ورائحة بسبب ما ارتكبوه من جرائم وفظائع!
رحيل الرموز في هذه الحرب هو رحيلٌ لتاريخنا وهو تجفيفٌ مقصودٌ لثقافاتنا وموتٌ لهويتنا، وهم يرحلوا بهذه المعاناة.
انظروا لمعاناة سمية حسن، الصوت الذي يعتبر من أقوى الأصوات التي غنت للوطن.
انظروا إلى الدرامي عبد الواحد عبد الله.. الممثل والأستاذ ومدير المسرح القومي السابق – عبد الواحد يعاني من المرض الآن واحسبهم جميعاً أن معاناتهم النفسية بسبب الوطن أكبر من معاناتهم العضوية، فهم يتألمون للوطن قبل أن يتألمون لأنفسهم.
الأستاذ مامون الطاهر الرمز الرياضي الشامخ، ظل هو الآخر يتنقّل بين مستشفيات تفتقد لأدنى مقومات العلاج.
انتبهوا إلى أستاذنا الرشيد بدوى عبيد، فهو شامة في خد الوطن، هؤلاء العظماء تعوّدوا أن لا يشكوا وأن لا يطالبوا حتى بحقوقهم.
الأكيد هنالك كثيرون يعانون، وربما هنالك من يصمت ويرفض حتى عن الإعلان عن مرضه.
أرجو أن تهتم الدولة بهؤلاء الرموز ـ في هذه الحرب إذا أردنا الانتصار والخير للوطن، عليكم بالمعروف والخير والوقوف مع الذين يستحقون، لأن الانتصار على الباطل لا يكون إلا بالحق، الباطل لا تستطيع أن تنتصر عليه بالباطل، إلتفتوا إلى ذلك وأدركوا السودان.
الواضح أن السودان يتعرض الآن إلى عوامل تعرية ثقافية كاملة، الطبقة الحامية لهويتنا انجرفت ودمرت بفعل فاعل، لذلك فإن خطورة هذه الحرب ليست فيما يحدث من تدمير وخراب فقط في البنية التحتية، وإنما ما يحدث من إزالة لبنيتنا الثقافية، الذين ينظرون إلى هذه الحرب من منظور سياسي هم شركاء مع الدعم السريع في تلك الانتهاكات التي يتعرّض لها الوطن.
أسوأ ما شاهدناه في هذه الحرب هي المعاناة التي يتعرّض لها رموز الوطن.
كلنا شاهدنا معاناة هاشم صديق الذي قُبر بعيداً عن أم درمان التي يعشق.. وشاهدنا رحيل محمد الأمين ومحمد المكي إبراهيم ومحمد محمود حسكا، جميعهم رحل بعيداً عن الوطن.
رحلوا وفي قلوبهم حسرة.
الدكتور عبد القادر سالم الذي لم يتأخر يوماً عن واجب، عاش هو الآخر الكثير من المعاناة ورحل في صمت.
الذين ماتوا بسبب القهر في هذه الحرب هم أكثر من الذين ماتوا بسبب رصاصها ومُسيّراتها.
الملكة بلقيس عوض عاشت معاناة كبيرة بعد حياة حافلة بالعطاء، كانت فيها أحد ثوابت شهر رمضان المبارك في الإذاعة والتلفزيون، حيث وضعت بصمة من خلال أعمالها الدرامية سوف تظل خالدة أبد الدهر.
نقيب الدراميين الرشيد علي عيسى ظل في هذه الظروف الصعبة من داخل السودان، يجتهد ويستجدي السلطات لتقديم الدعم والعون لحالات تستوجب التدخل الفوري، وهنا لا أنسى المبدعة فائزة عمسيب التي ظلت تعاني من المرض قبل هذه الحرب، الأكيد أن معاناتها قد تضاعفت بعد الحرب.
ومبدع آخر تسببت هذه الحرب في إصابته بالشلل، وهو طريح الفراش منذ أن سمع بأول طلقة أطلقت في هذه الحرب، إنه المبدع والفنان محمد نعيم سعد، الذي مازال يُبدع ويقدم في أقوى المواقف وأجملها وهو في فراش المرض.
محمد نعيم سعد في فيديو ظهر فيه طريح الفراش ، قال أنه أصيب بالشلل منذ أن أخيرته بنته ريم بإشتعال الحرب ، عندما سمع بوقوعها وقع هو وفقد القدرة على الحركة ـ هل يمكن أن يكون هنالك إحساس بالوطن أعظم من ذلك ـ تبا لك من تسبب في هذه الحرب وعمل على إستمرارها من أجل مصالح خاصة ودوافع شخصية.
اللهم أشف محمد نعيم سعد ، وأشف كل المرضى واجعل مرضهم كفارة لهم يا قادر يا ذو الجلال والإكرام.
هذه الحرب إذا لم تقف ولم تنتهِ سوف تظل المعاناة وستزيد، وفي كل يوم سوف نفاجأ برحيل مؤلم جديد.
موت أي مبدع هو موت وطن، فلا تهملوا هذه الرموز ولا تتأخّروا عن تقديم الدعم والسند الواجب.
اللهم أرحم بلقيس عوض واغفر لها وتقبلها قبولاً حسناً يا غفور يا رحيم.
اللهم أكرم نُزُلها وتولاها برحمتك واجعلها في عليين مع الصديقين والشهداء والنبيين.
يا كريم ليس لنا قبلة سواك، ولا رجاء لنا غيرك، نسألك ونحن موقنون بالإجابة عشماً في رحمتك وليس ثقة في أعمالنا.
يا عزيز يا جبار أرحم موتانا فإنهم رحلوا بعد أن عاشوا محنة الوطن وتذوقوا المعاناة ومضوا دون أن تطمئن قلوبهم على وطنهم.
اللهم أحفظ السودان وأعيده لأهله وأعد أهله إليه.
يا غفار يا كريم.. يا عزيز يا رحيم.
كثيرون يرحلون في صمتٍ، آخرهم كان الحاج عمر كليس شقيق الممثل يس عمر كليس.
يرحلون في مصر ويُقبرون بها ولا ينعمون حتى بتربة الوطن.
إنها الحرب التي أرادوا بها طمس السودان ، ولكن هيهات.
….
متاريس
ومع كل الأوجاع، سوف نعبر وسينتصر السودان وسيبقى.
ثقتنا في الله كبيرة، أهل السودان وشعبه لا يستحقون إلا كل خير ولن يخذلهم الله.
سوف تُفرج.
وستنتهي وتبقى مجرد ماضٍ وذكريات.

ترس أخير: نقول يا رب.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد