نجوم العصر الذهبى..نصر الدين عباس “جكسا”:
أول لاعب سوداني يُدوّن تاريخه في مذكرات في زمن لم تكن فيه كرة القدم السودانية تُمنح أبطالها حق التوثيق، قرّر نصر الدين عباس، المعروف بلقب “جكسا”، أن يكون أول من يكسر هذه القاعدة، فيخطّ بيده سيرة ذاتية تُعدّ وثيقة تاريخية في مسيرة الكرة السودانية.
من “جاكسون” إلى “جكسا”: اسم يحمل تاريخاً مزدوجاً
اسم “جكسا” ليس مجرد لقب رياضي، بل هو تحوير لاسم جده لأبيه السير هربرت هنري جاكسون، أحد كبار المسؤولين البريطانيين خلال فترة الاستعمار في السودان. خدم جاكسون في الجيش المصري وشارك في حملة إعادة الاحتلال، ثم تولى حكم إقليم دنقلا من 1902 إلى 1922، وكان يشغل منصب نائب الحاكم العام للسودان. أطلق اسمه على ميدان جاكسون غرب الخرطوم، ودُفن في مدافن الكرو الأثرية شمال السودان وسط أهرامات مروي، وفقاً لوصيته لأنه “أحب تراب الشمال وناسه”. مع مرور الزمن، تحوّر اسم “جاكسون” شعبياً إلى “جكسا”، ليورثه حفيده نصر الدين عباس، فيما يشبه التحويرات اللغوية الشائعة للأسماء الأجنبية في السودان. هكذا، يحمل الاسم تاريخاً مزدوجاً: إرث استعماري بريطاني من جهة، وأسطورة كروية سودانية من جهة أخرى.
بداية من البوستة
ولد جكسا في 13 أغسطس 1944 في حي البوستة بأم درمان. تعلق بكرة القدم منذ طفولته الباكرة، وكان يحمل معه كرة الشُرّاب دائماً حتى عند ذهابه للخلوة. أدرك أن لديه موهبة رياضية وهو بعد في المدرسة الأولية عندما كان يمارس اللعبة ضمن النشاط المدرسي.
وأنشأ مع بعض أقرانه بحي العباسية بأم درمان فريق **”المجاهد”** الذي يعتبر أول فريق للناشئين في السودان. “نحن من بدأ فرق الناشئين وكنا ندفع اشتراكات قرشين للطالب و10 قروش للعامل والموظفين مع ندرتهم 15 قرش، وكنا نشرك سكان الحي في التبرعات لنقوم بشراء الفنايل وصبغها ونقوم بشراء الكرات”، كما روى جكسا.
انتقاله للأندية الكبرى
انتقل جكسا بعد المجاهد لفريق **الربيع** في الدرجة الثانية. وروى موقفاً طريفاً عند ذهابه للنادي لأول مرة: “كان هناك شخص اسمه إبراهيم مدير الكرة بالنادي عندما حضرت للنادي لأول مرة اعترضني ومنعني من الدخول وقال لي ماشي وين يا ولد؟ قلت له ماشي النادي! قال بأن النادي ليس للأولاد الصغار!”
أما أول مباراة رسمية له، فكانت مع الربيع ضد أبوعنجة، حيث كان احتياطياً. “كان هناك لاعب اسمه (رفاي) رحمه الله وكان لاعباً ممتازاً تأخر عن الحضور وبعد مرور خمس دقائق للمباراة طالب الجمهور بإدخالي للمعلب… ومن أول لمستين للكرة أحرزت هدفين”.
الهلال: سنوات الأمجاد
في العام **1963** انتقل جكسا لنادي **الهلال العاصمي**، بعد منافسة شديدة من نادي المريخ الذي سعى كثيراً لتوقيعه. “أخبرتهم بأني سأوقع للهلال لأني أحب الهلال… وحدثت مشاكل بين مشجعي الناديين وتم إجباري على أداء تمارين مع نادي المريخ وأجريت معهم مرانين ولكن لم يستطيعوا إقناعي بالتوقيع لهم”.
مع مجيء جكسا ومجموعة من اللاعبين الشباب، تحولت خارطة الهلال. “لم أكن لوحدي كان هناك كمال عبد الله وعبد الرحمن زيادة وحارس من بور تسودان اسمه نصر الدين وديم الصغير وحبشي، أي كانت فترة تغيير جلد حيث اعتزل عدد من اللاعبين القدامى وجئنا نحن وتسلمنا الراية وكانت أعظم أيام للهلال”.
المنتخب القومي: إنجازات قارية وعربية
شارك جكسا مع المنتخب القومي في بطولتي كأس الأمف الأفريقية **1963 و1970**. ومن الأبرز مشاركته في الدورة الإفريقية الرابعة بكوماسي الغانية عام 1963، حيث تعادل السودان مع مصر بهدفين وهزم نيجيريا بأربعة أهداف، محرزاً هدفين في كل مباراة، ونال الميدالية الفضية.
كما شارك في الدورة العربية الرابعة بمصر عام 1964 بحضور الرئيس جمال عبد الناصر والملك فيصل، حيث وصل المنتخب للمباراة النهائية ضد مصر وتعادل معها، وكان الكأس مناصفة. وفي عام **1970**، فاز السودان بالدورة الإفريقية السابعة بالخرطوم، وهو إنجاز “من الإنجازات العظيمة جداً”.
المذكرات: وثيقة تاريخية من الداخل
يُعد جكسا **أول لاعب كرة قدم سوداني يُصدر مذكراته**، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الكرة السودانية. في كتابه، كشف جكسا عن أسرار لم يعرفها الناس من قبل:
**أولاً: اختياره الأول للمنتخب لم يكن من الهلال.** “كان الفريق القومي يسمى بالفريق الأهلي السوداني… فأول اختيار لي للمنتخب كان من نادي الربيع درجة ثانية وهذه معلومة لا يعرفها الناس”.
**ثانياً: اللقطة الشهيرة التي أتعبته مدى الحياة.** هناك صورة شهيرة له خلال مباراة مع مصر أحرز فيها هدفين، “ولكن عند اللقطة الشهيرة لم تدخل الكرة الشبكة بل لامست الكرة الشبكة من الخارج ومنذ ذلك الوقت كنت أتعالج لوحدي وألبس حزاماً وأحقن نفسي لوحدي لا الفريق القومي ولا الهلال ولا الاتحاد قاموا بعلاجي”.
**ثالثاً: لم يتقاضَ قرشاً واحداً.** “خلال مسيرتي لم يحدث أن أخذت مالاً من نادي، في فريق المجاهد كنت أدفع اشتراكات وفي نادي الربيع لم أتحصل على مال وكذلك في نادي الهلال حتى أن اعتزلت الكرة عام 77 لم أطالب بقرش واحد… وحتى الفريق القومي السوداني إلى يومنا هذا لم أتحصل على قرش واحد منه”.
“حلاوة جكسا”: اسم في ذاكرة الأمة
عبر السودانيون عن حبهم لجكسا بطرق فريدة. كانت هناك أغنية شهيرة في الستينات “من أرض المحنة ومن قلب الجزيرة” يمزجون بموسيقاها جملة “حلاوة جكسا”. ويروي جكسا أصل الحكاية: “حلاوة جكسا مرتبطة بهدف غال سددته في شباك المريخ في ليلة مولد المصطفى (ص) عام 1963 أوقف انتصارات المريخ الثمانية المتتالية وبدأت به انتصارات الهلال”.
كما أطلق اسم “جكسا” على نوع من البسكويت المحشو بالشيكولاتة، و”جكسا في خط ستة” على موضة فساتين نسائية فوق الركبة في الستينات. وفي أعلى درجات التكريم، وضعت وزارة التربية والتعليم اسمه في المنهج السوداني لطلبة الثانويات.
عروض عالمية لم تكتمل
في ذروة مسيرته، تلقى جكسا عروضاً للاحتراف من نادي **بوكا جونيورز** الأرجنتيني الشهير، لكن ظروفاً مختلفة حالت دون إتمام الانتقال.
إرث يمتد عبر الزمن
يُحظى جكسا بتقدير واسع ، حيث يُعتبر من أبرز رموز الكرة السودانية في ستينيات القرن الماضي. وفي مارس 2023، تم تكريمه تكريماً رسمياً تقديراً لمسيرته الكروية المتميزة.


