صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

السفارة في العمارة

48

بوح الحروف

عبد الرحيم أحمد بابكر

السفارة في العمارة

▪︎ تابعتُ بحزن عميق خبر وفاة المواطن السوداني مبارك قمر الدين عبر صفحة الجالية السودانية في مصر وهي صفحة تستحق الإشادة انصح الجميع بمتابعتها لما تقدمه من عمل مهني ومسؤول في متابعة قضايا الجالية السودانية بالقاهرة ونقل الأخبار بدقة والمطالبة بالحقوق مع تحرٍّ واضح للمعلومات من مصادرها الموثوقة ونفي الشائعات قبل تداولها في زمن إختلط فيه الخبر بالرأي والحقيقة بالإشاعة
▪︎ الخبر كان صادمًا بالنسبة لي ، مواطن يبلغ من العمر 67 عامًا خرج لشراء خبز من المخبز القريب من سكنه تم توقيفه من قبل السلطات المصرية واحتجازه داخل قسم شرطة الشروق لينتهي به المطاف متوفىً بعد أيام من الاحتجاز.
▪︎ حسب ماقرأت في بيان الجالية أن الفقيد لم يكن مخالفًا لقوانين الإقامة بل كان يحمل بطاقة مفوضية سارية وسلك المسار القانوني لتجديد إقامته، وتحصل على إيصال بموعد رسمي رغم أن هذه المواعيد قد تمتد لأشهر طويلة وربما لعام كامل.
▪︎ إلى جانب ذلك الفقيد كان يعاني من مرض السكري وقصور الكلى، وقدّمت أسرته الأوراق الطبية وأدخلت الأدوية اللازمة وتحرك محاميه وتواصل مع الجهات المختصة لإخلاء سبيله بما في ذلك السفارة السودانية التي أفادت بمتابعتها للإجراءات ولكن دون جدوي للأسف
▪︎ تسعة أيام قضاها الرجل في الحجز لم يحتملها جسد أنهكه المرض وتقدّم العمر ليُصاب فجر يوم الوفاة بنوبة سكر حادة فارق بسببها الحياة قبل إخلاء سبيله.
▪︎ هذه الواقعة المؤلمة تطرح سؤالًا ملحًّا ظللنا نردده مرارآ وتكرارآ ماهو دور السفارة السودانية في القاهرة تجاه رعاياها؟
▪︎هذا السؤال ليس اعتراضًا على تطبيق القانون ولا رفضًا لتنظيم الإقامة أو ترحيل المخالفين، وإنما دفاعًا عن الحد الأدنى من الاعتبارات الإنسانية ، فكيف لرجل بهذا السن وهو مريض سكري يتم احتجازه تسعة أيام في الحبس ويفارق الحياة داخل السجن لتدهور حالته الصحية والسفارة لم تتحرك لإخلاء سبيله مراعاة لحالتة الصحية
▪︎ نعلم بأن هناك حملات توقيف وترحيل مستمرة هذه الأيام في القاهرة ولكن المؤلم أن الحملات الأمنية تطال أحيانًا المرضى وكبار السن والطلاب دون تمييز، فتُطبَّق النصوص بعيدًا عن روح العدالة ويُدفع الأبرياء ثمن إجراءات قاسية لا تراعي ظروفهم الصحية أو الإنسانية.
▪︎سفير السودان بالقاهرة يبدو أنه حريص علي منصبه أكثر من مواقفه الإنسانية وهو يتجاهل بإستمرار مشاكل السودانيين في مصر ويغرد دائمآ خارج السرب
▪︎ المؤتمر الصحفي الأخير الذي عقده السفير الأسبوع الماضي عكس حالة من الضعف والإرتباك فهو لم يُجب على تساؤلات الجالية ولم يحمل بشريات أو تطمينات حقيقية ولكنه زاد من شعور القلق والغموض وسط أبناء الجالية
▪︎ للأسف الشديد إنحصر دور السفارة في العمل القنصلي فقط معاملات وأوراق وتصديقات واختام مع تجاهل واضح للعمل الخدمي والإنساني الذي يُعد من صميم مهام أي بعثة دبلوماسية، خاصة في أوقات الأزمات.
▪︎ عبارة “السفارة في العمارة” تنطبق وبقوة علي سفارتنا في القاهرة فهي مجرد مبنى قائم ولافتة مرفوعة ولكن الدور الفاعل يغيب حين يحتاج المواطن إلى الحماية والدعم.
▪︎ المواطن السوداني في القاهرة اليوم اصبح بين أمرين احلاهما مر فهو لا يستطيع البقاء حبيس منزله عامًا كاملًا انتظارًا لموعد الإقامة وايضآ لا يملك القدرة المادية على العودة في ظل غياب دعم مؤسسي فعّال.
▪︎ المطلوب اليوم من السفارة موقف أكثر وضوحًا وحزمًا، وآليات عملية لحماية المرضى وكبار السن بالتدخل السريع عند التوقيف، وضمان المعاملة الإنسانية قبل أي إجراء أمني فلابد أن تكون للسفارة كلمة وإعتبار لدي السلطات المصرية في مثل هذه الإجراءات وإلا فلتخرج السفارة من العمارة
▪︎ فالحل الجذري لايكمن في الحملات الواسعة التي قد تطال الأبرياء وتفتح الباب للمتاجرة بمعاناتهم وإنما في دعم برامج العودة الطوعية المجانية التي نجحت سابقًا وأعادت مئات الآلاف من السودانيين بكرامة واحترام.
▪︎ رحم الله مبارك قمر الدين لم يمت لأنه مخالف للقانون بل لأنه مريض وكبير في السن، وجد نفسه في لحظة ضعف بلا سندٍ حقيقي يحميه من هذا المصير القاسي.
▪︎بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة وأهلي وإن ضنّوا عليَّ كرام

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد