الي قناة الحدث التي أهانت كرامة السودانيين بهذا الخبر المسموم
ليس باللحوم وحدها يحيا الإنسان
■ خبر غريب ومستفز نشرته قناة «الحدث» في نشراتها اليوم يقول الخبر : «بسبب ارتفاع أسعار اللحوم ونقصها في مناطق عدة.. الحرب تدفع السودانيين لأكل السلاحف والقنافذ».
■ عنوان صادم ومثير ومستفز ولا اساس له من الصحة ولكن قبل كل ذلك يحتاج منا إلى وقفة مهنية لأن الإعلام عندما يتعامل مع معاناة الشعوب عليه أن يتحقق من المعلومات جيدآ لأن الشاشة قد تنقل الحقيقة وقد تساهم في نشر خبر كاذب ومضلل كما حدث الآن.
■ لن ننكر حقيقة أن السودان يعيش أزمة اقتصادية وغذائية قاسية بسبب الحرب أدت الي إرتفاع أسعار المواد الغذائية بصورة كبيرة ومنها اللحوم وتضررت الأسواق والإنتاج وسلاسل الإمداد وهناك مواطنون في مناطق عديدة يعانون من نقص الغذاء والجوع والنزوح كل هذه حقائق لا ينكرها أحد.
■ لكن هل وصلت الأمور إلى الدرجة التي يمكن معها القول إن «الحرب تدفع السودانيين لأكل السلاحف والقنافد»؟ وهل يمكن أن يتحول سلوك فردي أو حالة محدودة في منطقة ما إلى عنوان يتحدث عن السودانيين وكأنها ظاهرة عامة تشمل الشعب كله؟
■ هنا تكمن المشكلة وتتكشف النوايا لانه ليست لدينا مشكلة في الحديث عن معاناة السودانيين وإنما في الطريقة التي يتم بها تقديم هذه المعاناة فهناك فرق كبير بين أن تقول إن بعض الأسر في منطقة محددة لجأت إلى مصادر غذاء غير معتادة وتوثق الحالة وبين أن تقول بصفة التعميم إن الحرب تدفع السودانيين إلى أكل السلاحف والقنافد.
■ الأول نقل لواقعة تحتاج إلى سياق وتوثيق والخبر نفسه لم يثبت الواقعه أما الثاني فيصنع صورة ذهنية عامة عن شعب بأكمله وكأن السودانيين وصلوا إلى مرحلة لم يعد أمامهم فيها سوى السلاحف والقنافد بحثًا عن لقمة تسد الرمق وهذا لم ولن يحدث بإذن الله لأن السودانيين بطبعهم شعب مترابط ومتكاتف!
■ ثم ثانيآ هل اللحوم هي المنقذ الوحيد لحياة الإنسان؟ وهل المواطن الذي لا يستطيع شراء كيلو من اللحم يصبح مضطرًا إلى اصطياد سلحفاة أو قنفذ حتى يحصل على البروتين؟
■ الإجابة المنطقيةوالعلمية لا لأن البروتين فعلآ عنصر غذائي أساسي لكنه ليس حكرًا على اللحوم فهناك مصادر متعددة للبروتين منها البقوليات والحبوب والمكسرات إضافة إلى البيض والحليب والأسماك واللحوم وغيرها وكثير من الناس نباتيين لا يأكلون لحومآ ويتمتعون بصحة جيده.
■ وبالتالي ربط ارتفاع أسعار اللحوم مباشرة بأكل السلاحف والقنافذ باعتبارها ضرورة للحصول على البروتين يحتاج إلى معلومات دقيقة قبل استخدامه كعنوان للإثارة ويحتاج الي معلومات واضحة وأرقام تثبت حجم الظاهرة، وتوضح هل نحن أمام حالات فردية أم ظاهرة واسعة بالفعل.
■ والأهم من ذلك كله أين احترام كرامة الإنسان السوداني في هذا العنوان؟ من المسؤول عن الثأثير السلبي لهذا الخبر الكاذب لأن من يقرأ هذا الخبر وهو غير سوداني ولا يعرف شي عن السودانيين سيصدق الخبر للأسف الشديد.
■ السوداني الذي نزح من منزله وفقد مصدر دخله وعاش ويلات الحرب ووقف أمام الأسواق عاجزًا عن شراء احتياجات أسرته لا يحتاج إلى أن تتحول مأساته إلى مادة للفرجة والاستغراب.
■ نحن لا نطلب من الإعلام أن يخفي الأزمة السودانية ولا نريد تلميع الواقع أو إنكار الجوع والفقر وارتفاع الأسعار. بالعكس على الإعلام أن يكشف هذه الأزمات بكل شجاعة وأن يضع العالم أمام حقيقة ما يحدث في السودان.
■ لكن هناك فرقًا بين كشف المعاناة وبين تسليع المعاناة وفرقًا بين نقل الحقيقة وبين صناعة عنوان يجذب الانتباه ولو على حساب كرامة شعب كامل.
■ قولوا إن الحرب أفقدت ملايين السودانيين مصادر دخلهم قولوا إن الأسعار ارتفعت قولوا إن الغذاء أصبح بعيدًا عن متناول قطاعات واسعة من المواطنين قولوا إن هناك مناطق تعاني من الجوع ونقص الغذاء كل ذلك يستحق أن يكون في صدارة التغطية.
■ لكن لا تختزلوا السودان والسودانيين في «سلاحف وقنافد»!
■ الشعب السوداني له تاريخ طويل مع الأزمات وله ثقافته الغذائية والاجتماعية وله قدرة كبيرة على التكيف مع الظروف الصعبة. وحتى عندما تضيق به الدنيا لا يجوز للإعلام أن يسلبه كرامته وهو يوثق معاناته.
■ والأغرب أن يتم اختزال أزمة غذاء بهذا الحجم في سعر اللحوم وكأن مشكلة السودانيين الوحيدة هي أنهم لم يعودوا قادرين على شراء اللحمة!
■ الأزمة أكبر من ذلك بكثير إنها أزمة حرب وإنتاج وأسواق ونزوح ودخل وإمدادات وأمن غذائي ولذلك فإن اختصارها في عنوان مثير لا يخدم الحقيقة بل يضعفها.
■ نحن مع كشف الحقيقة كاملة ومع الصحافة التي تدخل إلى المناطق المنكوبة وتنقل صوت المواطن ومع التحقيقات التي تكشف حجم الجوع والمعاناة لكننا ضد أن تتحول معاناة السودانيين إلى عنوان صادم يبحث عن المشاهدة قبل أن يبحث عن الحقيقة.
■ الإعلام المهني ينقل الحقيقه كما هي ولايبحث عن الإثارة علي حساب معاناة المواطنين
■ والسوداني الذي أنهكته الحرب يستحق أن يُروى وجعه باحترام لا أن تُختزل كرامته في عنوان مستفز.
■ انا هنا لا ادافع عن صورة مثالية للسودان وإنما ادافع عن حق السوداني في أن تُنقل حقيقته كما هي بلا تهويل وبلا انتقاص من كرامته.


