صَابِنْهَا
محمد عبد الماجد
الدَّخِيرِيُّ وَتَحَدِّي الْمَحْكَمَةِ الدُّسْتُورِيَّةِ وَتَوْقِيعِ الْبُرْهَانِ
وَأَنَا أكتبُ عن الدخيري الزين -أو الزين الدخيري- كنتُ أودُّ أَنْ أكتبَ بعنوان: “الرجل الذي فقد عقله”، وهو فيلمٌ لعادل الإمام، وفريد شوقي، وسهير رمزي، وحارس الأهلي السابق إكرامي، وقد عُرِضَ الفيلمُ في عام 1980م، ولكن وجدتُّ أَنَّ الدخيري وقعَ فيما وقعَ فيهِ وهو بكاملِ قواهُ العقليةِ ومع سبقِ الإصرارِ والترصُّدِ؛ فقد قصدَ ما أصدرَهُ، بل وتمادَى في ذلكَ وتغزَّلَ… إنَّهُ رجلٌ يديرُ لجنةَ الاستئنافاتِ وكأنَّهُ في حدائقِ “حبيبي مفلس”، التي انتشرتْ في فترةٍ من الفتراتِ في الخرطومِ وكانت لا تكلِّفُ المحبَّ أكثرَ من “كيس ترمسٍ”، وهو يقطعُ في النجيلةِ عندما ينداحُ في التعبيرِ عن حبِّهِ، على روايةِ نجمِ فرقةِ تيراب محمد موسى في النكتةِ الشهيرةِ.
في السودانِ -أو في العالمِ بشكلٍ عامٍّ- الشهرةُ يمكنُ أَنْ تحقِّقَها بالمخالفةِ والسوءِ… يمكنُ أَنْ يكونَ عندنا الشخصُ الذي سقطَ في النيلِ الأبيضِ من كوبري أُم درمان منتحراً؛ بسببِ الأوضاعِ الاقتصاديةِ، أشهرَ عندنا من الشخصِ الذي اكتشفَ منابعَ النيلِ الأبيضِ، وهو أمرٌ كانَ شديدَ الغموضِ، لدرجةِ أَنَّ هنالك أساطيرَ تقولُ إنَّ النيلَ ينبعُ من الجنةِ؛ تقديرًا وتعظيمًا لهُ، لذلكَ يقالُ: “النيلُ سليلُ الفراديسِ”، ويغنِّي لهُ عثمان حسين من كلماتِ عبقريِّ الشعرِ العربيِّ التجاني يوسف بشير.
الدخيري الزين -أو الزين الدخيري- لا بدَّ أنَّهُ عندما يقفُ أمامَ المرآةِ صباحًا يكلِّمُ نفسَهُ بأنَّهُ سيصبحُ يوماً رئيساً للاتحادِ السودانيِّ، ويبعدُ معتصم جعفر بالطريقةِ التي أبعدَ بها معتصم جعفر أساتذتَهُ السابقينَ… ولا نستبعدُ أَنْ توسوسَ لهُ نفسُهُ -والحديثُ عن الدخيري- بأنْ يصبحَ رئيساً للاتحادِ الأفريقيِّ، وقد يشطحُ ويحلمُ برئاسةِ “الفيفا”؛ فهو يفعلُ أشياءَ غيرَ منطقيةٍ، وكثيرٌ من الشخصياتِ الطموحةِ يجعلُها الطموحُ تفعلُ أيَّ شيءٍ.
في الدولِ المحترمةِ أو غيرِ المحترمةِ، لا يمكنُ أَنْ يخالفَ مسؤولٌ أو حتى مواطنٌ عاديٌّ المحكمةَ الدستوريةَ؛ هذا أمرٌ إِنْ حدثَ -وإِنْ كانَ ذلكَ بحسنِ النيةِ، أو عن طريقِ الخطأِ- يمكنُ أَنْ يجرِّدَكَ من جنسيتِكَ، فكيفَ لرجلٍ يخالفُ المحكمةَ الدستوريةَ ويتغزَّلُ على طريقةِ “فردةِ كورسِ” الفنانِ الشعبيِّ في مذكرةٍ قانونيةٍ مخالفةٍ للمحكمةِ الدستوريةِ؟!
لكنْ لا أعجبُ من ذلكَ؛ فنحنُ في السودانِ يمكنُ أَنْ يدخلَ نجلُ حفتر للبلادِ ويجتمعَ سرّاً وعلناً مع دقلو والبلادُ تتوجسُ وتترقبُ حرباً وشيكةً، ونجلُ حفتر يُحتفَى بهِ في عشاءٍ فخيمٍ ويعقدُ مؤتمراً صحفيّاً في فندقِ “السلام روتانا” ويُمنَحُ رئاسةَ المريخِ “الشرفيةَ”، في وقتٍ يعترضُ فيهِ المريخُ على بطولاتِ الهلالِ “الشرفيةِ”.
ثمَّ يسجلُ التاريخُ أغربَ رئاسةٍ شرفيةٍ تُمنَحُ وتُنزَعُ في 24 ساعةً، والأغربُ من ذلكَ أنَّهم في المريخِ كانوا يسخرونَ من إعلانِ الهلالِ تجديدَ تعاقدِهِ مع مدربِهِ السابقِ الرومانيِّ ريجكامب، في الوقتِ الذي مُنِحَ فيهِ نجلُ حفتر رئاسةَ المريخِ “الشرفيةَ” ونُزِعَتْ منهُ في خلالِ ساعاتٍ؛ لتكونَ هذهِ أسرعَ رئاسةٍ فخريةٍ تُمنَحُ وتُنزَعُ في التاريخِ.
دولةٌ غائبٌ عنها وعيُها السياسيُّ، طبيعيٌّ أَنْ يخالفَ فيها مسؤولٌ يشغلُ منصباً في عملٍ تطوعيٍّ عامٍّ المحكمةَ الدستوريةَ، وَأَنْ يتغزَّلَ من بعدُ في تلكَ المخالفةِ؛ هذا ليسَ غريباً على دولةٍ تستقبلُ الذين ارتكبوا الآثامَ والجرائمَ بالأحضانِ ثمَّ تمنحُهم جزاءً على تمرُّدِهم مناصبَ رفيعةً من أجلِ أَنْ يضعوا السلاحَ، في الوقتِ الذي تتركُ فيهِ قواتِهم في المدنِ يزاحمونَ الناسَ على خشاشِ الأرضِ… نقولُ ذلكَ ونوجِّهُ لومَنا للسلطةِ الحاكمةِ حتى لا يُفهَمَ من كلامِنا أنَّنا نُحرِّضُها ونستعدِيها على الدخيري؛ لأنَّنا في نفسِ الوقتِ الذي ننتقدُ فيهِ الدخيري، ننتقدُ فيهِ السلطةَ.
أيُّ دولةٍ محترمةٍ أو غيرِ محترمةٍ لن تقبلَ مخالفةَ المحكمةِ الدستوريةِ؛ لذلكَ قضيةُ الهلالِ هنا قضيةُ دولةٍ، قضيةُ وطنٍ، وليسَ قضيةَ الهلالِ.
الأمرُ لا يقتصرُ على مخالفةِ المحكمةِ الدستوريةِ في قانونٍ سبقتْ أَنْ أفتتْ فيهِ المحكمةُ الدستوريةُ وأصدرتْ فيهِ قراراً، بل أصدرتْ حكمًا في قضيةٍ تُعتبرُ سابقةً قضائيةً وهي موجودةٌ ومسجلةٌ في سجلِّ تاريخِ القضايا التي أصدرتْ فيها المحكمةُ الدستوريةُ حكماً يُرجَعُ إليهِ ويُحتكَمُ بهِ كسابقةٍ قضائيةٍ.
إنَّ أولى خطواتِ الهلالِ في التقاضي وإيقافِ هذا العبثِ هو أَنْ يذهبَ إلى المحكمةِ الدستوريةِ؛ لأنَّ المخالفةَ هنا تمسُّ الدستورَ ولا تمسُّ لائحةَ النظامِ في اتحادِ كرةِ القدمِ.
أو على اللاعبينَ المجنَّسينَ وأصحابِ الضررِ من قرارِ لجنةِ الاستئنافاتِ الذهابُ للمحكمةِ الدستوريةِ وتقديمُ شكوى على طريقةِ “سولي شريف” الذي كسبَ قضيتَهُ ضدَّ اتحادِ الدكتورِ كمال شداد، والهلالُ يمكنُهُ أَنْ يستدلَّ ويرجعَ للدكتورِ كمال شداد الذي كانَ طرفاً في هذهِ القضيةِ، ومع أَنَّ شداد كانَ الطرفَ الذي خسرَ القضيةَ إلَّا أنَّهُ سوفَ يشهدُ للهلالِ، وسوفَ يستفيدُ “الأزرقُ” من مشورتِهِ في قضيةٍ كانَ شداد يعرفُ كلَّ تفاصيلِها، وكذلكَ يجبُ الاستفادةُ من خبراتِ صلاح إدريس فهو حجةٌ في مثلِ هذهِ القضايا.
تلكَ المخالفةُ تمسُّ سيادةَ الدولةِ وكرامتَها؛ إذْ لا يجوزُ لاتحادِ الكرةِ وهو يخالفُ المحكمةَ الدستوريةَ -حتى وإنْ كانَ ذلكَ عن طريقِ التستُّرِ خلفَ تغييرِ الهويةِ، الأمرِ الذي يريدُ الاتحادُ العامُّ استغلالَهُ للتعدِّي على دستورِ السودانِ- والأنكى من ذلكَ أَنَّ لجنةَ الاستئنافاتِ تجاوزتْ توقيعَ رئيسِ مجلسِ السيادةِ الذي صادقَ على تصديقِ الجنسيةِ لبعضِ لاعبي الهلالِ ومُنِحوا نتيجةً لتوقيعِ البرهانِ رئيسِ مجلسِ السيادةِ الجنسيةَ السودانيةَ، وأصبحوا بعدَ اكتسابِها سودانيينَ لهمْ كلُّ حقوقِ السودانيينَ بالميلادِ، إلَّا في استثناءاتٍ قليلةٍ جدّاً حدَّدها الدستورُ نفسُهُ ووضَّحَها، ليسَ من ضمنِها موادُّ لائحةِ النظامِ الأساسيِّ لاتحادِ الكرةِ.
إنَّ تجاوزَ توقيعِ البرهانِ في مستندٍ رسميٍّ أو إلغاءَ صلاحيتِهِ والحقوقِ المترتبةِ عليهِ يُعتبرُ تعدِّياً على الدستورِ وسيادةِ البلادِ ورئيسِ مجلسِ السيادةِ.
يمكنُ للهلالِ أَنْ يطلبَ مراجعةَ القرارِ من لجنةِ الاستئنافاتِ أو رابطةِ مشجعي المريخ في اتحادِ الكرةِ، كخطوة إجرائية لا بد منها، ولكنْ قبلَ ذلكَ على الهلالِ أَنْ يُكوِّنَ لجنةً رفيعةً من كبارِ المحامينَ ويتَّجِهَ للمحكمةِ الدستوريةِ مباشرةً، وذلكَ قبلَ الذهابِ للمحكمةِ الرياضيةِ الدوليةِ؛ لقدْ سبقَ أَنْ فعلَ الهلالُ ذلكَ والاتحادُ فيهِ جهابذةُ القانونِ: الدكتور كمال شداد، وأبو القوانين محمد الشيخ مدني، والشيخ محمد الحسن الرضي، وانتصرَ الهلالُ وأنصفتْهُ المحكمةُ الدستوريةُ.
وقبلَ أَنْ يتحركَ الهلالُ يجبُ أَنْ تتحركَ الدولةُ ومجلسُ السيادةِ والمحكمةُ الدستوريةُ في إعلاءِ لائحةِ النظامِ الأساسيِّ لاتحادِ الكرةِ على دستورِ البلادِ، وفي إبطالِ توقيعِ رئيسِ مجلسِ السيادةِ من قِبلِ رئيسِ لجنةِ الاستئنافاتِ المكلَّفِ أو الذي يشغلُ المنصبَ بالإنابةِ.
أمَّا إذا كانَ هنالك حديثٌ أو مخالفةٌ في تغييرِ الهويةِ أو في “سيستم” الهلالِ أو “الفيفا”، فإنَّ ذلكَ أمرٌ يدحضُهُ أَنَّ الهلالَ -وفي ذاتِ الشكوى- يملكُ قراراً صادراً من الاتحادِ الأفريقيِّ في شكوى “البوليس الكيني” ضدَّ الهلالِ، والتي اتَّضحَ للجميعِ أَنَّ المريخَ هو مَنْ كانَ يقفُ خلفَها… وإِنْ لمْ يفعلِ المريخُ ذلكَ فمَنْ يفعلُهُ؟!
هلْ خدعَ الاتحادُ السودانيُّ الاتحادَ الأفريقيَّ؟ عندما أكَّدَ لهُ في شكوى البوليس الكيني أَنَّ موقفَ الهلالِ سليمٌ، علمًا أَنَّ “سيستم” الفيفا لا يمكنُ التلاعبُ بهِ وهو تحتَ رقابةِ “الفيفا” نفسِها.
ويملكُ الهلالُ قراراتٍ من عدةِ لجانٍ وفي مراحلَ مختلفةٍ من الاتحادِ السودانيِّ في ذاتِ الشكوى؛ لذلكَ فإنَّ الهلالَ يمتلكُ عدداً كبيراً من المستنداتِ الداعمةِ لموقفِهِ والمؤكدةِ لسلامةِ إجراءاتِهِ، صادرةً من المحكمةِ الدستوريةِ، ومن الاتحادِ الأفريقيِّ، ومن الاتحادِ السودانيِّ نفسِهِ.
على الهلالِ التحركُ سريعًا والذهابُ للمحكمةِ الدستوريةِ دونَ انتظارِ قرارِ لجنةِ الاستئنافاتِ بعدَ مطالبةِ الهلالِ بمراجعةِ القرارِ؛ لأنَّ الهلالَ يمكنُهُ حتى في قرارِ المراجعةِ أَنْ يضمِّنَ قرارَ المحكمةِ الدستوريةِ.
كذلكَ يجبُ على الهلالِ أَنْ يشتكي الاتحادَ العامَّ في إعلاءِ توقيعِ الدخيري على توقيعِ البرهانِ؛ الأمرُ ليسَ فقطْ في مخالفةِ الدستورِ، القضيةُ فيها أيضًا استهتارٌ واستخفافٌ بقيمةِ توقيعِ رئيسِ مجلسِ السيادةِ على مستندٍ رسميٍّ.
هذهِ القضيةُ مطلوبٌ من الهلالِ أَنْ يتحركَ فيها سريعاً وَأَلَّا يتركَ الأمورَ معلَّقةً أو يسمحَ لاتحادِ الكرةِ بالمماطلةِ والتلكُّؤِ، كما حدثَ من الاتحادِ الأفريقيِّ في شكوى الهلالِ لـ “نهضة بركان” ومنشطاتِ الموساوي.
كذلكَ على الهلالِ أَنْ يكشفَ عن خطواتِهِ وتحركاتِهِ ويمدَّ جماهيرَهُ بكلِّ ما يقومُ بهِ لاستعادةِ البطولةِ التي تمَّ التعدِّي عليها في “شفشفةٍ” ظاهرةٍ.
إنَّ مطالبةَ الهلالِ أو تقدُّمَهُ لمراجعةِ القرارِ من لجنةِ الاستئنافاتِ ما هو إلَّا مضيعةٌ للزمنِ؛ لأنَّ الهلالَ مطلوبٌ منهُ أَنْ يفعلَ ذلكَ أمامَ لجنةٍ تغزَّلَ المحركُ الرئيسيُّ لها في مذكرةِ المريخِ، وحسبَ مقدراتِ الرجلِ العقليةِ وخبراتِهِ المتواضعةِ طالبَ أَنْ يتمَّ الاستفادةُ من مذكرةِ المريخِ في ورشةٍ عامةٍ؛ هذا أمرٌ لوحدِهِ يدينُ لجنةَ الاستئنافاتِ ويؤكدُ عدمَ حيادِها، بل يؤكدُ تعصبَها وتطرفَها وانحيازَها لأحدِ أطرافِ النزاعِ في القضيةِ.
…..
مَتَارِيسُ
لا توجدُ بطولاتٌ تُحسَمُ بالشكاوى إلَّا في دولةٍ يسودُ فيها الفسادُ.
لا جدوى من استعداداتِ الهلالِ للموسمِ الجديدِ، ولا فائدةَ من تسجيلاتِ الهلالِ الجديدةِ والتعاقدِ مع أجهزةٍ فنيةٍ على مستوىً؛ إذا كانت نتائجُ المبارياتِ تُحدَّدُ في السودانِ بقراراتٍ إداريةٍ ظالمةٍ.
”شفشفةُ” البطولاتِ هذا امتدادٌ لثقافةِ “الشفشفةِ” السائدةِ في البلادِ.
وحتى لا نُعفِيَ الهلالَ في هذهِ القضيةِ، فإنَّ الهلالَ يُلامُ ويُحاسَبُ على تلكَ “الشفشفةِ” التي وقعتْ لبطولتِهِ قبلَ اتحادِ الكرةِ.
ذنبُ الهلالِ الذي كانَ ضحيةً لتلكَ “الشفشفةِ” أكبرُ من ذنبِ الاتحادِ والمريخِ اللذَيْنِ قاما بـ “الشفشفةِ”.
الضحيةُ إذا قبلتْ بالوضعِ وسكتتْ عليهِ يبقى ذنبُها أكبرَ من ذنبِ الجاني نفسِهِ.
مشاركةُ الهلالِ في بطولةِ غربِ أفريقيا ضربةُ معلمٍ، والتعاقدُ مع الغانيِّ سالم آدمز إضافةٌ قويةٌ للهلالِ، لكنْ كلُّ هذهِ الأشياءِ لا نفعَ منها إِنْ لمْ يستردَّ الهلالُ بطولتَهُ وينتصرْ للحقِّ.
إذا كنا نبحثُ في السابقِ عن الانتصارِ للهلالِ، فإنَّنا نبحثُ الآنَ عن الانتصارِ للوطنِ والحقِّ.
هذهِ القضيةُ قضيةٌ ضدَّ الدولةِ، وليسَ قضيةً ضدَّ الهلالِ.
هلْ تتقبَّلُ الدولةُ هذا لدستورِها ورئيسِ سلطتِها؟!
…..
ترسٌ أخيرٌ: الكُرَةُ في ملعبِ مجلسِ الإدارةِ.


