صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

​جانا العيد وأنت (لاجئ)

0

صابنها
​محمد عبد الماجد

​جانا العيد وأنت (لاجئ)

​ونحن أطفال، كان العيد عندنا: حذاءً جديدًا، ولبسةً جديدةً، وحلاقةً جديدةً، وفي كل فصل من هذه الفصول، كانت لنا جولات وذكريات وحكاوي، لا أدري لماذا ترتبط الذكريات عندنا بالشوارع؟ أنت لا تستطيع أن تنسى شارع بيتكم الذي نشأت فيه طفلًا، ولن تنسى شارع المدرسة وشارع المستشفى وشارع الاستاد وشارع السوق، كل هذه الشوارع بكون عندك فيها ذكريات، لا تستطيع أن تنساها حتى وإن كنت تسكن الآن في شارع (الشانزلزيه). هل الوطن هو عبارة عن شوارع؟ أحن إلى شوارع وطني، مثلما كان يحن محمود درويش لقهوة أمه وخبز أمه، في الحقيقة أني أحن إلى ثوب أمي أكثر، كنت عندما أعود من غربة أو أرجع للبيت الكبير بعد غياب طويل أو قصير، أحرص أن أتغطى بثوب أمي، كنت تحته أشعر بالأمان والطمأنينة والدفء بشكل أكبر، كان فيه شيء من الحنان لا يوجد في ثوب غيره، (ثوب أمي) وحده الذي كان ينشلني من تعبي ويجعلني أنوم في هدوء وسلام، وكانت أمي عندما تراني مرهقًا تغطيني بثوبها، وأنا كنت أنتظر هذه اللحظة من أجل أن أرتاح. لهذا لا يرتاح الإنسان إلا في بيته، الراحة هنا راحة لفراش اعتدت عليه ولغطاء تمثل لك رائحته (منعسًا) طبيعيًّا.
​في ناس لغاية الآن يقولوا ليك نحن ما بنعرف ننوم برة البيت، وما بنقدر ننوم إذا غيرنا فراشنا.
بسبب هذه الحرب، تغيرت أشياء كثيرة، وأصبح مجرد الحديث عن تلك التغيرات ترفًا غير مقبول.
الزول بقى ينوم واقف… ويحوم نائم، بقت ما بتفرق معانا كتير.
​أي زول يقول ليك العيد بس في السودان، الأعياد خارج السودان تفقد جديدها، وتفقد كعكها، لكن لأن العيد مناسبة دينية عظيمة، فنحن نعيش الفرح طولًا وعرضًا رغم أنف الظروف، وهذا لا يمنعنا من أن نسترجع الذكريات، وأن نحاول أن نعيش فرحتنا بتفاصيل قديمة.
سبحانه وتعالى قادر على أن يفرحك، أينما تكون، ومهما كان وضعك.
عيد سعيد، العيد قادر أن يسعد كل الناس، أينما كانوا.
​ذكريات العيد حقيبة تحملها معك، أينما قابلك العيد… لكن الذكريات نفسها تبقى أحيانًا نوعًا من العذاب… (الفلاش باك)، يجعلك تقف في محطة تعجز من تجاوزها.
​العيد كان عندنا حذاءً جديدًا، كان آباؤنا يرهقون أنفسهم كثيرًا من أجل أن يشتروا لنا حذاءً جديدًا، كانوا يحرصون على ذلك ويتعبون أنفسهم وهم يبحثون لنا عن حذاء (قدرنا)، الآن أشعر أن آباءنا كانوا أكثر لطفًا معنا من لطفنا مع أبنائنا، فقد كانوا يلفون السوق محلًّا محلًّا من أجل أن يشتروا لنا حذاءً جديدًا.. نحن لا نملك هذا الصبر مع عيالنا.
بقى ما عندنا طولة بال، وبحثنا كله أصبح في غوغل.
​الآباء في الماضي، كانوا من حرصهم وحبهم لنا.. يأخذون المقاس عن طريق (دبارة)، في الحقيقة كان ذلك الأمر دليل حب، لأن العناية والاهتمام الشديد من الحب.
الحرص تعبير عملي عن الحب.
​هدوم العيد كانت فرحة أخرى بالنسبة لنا، عندما يقول الواحد فينا اشترينا (هدوم العيد) يشعر بسعادة كبيرة وكأنه ملك كنوز الدنيا كلها.
تضع هدوم العيد في الدولاب، وتظل تخرجها وتدخلها ألف مرة في اليوم.
وكانت حلاقة العيد، نحرص عليها في كل عيد، لذلك كانت أشكالنا تختلف في العيد، نبدو أكثر أناقة.
الحلاقة يوم الوقفة كانت بالصف ، تقعد في صالون الحلاقة يومك كله.
​وكانت كلما اتسعت أحلامنا وطموحاتنا كبرت (ستائرنا)، الستائر زمان كانت أكثر حميمية، تعلقها على مسمارين يوصل بينهما حبل أو سير بلاستيك… الذي أذكره أن حيطنا كانت تزدهي بذلك وتبتهج وتفرح.
تركيب الستائر كان (قضية)، ذلك الزمن كانت فيه أكبر قضايانا وأكثرها تعقيدًا هي تركيب الستائر.
​وفي عيد الأضحى كان (الخروف) عندنا أهم شيء، لا نطرب لصوت سوائه، كانت (باع) تطربنا حد الثمالة.
نربط الخروف ونجيب ليه البرسيم ونكب ليه الموية في الطشت أو الجردل، كنا نعامل الخروف بلطف شديد وكأننا لن نذبحه.
كبرنا شوية وأصبح العيد عندنا شية جمر ومرارة وشربوت، أصبحنا نحرص على الشربوت بصورة لا تخلو من المبالغة.
​ثم كبرنا أكثر، وعقلنا وعرفنا وبقينا نفهم.. العيد بقى عندنا (وطن).
العيد بقى عندنا لمة، وزيارات ودخول لكل البيوت.
العيد عندنا بقى تسامح وتصافي ومحبة وسلام وعفو، انتقل الإحساس بالعيد عندنا من أمور (مادية) إلى أمور (حسية)، لأول مرة أشعر أن الأشياء (المعنوية) يمكن أن تكون أقوى من الأشياء (العينية).
​ونحن أطفال، كان يسبق العيد، خبيز العيد، كنا نحمل صواني الكعك على رؤوسنا إلى الأفران، وكان في ذلك الطقس شعور آخر بالعيد.
تنتظر دورك في الفرن بسبب زحمة الصواني ولو كعككم حرق، شيل شيلتك في البيت… وعادة وأنت شائل الصواني في رأسك يقولوا ليك أوعك تحرقه.
​الناس كلها كانت بتخبز، وكلها كانت بتلبس جديد وكلها كانت بتذبح، لا توجد أسرة مهما كان فقرها، لا تفعل ذلك.
في العيد، كنا بنشرب الشاي في بيت فلان، وكنا بناكل في بيت فلان، ونشرب الشربوت عند ناس فلان، لا يوجد تميز، وربما كانت هذه الأشياء تحدث في أكثر البيوت فقرًا.
الحلة كانت عبارة عن بيت كبير، تدخل من بيت لي بيت.
عمتك وخالتك، وعمك وخالك، كل الناس يحملون هذه القرابة.
​حكمة العيد وسره في أنه مناسبة تعمل فيها لإسعاد الآخرين، في العيد كل شخص يعمل ويجتهد من أجل أن يسعد غيره.. هذه حكمة إلهية عجيبة، السعادة الحقيقية في أن تكون سببًا في أن تسعد غيرك.
السعادة إحساس.
​الآباء، مع ظروفهم الصعبة في الأعياد يعملوا كل شيء من أجل أن يشتروا الجديد لأطفالهم، أسر فقيرة وآباء أصحاب دخل محدود، الله ييسر لهم حق هدوم العيد وحق الحلاوة والخبيز والخروف، في هذه الحرب قد تكون الظروف أقوى عليهم، لكن الآباء يجتهدون من أجل أن لا يحرموا أطفالهم من شيء، من يستطيع ومن لا يستطيع يفعل ذلك، والله سبحانه وتعالى يمنح القدرة لكل أب في أن يجلب لطفله احتياجات العيد.
​الأمهات يدخلن المطبخ من أجل تقديم أحلى صينية للفطور أو الغداء.. الأمهات لا يأكلن شيئًا، همهن يبقى في أولادهم، وعندما ترجع الصينية (مليانة) بزعلن، ويقولون: مالكم ما أكلتوا؟ كل أم مهمومة أن تقدم أفضل ما عندها في هذا العيد، اليوم كله بتكون واقفة في النار، تعد وتجهز.
​العيد هو مناسبة فيها الكثير من العجائب والتضحيات والحب والفداء.
الناس في العيد لا يظهر منهم غير الطيبة.
حتى الخروف، كما أشرت لم تكن هنالك أسرة في السودان لا تستطيع شراؤه، أي زول في السودان كان بضحي.. قبل أن نصبح نحن الضحايا.
​العيد هو مناسبة إسعاد الآخرين، إذا تمعنت في هذا الكلام سوف تجد أن العيد كذلك.
حتى في الأماني والدعوات، أنت تتمنى لغيرك، لا تتمنى لنفسك، ما تتمناه لنفسك يدعو به لك غيرك.
نحن نتبادل التهاني على هذا النحو: كل سنة وأنتم بخير، وكل عام وأنتوا طيبين، ما في زول بتمنى حاجة لنفسه، كلها أماني لغيرنا ـ السنة القادمة إن شاء الله في عرفات، والسنة القادمة عريس، ونشوفك السنة الجاي زي ما عاوز، هذا شعور جميل، يجعل السعادة والفرحة كبيرة، لأنك تتمنى الخير إلى غيرك.
ربنا يسعدك.. ربنا يديك الصحة والعافية، حتى الرسائل والترقيات تأتي على ذلك النحو.
​والأكيد أننا كلنا في هذه الأعياد نتمنى الخير للوطن، والسلامة والطمأنينة والسلام والعودة.
الوطن أصبح حاضرًا في أمنياتنا وتهانينا، لأننا عرفنا قيمته.
عرفنا قيمة تسمع (باع) في بيتكم، هذا أمر يسعدك حتى لو حماك الخروف النوم.
طبعًا في خرفان تقول عندها إحساس بأنها سوف تذبح، بتعمل إزعاج غريب.. تربطها تنفك، تدخلها جوة تطلع.
​اشتقنا لأوطاننا.. اشتقنا للدكوة بالشطة والليمون، هي شيء بسيط، يمكن أن تفعله وتحضره في أي حتة، لكن في الوطن حتى الدكوة بالشطة والليمون عندهم طعم آخر.
علبة الحلاوة التي ترفعها فوق الدولاب من الشفع، في ذلك كان (حلاوة)، أحلى من الحلاوة نفسها.
الملايات الجديدة، تبدو وهي تزهو على الفرش، كأنها تعرف عظمة العيد.
هذه أشياء فقط توجد في وطني، المرارة وشية الجمر، والتبرع بالجلد.
نظافة الشارع والحبل الذي ستعلق فيه الخروف والعود الذي سوف تكسر فيه اللحمة.
​غالبًا في أي حلة في ناس لا يكون عندهم سكين للذبح ولا عود يكسروا فيه اللحمة ولا فرار يكسروا بيه، ينتظروك إلى أن تذبح عشان يشيلوا العدة، وفي جيران يرسلوا ليك الشافع قبل أن تذبح، يقيف في رأسك مثل حكم الراية.
​كثيرون عادوا إلى بيوتهم، ولكن يبقى الإحساس بالغير هو الغالب في العيد، فأنت حتى وإن عدت تشعر بمعاناة غيرك، تشعر بأوضاع اللاجئين والنازحين، في الملاجئ ومناطق النزوح.
وما زالت هنالك مناطق في وطني تعيش في حالة نزاع، وكل هذه الأوجاع في العيد تتقد.
​النور الجيلاني كتب ولحن وغنى (جاءنا العيد وأنت بعيد)، وهذه الأغنية عندنا تسمعها في العيد حتى وإن لم تكن بعيدًا تشعر ببعد غيرك.
في العيد نحن نشعر بالآخرين، نحس بآلامهم وأوجاعهم وأحزانهم، لهذا الأمهات والكبار في البيت عندنا يأتي العيد يتذكرون من رحل عنهم، ويتذكرون البعيد والمريض.
​نتمنى أن نسمع كل خير عن كل من نحب، ونسأل الله بالشفاء للمرضى وبالعودة للجميع.
نتمنى وطنًا يسع الجميع، وأراضي السودان وخيراته قادرة على أن تغطي العالم كله ، فهل تعجز من أن تكفي أبناء الوطن؟
هذا الوطن كريم، فلا تبخلوا عليه، وهو لا يريد منكم غير النوايا الحسنة، الله يعطيكم حسب نواياكم.
إذا تمنيت الشر والضر لغيرك فإنك سوف تكون أول المتضررين من ذلك.
السعادة شعور تحسه في غيرك.
اللهم اجمع أبناء الوطن على خير واحفظ السودان وأهله.
​…
​متاريس
​ليس عندنا شك في أننا سوف نعود أقوى، وأننا من هذه المحنة لن نتخلص إلا من الضعفاء ومن الذين لا يريدون الخير لهذا الوطن.
نحن أقوياء بظننا الحسن.
النوايا الطيبة لا تنتج إلا كل طيب.
وكل سنة والأمة الإسلامية بخير.
عيد سعيد إن شاء الله.
​…
​ترس أخير: وجاءنا العيد.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد