صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

بمناسبة مرور عام على تحرير أبوعشر (٤)

3

بمناسبة مرور عام على تحرير أبوعشر (٤)

زيارات أبوشوتال وتأثيرها على الأحداث

أبوعاقله أماسا
* في الليلة الثالثة من دخول الدعم السريع إلى ولاية الجزيرة كانت مدينتنا عبارة عن سرادق للحزن، والناس فيها محبطون بشكل لا يوصف، وكل منا يجتر كل خلفياته ومعلوماته عن الجنجويد.. تأريخهم المليء بالإنتهاكات، سيرتهم التي تسبقهم عبر تواتر الروايات ولا تجد من بينها فعل إيجابي.. قصص الخذلان التي رواها النازحون من مناطق سيطرتهم.. مع كل المناظر التي رأيناها بأم أعيننا عند دخولهم، وعدد غير محدود منهم يمتطون سيارات نهبت من المواطنين وحتى ركشات وتكتاتك، ومافعلوه لحظة دخولهم في المشيعين بالمقابر، حيث كان النهب أمام بعض من يسمونهم القادة..!!
* انحصرت الحركة في الشوارع الداخلية للمدينة، وبحذر شديد، والتزم الأكثرية بمنازلهم والكل يترقب ما سيحدث في الساعات القادمة، حيث لا أمل بعودة الجيش قريباً، وحتى أولئك المعاكسون الذين يعارضون أي فكرة ويميلون لمعارض كل حكومة والتمرد عليها كانوا يرفضون فكرة أن يبقى هؤلاء بيننا لشهر واحد.. ناهيك عن سنة كاملة، وبدأ الناس يتسللون بعد أن اختاروا النزوح عن رؤية هؤلاء البشر، وأول من خرج كانوا النازحين من الخرطوم ومناطقها المتاخمة وقد عاد جزء منهم إلى الخرطوم ظناً منهم أنها قد أصبحت أكثر أمناً، وتبعهم أصحاب القدرات المالية، وعن نفسي كنت قد نزحت من أم درمان إلى الجزيرة بشق الأنفس وعبر رحلة شاقة تنقلنا فيها شمالاً حتى شندي وود حسونة وود أبوصالح قبل أن نعبر النيل ببنطون ودراوة، وبعد تلك الرحلة لم تبق لدي قدرات مالية لتحمل المزيد من النزوح.. خاصة مع أطفالي.. إضافة إلى ارتباطي بأشقائي وشقيقاتي وكل منهم يمتلك أسرة.. ففضلت البقاء معهم إلى حين…!!
* في ذلك اليوم كانت وفاة طيب الذكر حسبو يوسف متولي في الناحية الجنوبية الشرقية من المدينة خرجت من البيت لأداء واجب العزاء وأدركني المغرب هناك، وفي طريق العودة أخبرني أكثر من شخص بأن قائداً من قادة المليشيا قد سأل مني..!!
* شعرت بمزيج غريب من الدهشة والإنزعاج والإستغراب، ففي مثل تلك الظروف يكون مجرد النظر في وجه جنجويدي أمر غير مقبول، وفي طريقي إلى البيت كان بعض معارفي يبلغونني الخبر، فعرفت أنه ذاع وعم القرى والحضر، وكلما أبلغني أحدهم زادت سعات التفكير والتوقعات في ذهني إلى أن تذكرت المك أبوشوتال.. هو الشخص الوحيد الذي يعرف بيتي وبإمكانه السؤال عني.. لقوة العلاقة، ولأنني كنت معه في زيارته الأخيرة للخرطوم تمهيداً للإنضمام للدعم السريع، وكتبت قصة إنضمامه في ثلاث حلقات نشرت في هذه المساحة.. وهنالك حقيقة أكتبها للمرة الأولى.. وهي أنه دعاني لمرافقتي لمقابلة محمد حمدان دقلو ضمن وفده الذي كان يستعد للقاء الأول، ولولا أنني كنت متعصباً للرأي الرافض لمبدأ التمرد المسلح على الدولة.. أو الإنضمام لأي جهة مسلحة غير رسمية لكان العرض مغرياً.. ولكنني رفضت بشدة.. وطالبته بالعدول عن قرار الإنضمام للدعم السريع لأسباب كتبتها في وقتها ونشرته..!
* طلبت من الإخوة الذين قابلوه وصفاً دقيقاً ولم أجد المعلومة كاملة إلا من الأخ عباس المر، وقد كان من الشباب الذين يتصدون للتفلتات ويحاولون الوقوف دون إلحاق الأذى بالمواطنين.. فقال لي: فعلاً هو أبوشوتال… سألك عنك وأصر على مقابلت وقال أنه صديقك برغم الإختلاف في طريقة التفكير والنهج.. وتنفست الصعداء لأننا في أيام كنا نبحث عن كوة للتنفس ولو كان من تحت الماء.
* بعدها بأيام كنا قد أوينا إلى فرش النوم عندما طرق بابنا عند الحادية عشرة ليلاً، لم يكن طرقاً مزعجاً.. ففتحت الباب بدون توجس وأول ما وقع بصري عليه كان منظر شاب ممشوق يرتدي الزي العسكري المنتظم كاملاً ببوريه أحمر، وبعد السلام سألني: إنت أستاذ أبوعاقله؟
-قلت: نعم
قال لي: السيد القائد عايزك.. وفي تلك اللحظة نزل وتقابلنا للمرة الأولى منذ مايزيد عن العام.
* قال أن الوقت متأخر وسنجلس على المسطبة الخارجية، ووقتها كان أفراد أسرتي قد انتبهوا وأصبحوا ينصتون للحوار ولم يقترب منا إلا إبني الأكبر وبن خالتي معتصم الذي نزح لتوه من أم بده..!!
* كان هنالك وفد كبير مرافق للمك، وأكثر من سبع سيارات بينها القتالية والملاكية، فعرفني بهم.. وكان من بينهم قائد الكاملين… المعيلق والقائد الذي سيقيم في الإرتكاز المنصوب بمنزل جارنا اللواء أسامه العوض.. وعرفني به وقال أنه شقيق المستشار محمد المختار النور الضاوي وهو من تولى تنسيق إنضمامه للدعم السريع وكنت قد قابلتهما أكثر من مرة، فضلاً عن أنه كان مسؤولاً عن ملف المريخ في الدعم السريع ورئيساً للجنة منشآت النادي ومرشحاً في انتخابات النادي للفوز بإحدى مقاعد المجلس، وكنت ضده من حيث المبدأ، وكتبت ذلك صراحة في مقالاتي وسبق أن حاول توبيخي على تلك الآراء الحادة..!!
* بدون ترتيب وتدبير رأيت أحمد التجاني قائد منطقة الكاملين مع ذلك الوفد، وقد اصطادته إحدى مسيرات الجيش فيما بعد، ويقول أهل الكاملين أنه كان منضبطاً وحارب التفلتات في المنطقة وساهم في أن تكون الخسائر هناك أقل..
* في نفس يوم هذه الزيارة فوجئنا بأحد القادة يطلب مخاطبة الناس بمسجدنا (القبة الخضراء)، وقد أعلن ذلك عن طريق لجنة الطواريء التي تم تشكيلها كإجراء للتصدي للمشكلات التي تواجه المواطنين ومنعاً للإحتكاكات، وجاءت لحظة المخاطبة عقب صلاة العصر فتحدث الرجل بلغة أهل البلد بدون لكنة واضحة، وأبدى حسن النية وأنهم لا يستهدفون المواطن، وأن هنالك متفلتين وطلب من المواطنين أن يتحدوا معه لمحاربتهم وتأمين أهلهم داخل المدينة، ورغم أنني لا أثق فيهم ولا في طبيعتهم ومنهجهم ولكنه نجح في مخاطبة المواطنين بعبارات أثرت فيهم وصدقه الأغلبية..!
* ذلك القائد هو نفسه شقيق مستشار الدعم السريع محمد مختار النور وقد عرفني به أبوشوتال وقال له أن الأستاذ صديق أخوك.. وبدون تخطيط ولا سابق ترتيب وجدت نفسي محترماً في نطاق نفوذ ذلك الإرتكاز، ولكنني لم أتخل عن الحذر في كل شيء.. لا أتجول كثيراً ولا أبق خارج بيتي عقب صلاة العشاء..!
* بعد زيارة أبوشوتال ومعرفة تفاصيل مايحدث حولنا تخلصت من جزء يسير من ذلك التوتر، وكان أمامي خيارين… الأول هو النزوح إلى منطقة أخرى مثل القضارف أو كسلا وبورتسودان ولكن هذا الخيار لم يكن عملياً لأنه يتطلب مالاً لايقل عن ثلاثة ملايين، ونحن كنا على حالة بالكاد ندبر وجباتنا بعد النزوح من أم درمان، كما أن النزوح الثاني لم يكن كالأول.. فهنا أطراف أسرتي.. شقيقي الأصغر عمر بأسرته وشقيقاتي وأخي عوض وغيرهم.. والخيار الثاني كان هو البقاء في البيت وعدم النزوح.. ومن الأسباب القوية أنني كنت أتدخل في اللحظات الحرجة عندما تزيد التفلتات وأتواصل مع أبوشوتال ليحرك حملة من الظواهر السالبة لتخفيف الضغط على المواطنين، وقد نجحنا في هذا المسعى أكثر من ثلاث مرات كانت الأولى عندما انتهكت قرية الطالباب والثانية مع تفلتات جنوب المدينة (الهجرة)..!
* حتى تلك اللحظة كان لدي أمل قوي أن يتراجع أبوشوتال ويعدل عن موقفه، رغم علمي بصعوبة إقتناعه ولكنني كنت أحاول، وكنت على استعداد لفتح قناة تفاهم بينه وقيادات الجيش عن طريق الفريق حسن داوود كبرون والذي كان وقتها محاصراً في القيادة وقبل أن يصبح وزيراً للدفاع، أو بواسطة الفريق شمس الدين كباشي.. وفي لحظات كنت أشعر أنني اقتربت من الهدف.. وكنت أخطط لأن يكون الترتيب النهائي بمغادرتي للمنطقة قبل الإعلان.. ولكن ثمة مستجدات قلبت الأوضاع ولخبطت الحسابات..!

…. في الحلقة القادمة نكتب عن تفلتات السوق والحواشات..!!

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد