طرائف الكرة السودانية
د.عوض النقر بابكر محمد
تُعرف كرة القدم السودانية بسحرها الخاص وشغف جماهيرها العريض، لكنها تتميز أيضاً ببعدٍ آخر يتجاوز المستطيل الأخضر؛ بعدٌ ترسمه اللقطات العفوية داخل الملعب، وتكتمله خفة ظل المشجع السوداني خارج الميدان، ليتمازج سحر اللعبة مع “كوميديا الخسارة” في لوحة فكاهية فريدة.
غرائب داخل المستطيل الأخضر
شهدت الملاعب السودانية مواقف تحكيمية وإدارية نادرة، كواقعة اللاعب الذي أُشهرت في وجهه البطاقة الحمراء، وبدلاً من المغادرة، غافل الحكم وخطف الكارت الأحمر من يده وركض مسرعاً للاختفاء بين الجماهير في المدرجات، ليبقى الحكم مذهولاً يبحث عن بطاقته!
ولم تتوقف الطرائف عند اللاعبين، بل امتدت للأجهزة الفنية والطبية؛ فقد احتج أحد المدربين على القرارات التحكيمية بالجلوس على الدكة ووضع “سماعات الرأس” للاستماع للموسيقى متجاهلاً مجريات اللقاء حتى أُخرج مطروداً. وفي مواقف الإصابات، دخل مسعف في إحدى المباريات الشعبية يرش قارورة مياه غازية بدلاً من “الرشاش الطبي” عن طريق الخطأ، لينهض اللاعب فوراً ويركض بكامل نشاطه وسط ذهول وحيرة الحاضرين.
فن التعامل مع الهزيمة و”المكاواة”
عندما تُطلق صافرة النهاية مُعلنة الخسارة، تتحول الحسرة فوراً إلى مادة دسمة للسخرية والتهكم الساخر بين الأندية والمقاهي. تتصدر “شماعة السحر” قائمة التبريرات، حيث يقتنع الجمهور الخاسر أن المرمى كان “مسدوداً بجدار مرئي” تنحرف عنه الكرات بفعل فاعل، فراراً من الاعتراف بسوء أداء خط الدفاع.
اذكر وانا صغير ذهبت مع نادى وادى النيل الى احد المشعوذين والذى جاء بطست به ماء لنرى كل الملعب بداخله وكان ذلك اول تلفزيون بلازما رايته قبل اختراعه بزمن طويل!! وما زال وادى النيل فى مكانه.
ومن طرائف الشعوذة ايضا ذلك المشعوذ الذى قال للفريق ما هى الصعوبة العبوا على الاطراف اعكسوا الكرة ثم داخل المرمى فقال له الادارى لو كنا بنعرف نعمل كده جايينك لشنو؟
عقب هزائم الديربي الثقيلة، تشهد الشوارع ظاهرة اختفاء مشجعي الفريق الخاسر أو ارتدائهم لقمصان محايدة تفادياً لـ “المكاواة” ، وتُحوّل الهواتف إلى وضع الطيران للهرب من رسائل الشماتة. وفي البيوت، يدخل “سيد البيت” واجماً، لتبدأ الدراما الأسرية الساخرة بعبارات من قبيل: “يعني عشان الهلال أو المريخ خسر ما نتعشى اليوم؟”.
تتوج هذه الكوميديا بالتصريحات الإدارية الشاهيرة بعد اللقاء، كاتهام العشب بأنه كان “أملس أكثر من اللازم”، أو تصريح مدرب بأن الخطة كانت ممتازة ولكن اللاعبين “نسوا التعليمات في الحافلة”!
غير ان اغرب ما رايته فى كاس العرب ذلك المدافع الذى استخلص الكرة ببراعة من المهاجم فصفقت له الجماهير واذا به يستدير نحو مرماه ويطلق صاروخا غير مساره الحارس بشق الانفس وسط ذهول المتفرجين لتتصدر اللقطة الترند العربى.
تظل هذه اللقطات والردود الطريفة طقساً سودانياً خالصاً؛ يعكس عفوية اللعبة وقدرة الشارع الرياضي على امتصاص مرارة الهزيمة وتحويلها إلى ابتسامة تُجدد الشغف للمباراة القادمة.


