صَـابِنَّـهَا
محمد عبد الماجد
مع السُّوباط والعليقِي ما في حاجة صعبة
الذي استغرب له حقاً هو أنّ مجلس الهلال يقود الهلال بكل اقتدار ودون حاجة أو عوز، أو من غير حتى التعذر بالحرب، رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد والتي جعلت المواطنين منقسمين بين النزوح واللجوء بسبب الحرب اللعينة.
كل شيء تراجع في السودان إلا الهلال، لذلك أصبح هو مصدر الفرح الوحيد بالنسبة لنا ـ الذين يعتقدون أنّ الصرف على الهلال بهذه الصورة في تلك الظروف نوعٌ من البذخ والرفاهية، لا يعرفون قيمة الفرح الذي يمنحنا له الهلال.
انتصارات الهلال هي التى تكسر الملل وتوزع الفرح وتزرع الأمل، وتجعل الناس يتحدثون عن شيء آخر غير الحرب بكل اعتزاز وفخر.
بقي عندنا موضوع نستطيع أن نتحدث فيه ونحن نشعر بالسعادة ونحس بالفرح.
“ضلنا” أصبح يتّسع للجميع، و’صينيتنا’ بتكفي ألف.
حبابكم عشرة.
نحن نطعِّم القهوة بمباريات الهلال ونصلِّح الفول بانتصاراته، حتى قطوعات الكهرباء والملاريا وضعف الرواتب وغلاء الأسعار، نواجه كل هذه الأشياء بالكلام عن الهلال.
ما عندنا أي مشكلة.
عايشين الفرحة في أصعب الظُّـروف، وهذا في الحقيقة هو النجاح الحقيقي.
هذه هي البطولة الحقيقية.
بسيرة الهلال ممكن ألا نبيت ‘القوا’ ـ وممكن يكون ما عندنا مشكلة في المواصلات ولا شايلين هَـمّ من حق اللبن.
وحده هو الهلال الذي يُخرجنا من تلك الحالة، ويجعلنا ننسى ارتفاع الدولار وانخفاض الجنيه وهبوطه المُخيف.
حتى الخبز الذي أصبحت ثلاث رغيفات، بل اثنتين منها بألف جنيه، صرنا نكمل نقص ذلك بالهلال وأخباره.
مبارياته بقت عندنا عيد، ومناسبة للفرح والشاي والقهوة والمرقة على الجيران.
ممكن نكتب عن الأوضاع وعن المعاناة ولكن لا نريد أن نزيد المواجع، نحاول أن نوقد شمعة بدلاً من أن نلعن الظروف ـ نقدر حالة الحرب ونسكت عشماً في بزوغ الفجر، نسعى لذلك بصبرنا، لكن الأكيد أنّ صبرنا لن يستمر طويلاً، فبعض الوجـع في حاجة للكي.
أعود وأقول إنّني في حيرة حقيقية من الوضع الذي يعيش فيه الهلال ـ وهذا وضعٌ لم يكن يتوفر للهلال حتى في سنوات السلم والاستقرار والنمو.
مجلس الهلال بقيادة السوباط والعليقي يصرف على فريقين بعدد من الأجانب يمكن أن يتجاوز 18 لاعباً، وقد كانت مجالس الهلال حتى في عهد صلاح إدريس والكاردينال تجد مشقة الصرف على ثلاثة أجانب فقط، وكان الهلال مهدداً دائماً بالعقوبات وقد تعرّض للكثير منها بسبب لجوء الأجانب من اللاعبين والأجهزة الفنية إلى الفيفا للمطالبة باستحقاقاتهم.
كان الهلال يمر بظروف صعبة ويجد معاناة كبيرة والفريق ينزل في فندق النادي بأم درمان، فكيف يكون وضع الهلال في هذه الحرب؟ ومجلسه ينفق على فريقين ينزلان في أفخم فنادق كيغالي.
الهلال أصبح يتنقل بحمد الله وفضله بين العواصم الأفريقية بطائرة خاصة، ويرعى بطولة سيكافا، ويسدد رسوم الاتحاد العام في “كاس”، ويتلفز مبارياته كخدمة مجانية لجماهيره، ويتحدث كل المدربين الذين أشرفوا عليه عن أن إمكانيات الهلال الكبيرة، وعن توفير كل الاحتياجات، في الوقت الذي كان الهلال يتنقل بـ”بصه الخاص” في ولاية الخرطوم وكان يجد يجد في ذلك كل المعاناة.
الهلال أعطانا درساً أن النجاح ممكن حتى في ظل المعاناة، وأن الظروف مهما كانت صعبة يجب أن نتغلّب عليها وأن لا نجعلها عذراً.
هذه الظروف التي تمر بها البلاد، ويعيشها كل الناس داخل وخارج السودان يفترض أن نجعلها دافعاً وحافزاً.
بإذن الله وفضله سوف نتغلّب على كل شيء، وسوف يعود السودان إلى أفضل ما نتمناه له، شريطة المزيد من العمل والصبر.. المزيد من البذل والتضحيات.
المزيد من الإيمان، عودوا إلى طريق الصراط المستقيم يرحمكم الله.
قبل الحرب كان الهلال يدخل في مفاوضات شاقة من أجل التعاقد مع محترف أجنبي، ومع أن خانات الأجانب كانت محدودة في كشوفات الأندية ولا تتجاوز ثلاثة لاعبين، كنا نجد كل المشقة في تعاقدات الهلال، حيث كنا نعيش مسلسلًا طويلًا في المفاوضات، ووصول اللاعب إلى الخرطوم كان “قصة”، ووصول كرته من بعد ذلك “حكاية” ـ حتى تذاكر وصول اللاعب كنا نجد فيها عنت.
الآن بحمد الله يصل الأجانب زرافات ووحدانا للتعاقد مع الهلال، ويختار الهلال ما يشاء، ينتظر بعضهم حتى يصل السن القانونية، ويختبر بعضهم في فترات معايشة.
تعاقدات الهلال، تتحدث القارة الأفريقية كلها عنها، وترصدهم الأندية الأوروبية في فرنسا وسويسرا لجودتهم.
الأندية العربية والأفريقية أصبحت تعجز عن التفاوض مع الهلال والإعلان عن رغبتها في التعاقد مع لاعب هلالي بسبب قيمة اللاعب المادية ومطالبات الهلال التي قد تصل إلى 6 ملايين دولار كما حدث في انتقال جان كلود إلى فريق الأهلي طرابلس.
هذا الذي يحدث في الهلال ليس رفاهية ولا هو بذخ في زمن الحرب، بل هو استثمار ومواجهة للظروف بالكيفية التى تجعلك تتغلب عليها.
لذلك ونحن في هذه الظروف ـ فاز الهلال بكل البطولات المحلية، وفاز بالدوري الموريتاني والدوري الرواندي وأصبح تواجد الهلال في مرحلة المجموعات من المسلمات، والعادات والتقاليد.
يمكن أن يغيب الرجاء المغربي ويمكن أن يغيب حتى الوداد ولا يغيب الهلال.
يمكن أن يفشل أورلاندو الجنوب أفريقي في الوصول إلى مرحلة المجموعات وتفشل المولودية الجزائري ويانغا افريكانز في تجاوز التمهيدي، ويمكن أن يعجز الأهلي المصري حتى في مجرد المشاركة بدوري أبطال أفريقيا، كما كان يعجز الزمالك من ذلك ـ والهلال مع ظروفه تلك حاضرٌ لا يغيب.
ظل المريخ يخرج في سنوات الحرب من المرحلة التمهيدية، يفشل في بعض الفترات حتى من الوصول للمرحلة التمهيدية الثانية، رغم أنه يتمتع بكل ما يتمتع به الهلال من أجانب وجنسيات وجاز ودعم، بل إن المريخ يجد ما لا يجده الهلال، إذ يحقق المريخ بطولاته عن طريق (الدخيري)، رغم وجود 18 أجنبياً في الفريق، بينهم 6 مُنحوا الجنسية السودانية.
هذه الحرب لم تزدنا في الهلال إلا قوةً، ولم تنجح إلا في أن تجعلنا أكثر رفعةً وشموخاً وكبرياءً.
لقد كان من بين أهداف هذه الحرب هي أن تكسر عزيمتنا وأن تجعل الإحباط فينا هو سيد مشاعرنا، ولكنها لم تنجح في ذلك ولم تفعل، غير أننا أصبحنا أكثر عزةً.
أرادوا أن يُفرِّقوا شملنا ويجعلوا همّنا فقط في العيشة والرغيفة والكهرباء، ولكن الهلال تغلّب على ذلك ـ جعلنا نتحدّى الظروف باللمة والفرحة وانتصارات الهلال.
الأشياء يمكن أن تتغيّر ـ حتى الناس يتغيّرون، لكن النيل لا يتغيّر، سوف يظل يجري ويفيض ليمنح غيره الحياة والخُضرة والبهجة، وكذلك الهلال لا يتغيّر كما النيل يجري ويفيض ويثور وينتصر ويمنح الحياة.
لا بد من الإشادة برئيس مجلس الهلال هشام السوباط ونائبه محمد إبراهيم العليقي، اللذين يتعاملان مع هذه الظروف الصعبة بكل يسر ومرونة.
يتعاقدان مع أي لاعب يرغب فيه الهلال ويأتيان بأكثر الأسماء جودةً وبالأعلى سعراً لقيادة الجهاز الفني للهلال، بل لقيادات الأجهزة الفنية للهلال، فقد أصبح للهلال أكثر من جهاز فني أجنبي.
نحن زمان المدرب الأجنبي الواحد عندنا فيه مشكلة.
في فترة صلاح إدريس وأشرف الكاردينال مع إمكانياتهما الكبيرة وعدم بخلهما على الهلال بشيءٍ، فقد قدّما له كل شيء وصرفا عليه صرف من لا يخشى الفقر، إلا أن الهلال كان يجد المعاناة في بعض الملفات، حصول لاعب أجنبي على الجنسية السودانية كان شيئاً أشبه بالمستحيل، ولم تكن خاصية منح الجنسية السودانية للاعب أجنبي متاحة إلا للمريخ.
الهلال كان يتعذّب عذاب “قبورة” عشان يحصل على تصديق يمنح الجنسية السودانية لأحد أجانبه ـ الآن في وجود السوباط والعليقي أصبح لا توجد مشقة في ذلك، على الأقل أصبح الهلال يمنح ما يمكن أن يمنح للمريخ.
مع ذلك علينا أن نقف في نقطة مهمة وهو أن الهلال رغم عدد أجانبه الكبير، ورغم الجنسيات التي حصل عليها، إلا أن المدير الفني للمنتخب الغاني كواسا أبياه اختار 11 لاعباً من الهلال مقابل 4 لاعبين من المريخ، هذا غير العناصر الأخرى التي تم اختيارها للمنتخبات السنية الأخرى من الهلال.
هذا يؤكد أنّ الاحتراف في الهلال رفع قيمة الوطنيين، وأنّ العدد الكبير من الأجانب في الهلال لم يؤثر على المنتخبات الوطنية، بل هو أفادها، وليس هنالك دليلٌ على ذلك أوضح من أن هنالك خمسة عناصر أساسية من الوطنيين تلعب بصورة دائمة مع الهلال وهم من عناصره الأساسية في التشكيلة، وهنالك أكثر من 10 لاعبين وطنيين يشاركون مع الهلال في البطولة الأفريقية كبدائل، هذا غير فريق رديف الهلال الذي يعده مجلس الهلال بصورة علمية ويوفر له كل الاحتياجات.
الأجمل من ذلك أن كل هذه النجاحات تتم بعيداً عن (الشو) والصور والمنصات الإعلامية، حتى إننا في الإعلام نشكو من غياب المعلومة ومن ندرة الأخبار، فهم يعملون بصورة أشبه بـ(سري للغاية)، ويتكتّمون على كل شيءٍ، حتى كأنهم يتعاملون مع “ملفات عسكرية”.
لن تجد صورًا لأعضاء مجلس الهلال في مواقع التواصل، وليست هنالك تصريحات لهم، لقد اختاروا أن تتحدث عنهم أعمالهم، وإن كنا نختلف معهم في هذا التشدد والسرية وننتقد هذا النهج، ولكن أياً كان رأينا واختلافنا حول هذا الأسلوب، إلا أنه في الحقيقة يثبت أنهم لا يبحثون عن (الشو).
هنالك أعضاءٌ في مجلس الهلال الحالي لا زال جمهور الهلال، بل وإعلام الهلال كذلك لا يعرف أشكالهم، ولا يعرف أسماءهم، مع أن مواقع التواصل الاجتماعي تمنح حتى المشجع العادي الشهرة والنجومية إذا كان ينتمي للهلال.
خلاصة الموضوع ـ في عصر السوباط والعليقي بقت ما في حاجة صعبة على الهلال، كل الأشياء أصبحت ممكنة، وأعتقد أنّ البطولات القارية تتحقق عن طريق ذلك.
لا تبحث عن مبررات ولا تتعذّر بالظروف أو بأحوال البلاد، النجاح لا يعرف الأعذار ولا يقبل التحجج بالإمكانيات.
إذا أردت أن تحقق بطولة قارية، أسقط من قاموسك كلمة “صعبة وما ممكن ومستحيل”.
الهلال في الطريق الصحيح، يبقى الوصول متاحًا وممكنًا وفي كل يوم نحن نقرب أكثر من أحلامنا وطموحاتنا.
المسافة في الهلال بين الواقع والحلم أصبحت قريبة جدًا ـ أصبحت فركة كعب.
….
متاريس
غدًا إن شاء الله سوف نشاهد الهلال وفي تلفزيون السودان كمان.
نعمة والله.
قلت ليكم ما في حاجة بقت صعبة على الهلال.
ونحن أي حاجة عندنا بي نظام.
اللهم أدم علينا فضلك هذا، ولا تحرمنا من فرحة الهلال.
وكما عاد الهلال سوف يعود الوطن.
الهلال هو وطنٌ آخر.
إنّـه نادي الحركة الوطنية ولا كذب.
….
ترس أخير: المريخاب شغّالين بي فهم الدخيري ولا المتعشِـي..؟
قد يعجبك أيضا


