صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

بمناسبة مرور عام على تحرير أبوعشر (٥)

2

بمناسبة مرور عام على تحرير أبوعشر (٥)

صافولا والسميح وفرنسا وحبيب.. الرعب الذي مر على مدينتنا

أبوعاقله أماسا
* لم أفقد الأمل في عودة أبوشوتال إلى حضن الوطن، ومازلت أعتقد أنه بالإمكان عقد مصالحة أهلية شاملة في النيل الأزرق واجتثاث المشكلة التي كانت وراء موقفه من جذورها، وأن ردة فعل الدولة على تلك الأزمة مايزال باهتاً..!!
* أما فيما يخص مواقفه الإيجابية مع المواطنين في منطقتنا، فأذكر أنني كنت أكتب عن بعض التطورات والإنتهاكات على صفحتي الشخصية على الفيسبوك إلى أن تلقيت تنبيهاً من أحد الزملاء الكبار بضرورة الحذر والكف عن المجاهرة بالآراء وتوجيه النقد للمليشيا لكي لا أكون عرضة لسلوكهم الهمجي وأي ردة فعل أخرى، ولكن أبوشوتال نفسه كان يتابع آرائي ضد (سلوك) الدعم السريع وموقفي منهم ويحترم هذا الإختلاف، وفوق ذلك لم نستنجد به في مأزق فيه حقن للدماء وحفاظ على حياة الناس إلا بذل مافي وسعه، وفي آخر مرة تواصلت معه كان في طريقه للخروج من السودان، وفي نفس الأيام كان الجيش على مشارف ود مدني ونحن نتابع التحركات بمزيد من الإهتمام فطلب مني التواصل مع محمود شاع الدين وهو الآخر من الرصيرص ويقود قوة أطلقت عليها قوة حماية المدنيين وصلت إلى المدينة وأقامت داخل الهجرة وأسهمت في تخفيف الضغط عليها، ولكن عدد المجرمين في صفوف الدعم السريع يضاعف الإنتهاكات على مدار الساعة ويغطي على أية محاولات للتجميل.
* كنت أنبه كل من تصدى للعمل العام في تلك الظروف بأن المطلوب منا فعل أي شيء بإمكانه حماية أرواح الناس وكسب الوقت ولو ساعة واحدة ريثما يتمكن الجيش من العودة فهي مسألة وقت، وأحاول رفع معنوياتهم بالأخبار الإيجابية عن الإنتصارات والتقدمات، وأراهن على أن الجيش بإمكانه إخراج هؤلاء الغجر من ولاية الجزيرة ومن ثم الخرطوم بأقل مجهود لأسباب كنا نعيشها ونراقبها عن كثب، أولها أن المليشيا غرقت في الإنتهاكات والسرقات وحصل كبار الشفشافة على مايريدون من سيارات وأموال وذهب وغادروا ولم يبق إلا صغار اللصوص ولا أحد منهم يقوى على مواجهة الجيش، فضلاً عن أكثر من ثلاثة مواقف تنطلق فيها الإشاعة بدخول الجيش للمنطقة فيبدأوا بالهروب بشيء من الذعر…!
* نعود إلى البدايات، وتحديداً في الخمسة أيام الأولى من دخول المليشيا عندما حدثت تجاوزات وانتهاكات وإقتحامات ونهب للسيارات، كانت كافية لتحريك غضبة المواطنين، فحركوا مسيرة إلى ارتكاز (أبوساطور) في الجانب الشمالي من السوق، وبغض النظر عن مخرجات تلك الغضبة وما ترتب عليها كنت متحفظاً على مثل هذه التصرفات لمعرفتي بهؤلاء الغجر، وأنهم لن يترددوا في إطلاق النار على هذه الجموع دون أي حسابات إنسانية، وليس هنالك أسوأ من مناظر فض الإعتصام،.. وفي اليوم التالي حاولت الحديث مع أكثر من شخص من المؤثرين محذراً من أي تهور قد يكلف الناس أرواحاً.. وجرت الكثير من المشاورات داخل المدينة وشارك فيها من هم بالخارج واتفق الجميع على تشكيل لجنة من خيار شباب المدينة لتكون حلقة وصل كمتحدث بإسم المواطنين مستفيدين من إبداء بعضهم الإستعداد للمشاركة مع المواطنين في التصدي لأية محاولات لإقتحام المدينة..، وقد قامت اللجنة بكل ماهو متاح لمواجهة موجات ضخمة من الفوضى، وتشكلت إرتكازات مراقبة من شباب المدينة لمتابعة أي حركة غريبة في الشوارع الداخلية والتصدي لكل محاولة دخول بغرض النهب والسرقة أو الإعتداء على المواطنين، ومع مرور الوقت برز إسم القائد عبدالحكيم النور شقيق مستشار الدعم السريع والذي أثبت أنه الأكثر إستماعاً وإستجابة لشكاوى المواطنين، فأصبحت الشكاوى ترفع إليه.. ولكن.. ما كان يزرعه عبدالحكيم تبعثره واقتلعه المجموعات الأخرى، خاصة إرتكاز أبوساطور والذي اتضح مع مرور الوقت أنه أكبر (شفشافي).. وقد بكر في تنفيذ أهدافه بجمع عدد كبير من التراكتورات والسيارات خاصة الحكومية وبعض السيارات العالية التي تخص المواطنين ومن ثم التوجه إلى مسقط رأسه بولاية شرق دارفور قبل ستة أشهر من التحريى، حيث استعان بمجموعة من المتعاونين ساعدوه على قيادات هذا الرتل من السيارات إلى مسقط رأسه..!!
* في لحظة فارقة فتك أولاد حينا بأحد الجنجويد وقد دخل المدينة في لحظة كان فيها التوتر سيد الساحة، فقبضوا عليه وضربوه حتى فارق الحياة، فحملوه وذهبوا به إلى عبدالحكيم في الإرتكاز المجاور، وكان الرجل مجتهداً مع الأهالي في مواجهة المتفلتين أو كما يسمونهم، وأمرهم بقتل كل من يدخل المدينة ويحاول النهب، وشاركهم في حفر الخنادق ووضع المتاريس والموانع في الطرقات، وعندما ذهبوا إليه بجثة الجنجويدي وبخهم وطلب منهم التخلص منه.. في لحظة كانت لتكون بداية فتنة كبرى يروح ضحيتها المئات إذا كان المقتول من أعيان الجنجويد أو الماهرية.. أما غيرهم فجثثهم تأكلها الكلاب..!!
* خلال عام وثلاثة أشهر قضاها الجنجويد في مدينتنا كانت لكل ساعة حساباتها، وكل الأحداث تكون على وقع الحذر وعلى خلفية الرعب والخوف على الأسر والأهالي الأبرياء والعزل، وخطأ صغير يمكنه أن يجعل المدينة سابحة في بركة من الدماء.. فكانت عشرات الإتصالات والرسائل تأتينا يومياً من أبناء المدينة في دول المهجر بضرورة توعية الناس وعدم التهور، فهؤلاء المسلحين متعطشين للدماء مع غياب تام للوازع الديني والأخلاقي، وإن وحدت من بينهم ثلاثة واعيين ومتوازنين فهنالك الآلاف ممن لايرون في التفس الآدمية قيمة ولا حرمة..!
* إتفق شباب أبوعشر على أن تطلق صافرات الإنذار كلما لاحظ الناس حركة غريبة، فأصبح في كل شارع مجلس للشباب يسهرون حتى الصباح لمراقبة الوضع.. وكانت عيوناً تحرس في سبيل الله.. فاعتادوا على السهر ليلاً والتعويض نهاراً، أو تبادل ورديات الحراسة، فالمسألة لم تكن لتتحمل فلسفة كثيرة بعد أن أصبحت أعراض الأسر على المحك وكان أبسط شيء أن يخرج الشباب ويسهروا لحماية المدينة.. وقد نجحوا في ذلك لأكثر من مرة وأصيب من أصيب منهم في إشتباكات مباشرة مع المتسللين ومن الذين أصيبوا على سبيل المثال الأستاذ الفاضل الخليفه أبورفا والشاب عبدالله سليمان شبر وأحد أبناء عمر النعيم والشاب محمد سليمان سمر..!!
* إنقطعت الإتصالات بعد شهر من الإحتلال، فبادروا بإستجلاب أجهزة الإتصال (إستارلينك).. وكان أول من شغله مجموعة المجرم ابوساطور، ونسبة لحاجة الناس للإتصالات لإرتباطها بالتحاويل المالية الضرورية أصبحوا يذهبون إلى تلك الإتصالات رجالاً ونساء وشباباً.. وبعدها فكر أكثر من شخص إقتناء جهاز ستارلينك لتسهيل الأمر على المواطنين، وبعد أن كثرت المحاذير والمضايقات لمرتادي تلك الإتصالات وقد تعرض البعض للضرب والنهب…!!
* وافق بعض قادة المليشيا أن يسمح للمواطنين بتشغيل أجهزة الإتصال ولكن بشراكة (صورية).. مع الحصول على ٢٥ ٪ من الدخل اليومي.. ونسبة لأن هذه الإتصالات قد أصبحت شريان حياة الناس لم تكن هنالك حلول كثيرة سوى القبول.. فأصبحت فرصة منقذة لمعظم الأسر التي كانت تعتمد على تحويلات أبنائها من دول المهجر، وأتاحت فرصة كبيرة للتواصل مع العالم الخارجي، وبالنسبة لي كانت متنفساً ممتازاً ومتعدد الفوائد، جعلتني في موضع المتابع لسير العمليات بإمتياز مع التواصل (المحظور) والحذر مع قادة وزملاء سابقين في الميدان، كما أتاحت لي فرصة الإستمرار في النشر بعد أن تعددت أجهزة الإتصال داخل المدينة، وكان الأغلبية يوفرون لي هذه الخدمة بالمجان تقديراً للأدوار التي كنا نقوم بها.. وقد أسهم انتشار أجهزة الإتصال داخل المدينة في بعض التطورات وعلى سبيل المثال نجاح مئات الأشخاص في إخراج سياراتهم إلى مناطق سيطرة الجيش، فقد كانت مستهدفة على الدوام خاصة من المدعو أحمد صافولا الذي كان لايتردد في إيجاد الذرائع لنهب السيارات خاصة المستوى العالي منها، وفرض الإرتكاز القائم بمنزل اللواء أسامه العوض رسوماً على تصريح إخراج السيارة مع رسوم تأمين تدفع للمرافقين حتى قرية المحس شرق الكاملين، حيث كان صاحب السيارة يختار مابين الإتجاه شمالاً إلى شندي، أو شرقاً إلى حلفا الجديدة.. وظلت الأوضاع ما بين تفلتات أبوساطور وأحمد صافولا إلى أن بدأ الخريف وجاء المدعو السميح ليزيد الطين بلة.. وقد كان قائداً لمنطقة المعيلق ومعروف أن المعيلق تصبح منطقة وعرة مع الخريف وتتقيد الحركة، فخرج منها بمجموعته المزعجة إلى أبوعشر حيث أقام في مباني كلية الإعلام التابعة لجامعة أفريقيا العالمية، وكانت هذه المجموعة بالكامل مصدر إزعاج.. بذات القدر الذي تنفست فيه المعيلق بخروجهم منها.. وقد نصبوا ما يشبه بأبراج المراقبة على هيكل عالي داخل الحرم فأجبروا بعض الجيران على ترك منازلهم بعد أن أصبحت مكشوفة.. وهذا السميح كان يدعي أنه طبيب إختصاصي.. غير أن مجموعته كانت تضم قائمة من أكبر المجرمين والذين بدأوا في سرقة أغنام المواطنين وذبحها وأكلها ليلاً.. ومنهم (جلحة) ذات الشخص الذي نهب أغنام اليتامى أبنا، المرحوم أبكر (ود رك) في مربع (٢٢) غرب شارع الخرطوم مدني، وعاد ونهب أجهزة الإستارلينك من ثلاثة أشخاص داخل المدينة بتوجيهات من قائده السميح، ولكنه قبض عليه في إرتكاز عبدالحكيم وسجن لفترة قبل أن يطلق سراحه بعد إعادة الأجهزة..!
* جميع تلك الأسماء من القادة الشفشافه منهم وغير ذلك هربوا من المدينة في اللحظات الأخيرة وتركوها نهباً لأصناف وأشكال جديدة دخلت إلى المدينة فيما يشبه إجتياح الجرذان الفتاكة والسامة، ونهبوا المدينة إلى آخر كيس ملح.. وكان حسبنا أن تلخص السيناريو المرعب في آخر ثلاثة أسابيع قبل تحرير المدينة، لذلك كان لتحريرها مذاق خاص، وفرحة تفوق فرحة كل المناطق الأخرى عندما خرج الأهالي وسط زغاريد النساء وصراخ الأطفال وهتافات الرجال وتهليلاتهم وهم يحتضنون رجال الجيش من طرف.. ومنهم من لم ير شارع الخرطوم مدني طيلة فترة الإحتلال إلا عند وصول الجيش…!
* صادف دخول جيوش التتار هذه موسم حصاد الزراعة الشتوية، فانتبه لصوص الجنجويد لذلك وانطلقوا إلى الحواشات ينهبون ويبتزون… فضلاً عن تفتيش كل من وجد في طريقه إلى حواشته وتجريده من كل ما يحمل، حتى أصبح الطريق إلى داخل مشروع الجزيرة محفوف بالمخاطر، وبعد سلب ونهب المحاصيل الزراعية زهدت نسبة عالية من المزارعين في الموسم التالي ولم يتحمسوا للزراعة حتى لا يضيع جهدهم هباءً.
* مجموعة (فرنسا) التي تتبع لقرية السنيط الواقعة غرب ود الماجدي وأم دقرسي كانت الأكثر نشاطاً في المنطقة الواقعة غرب أبوعشر من الري والمستشفى وحتى قرية ود المحنة، وفرنسا هذا هو أحد الشباب الثلاثة الذين اعتقلوا في بارا بعد تحريرها وقال أنه من أبوعشر، وقد تعرف عليه معظم الذين ارتكب ضدهم البشائع في أبوعشر وود الماجدي وأم دقرسي، وكذلك ظهر شاب في مقتبل العمر، لايزيد عمره عن عشرين سنة إلى إثنين وعشرين سنة تقريباً إسمه حبيب وهو من أقرباء حكيم ومحمد مختار من الجنينة، ولكنه أثار الرعب في المدينة بحركته الدؤوبة وعدم تردده في إطلاق النار على أي شخص وقتله على الفور، وقد قام بقتل ستة أو سبعة مواطنين لوحده من بينهم إثنين من مواطني الهجرة.. وكذلك كان من بين أكثر الأسماء ظهوراً في عالم الإجرام (أحمد صافولا).. كان ضمن الإرتكاز التابع ل عبدالحكيم النور، غير أنه كان ظاهر الإجرام، لا تحدث جريمة نهب وسلب إلا كان وراءه هو أو مجموعته التي كانت تتكون من معتادي إجرام يعرفون من سيماهم، وهم المتهمون بقتل الشهيد عوض عبدالوهاب وعبدالله ود القور وإصابة محمد حفيد العوض الشيخ وخاله أبوعبيدة البوب..!!

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد