صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

العَامِـل النّفسي المفقُـود

23

صَـابِنَّهَـا
محمد عبد الماجد

العَامِـل النّفسي المفقُـود

 

الأخطاء الدفاعية في الهلال ليست هي وليدة مباراة القمة الأخيرة، فقد ظلت تلك الأخطاء الدفاعية تتكرّر في كل مباريات الهلال، ولكن كنا لا نقف عندها ولا نلتفت لها، لأن الهلال كان ينتصر، لذلك لم نهتم بها حتى جاءت وكانت سبباً في أن يخسر الهلال أمام المريخ، لنقف عندها ونشعر بها، نتمنى بعد أن أحسسنا بوجودها وشعرنا بخطورتها أن يضع لها العلاج المناسب حتى لا تتكرّر لاحقاً وتكون سبباً في أن يخسر الهلال مرة أخرى لا قدر الله في وقت أكثر حساسية أو في مباراة أكثر خطورة وأهمية.
الهزيمة تكشف لك عيوبك، والعيوب التي خسر بسببها الهلال أمام المريخ كانت أصلاً موجودة ولكن كنا لا نولِّيها الاهتمام.
في الهلال أخطاء فردية ظلت تتكرر في كل موسم ونعيشها في كل مباراة، حتى تلك المباريات التي يفوز فيها.
تلك العيوب الصغيرة التي يعاني منها الهلال تتفاقم وتكبر عند الإرهاق وضغط المباريات، وتظهر أكثر عند الاستهتار والتهاون والتساهل.
ليس مطلوباً من لاعبي الهلال في المواجهات القادمة غير التركيز بصورة أفضل..كذلك ظهرت في الهلال هذا الموسم ثغرة تمثلت في ضربه بكرات طويلة على العمق الدفاعي أو على الأطراف.
كل هذه الإشكاليات تبدو وكأنها مشاكل (فنية)، لكن في حقيقة الأمر أن الهلال يعاني أكثر من مشكلة (نفسية).. والعامل النفسي هو الذي يجعلك تبدع أو تخفق.. تنتصر أو تنهزم.
التهاون والتساهل وعدم التركيز كل هذه الأشياء لها علاقة بالعامل النفسي، لذلك على الهلال الاهتمام بهذا الجانب ومنحه أولوية خاصةً إذا أراد أن يحقق البطولات التى يشارك فيها.
هنالك عوامل لا يملك الهلال القدرة للسيطرة عليها، فقد فُرضت عليه وهو لا ذنب له فيها، مثل الإرهاق وضغط المباريات، وإن حاول المدرب ريجيكامب بقدر الإمكان العمل بنظرية (التدوير) خاصةً في الدوري الرواندي، لكن هنالك عوامل يُسأل عنها الهلال ويُحاسب عليها.
مباراة الهلال أمام المولودية في الجزائر خسرها الأزرق وقدم فيها مستوىً غير جيد، لأن الهلال كان مرهقاً ولم يكن الترتيب للمباراة من الناحية التنظيمية جيداً، لذلك خسر المباراة.
وما عاناه الهلال من إرهاق أمام المولودية جاء وعاناه أمام المريخ وهذا يعني أنّ الإرهاق أكبر خطر يمكن أن يهدد الهلال، مع أن المدرب أمام المريخ أشرك عناصر غير أساسية ولكن مع ذلك خسر المباراة لأن العناصر البديلة لم تكن بجودة الأساسية، وهنا نلوم مجلس الإدارة والقطاع الرياضي ودائرة الكرة، فقد كان من الأفضل للهلال أن يرسل بعض عناصره التي شاركت في الدوري السوداني ببورتسودان إلى كيجالي قبل وقت كاف من مباراة المريخ، مثلما فعل المريخ، إرسال وانضمام بعض العناصر لبعثة الهلال في كيجالي كان يجب أن يتم بعد حسم الهلال لتأهله لمرحلة النخبة مباشرةً، فقد كان وجود الطيب عبد الرازق ومازن سيمبو وأكيري ومازن فضل سيشكل إضافة قوية للهلال أمام المريخ، وكانت تلك العناصر إلى جانب أنها غير مرهقة سوف تلعب بقوة لا باستهتار وتهاون، لأنها سوف تحاول أن تثبت وجودها وستكون دوافعها كبيرة لإثبات الذات، لكن في الهلال دائماً هنالك سوء في التنظيم والترتيب، وهذا للأمانة ما يتفوّق به المريخ على الهلال.
الهلال في كثير من الأمور والمباريات يتعامل باللا مبالاة، لذلك نخسر معظم المباريات التى نتعامل معها بهذا الإحساس.
الاستهتار والتهاون الذي ظهر على لاعبي الهلال في مباراة القمة انتقل لهم من مجلس الإدارة الذي لم يتعامل مع المباراة كما تعامل مجلس المريخ. وهنا أعود وأكرر ضرورة الفوز بالدوري الرواندي وعدم التفريط في نقاط أي مباراة، ومازلت أناشد إدارة الهلال في أن ترفع حوافز الانتصار في مباريات الدوري الرواندي، وأن ترفع من حدة درجة الطوارئ، لأن الفوز بالدوري الرواندي سوف يكون إنجازاً للهلال لم يسبقه عليه فريقٌ في العالم، أن تفوز بالدوريين الموريتاني والراوندي، مع سيطرتك على البطولات المحلية في السودان، فإنّ ذلك يبقى إنجازاً غير مسبوق، وعلى إدارة الهلال والجهاز الفني أن يتعاملوا مع الدوري الرواندي من هذا المنطلق كإنجاز غير مسبوق.
أي تعثر أو إخفاقات للهلال لا قدر الله في الدوري الراوندي، سوف تنعكس على البطولة الأفريقية وعلى الدوري السوداني، لذلك أعطوا الدوري الرواندي الأولوية في الاهتمام.
أعود إلى العامل النفسي المفقود في الهلال والذي انعكس بصورة واضحة على تصرفات لاعبي الهلال وعلى الكروت الملونة التي أصبحوا يتعرّضون لها بسبب تهورهم وعدم إنضباطهم.
نحن ضد الانتقادات والتنمر الذي يمكن أن يتعرض له بعض اللاعبين من الإعلام والجمهور، لكن ليس ضد العقوبات التي يجب أن يفرضها القطاع الرياضي ودائرة الكرة على كل خطأ يقع نتيجة الاستهتار أو عدم التركيز أو احترام المنافس، ومثلما نطالب بالتحفيز ورفع الحافز عند الانتصار، نطالب بلائحة عقوبات وخصم مادي على كل من يخطئ ويخفق نتيجة الاستهتار أو عدم المسؤولية.
صلاح عادل تعرّض لخمس حالات طرد مع الهلال والمنتخب قي فترة وجيزة وهذا خللٌ كما قلت ليس في صلاح عادل وحده، هذا خلل في الهلال، لأن تكرار الأخطاء بنفس الصورة ونفس الطريقة أمرٌ يُسأل عنه الجهاز الفني ودائرة الكرة.
الجميل أن العليقي قال في تصريحات لآكشن سبورت أن هنالك عقوبات لا يعلن عنها ـ وهذا أمر ممتاز.
في مباراة الهلال أمام الجيش الرواندي نال لاعب الهلال كوليبالي كرتاً أصفر بصورة غريبة عندما دخل في مجادلة مع حكم المباراة وتنفر فيه بصورة مستفزة، ولوّح بيديه معترضاً، ورفض الاستجابة له عندما استدعاه، وكل ذلك لأن الحكم احتسب عليه مخالفة، وأعتقد أن الحكم جامله في تلك الحالة لأن كوليبالي كان يستحق الطرد، نتيجة ذلك فقد الهلال كوليبالي أمام المريخ بسبب تراكم البطاقات.
كوليبالي يفترض أن يعاقب من الهلال، خاصةً أن هذا اللاعب يدخل دائماً في مجادلات مع الحكام ودائماً ما يستجيب لاستفزازات لاعبي الفريق المنافس.
هذا لا ينفي عن كولبيالي إنضباطه خارج الملعب وإلتزامه الديني الجميل ـ فقط عليه أن يضبط أعصابه في الملعب.
تلك الأخطاء التي تحدث في الملعب هي نتيجة لنقص في المخزون النفسي للتعامل مع المباريات وهو سوء في الترتيب المسبق للمباراة.
العامل النفسي يكتسب قبل المباراة وليس أثناء المباراة، لذلك يُسأل عنه القطاع الرياضي والجهاز الفني أيضاً.
المباراة تُدار (نفسياً) قبل المباراة، و(فنياً) أثناء المباراة وتحتاج للجمع بين الأمرين قبل وأثناء المباراة وبعدها أيضاً.
أمام المريخ لم يخسر الهلال (فنياً)، بل خسر (نفسياً).
دعوني أحدثكم بصورة أخرى.
الفلسفة هي أن تنظر للأشياء لا كما ينظر لها الآخرون.
يقول تولستوي: (السعادة لا تتعلق بالأشياء الخارجية، إنما بنظرتنا إلى هذه الأشياء).
لذلك يقال إن السعادة (وهم)، هي ليست (حقيقة)، لذلك بيدك وحدك أن تكون سعيداً أو تكون تعيساً.
ممكن تملك كل الإمكانيات ـ عندك كل شيء، الصحة والمال والأولاد، والبيوت والعربات، وتكون تعيساً، ويمكن أن لا تملك أي شيء من هذه الأشياء فتكون سعيداً ـ السعادة لا علاقة لها بالإمكانيات.
وهذه رحمة من المولى عز وجل ـ سعادتك في يدك وحدك.
السعادة هى الرضاء ـ أن ترضى بأقدارك وحياتك وواقعك وتتصالح معه وتتعايش، فذلك يعني أنك سعيدٌ.
لا تحاول أن تصنع واقعاً غير واقعك بالاعتراض والرفض أو حتى الهروب.
أي أزمة تواجهك تعامل معها على أنها بسيطة وعابرة، إن لم تعبر الأزمة سوف تعبر أنت، فلماذا تكدر نفسك وتعكرها بأمور زائلة..؟
سئل المؤرخ والباحث اللبناني كمال الصليبي في أحد الحوارات الصحفية:
س: أنت نقلت التاريخ برمته إلى مكان آخر؟ هذه شجاعة؟ فأجاب:
ج: هل هذه شجاعة؟ الشجاعة ألّا تكون تريد شيئاً من هذا العالم، وألا تكون لديك الرغبة بالمنافسة. إذا كنت تريد أن تنافس، فستكذب، كذلك لا يهمني أن أكون أحسن من أحد أو يكون أحد أحسن مني.
المبدعون لا يحبون الدخول في منافسة ولا يهمّهم أن يكونوا أوائل حتى في مجالاتهم الإبداعية.
والأمر ذاته نسبي، ولا اتفاق على أول بشكل مطلق، هذا أمر لا اتفاق عليه.
بعدين تكون الأول على منو؟ كل الناس في سباق خاص.. سباق فردي، لهذا لا تنظر لغيرك.
عندما تدخل في منافسة قد تتخلى عن بعض مبادئك، قد تكذب وقد تتجمّل والمبدعون الحقيقيون لا يفعلون ذلك.
قصدت أن اتخذ مسار نفسي وأنا أتحدث عن مباراة الهلال الأخيرة أمام المريخ، أنا لا أسميها هزيمة الهلال، لأن النطق بالحكم لم يصدر بعد، مازلنا في مضمار التنافس ومن يضحك أخيراً هو من يضحك كثيراً وقد عوّدنا الهلال أن يضحك أخيراً.
الهزيمة المفيدة احترمها وأحبها أكثر من النصر الخادع.
الهزيمة مؤلمة، لكن عندما تستفيد منها فإنّ ذلك أمرٌ يجب أن يسعدك.
أنت محظوظ إذا خسرت في وقت يمكن أن تعود فيه وترجع.
الذي وصلت إليه في مباريات كرة القدم وفي الحياة بصورة عامة أن الأقوياء كما قلت أمس مثل الضعفاء يخسرون أيضاً، وأن الهزيمة يمكن أن تكون للأسوأ ويمكن أن تكون كذلك للأحسن.
ليست هنالك قياسات ثابتة لوقوع الهزيمة، قد تجد نفسك تخسر فجأةً بدون أي مقدمات وبدون حتى مبررات.
وهذا لا يعني غياب الأسباب، ولكن هنالك أسبابٌ لا يمكن السيطرة عليها مهما كنت قوياً.
العامل النفسي من الصعب السيطرة عليه، وإن سيطرت عليه فهو أمر لا يأتي بصورة فجائية هو نتاج تراكمات، وتربية وثقافة وعلم.
العامل النفسي لا يخرج من فراغ ولا يكسب من عدم.. لذلك لا تستطيع أن تحاسب جهة أو شخصاً على غيابه، لأنه شعور داخلي وغير مرئي.
مطلوبٌ من الهلال قبل المراجعات الفنية أن تكون هنالك جرعات نفسية، وجلسات ومناقشات.
الهلال في مرحلة خطيرة تستوجب من الجميع التعامل بشكل خاص مع كل الأمور ومع اللاعبين على وجه التحديد.
لا تجعل الخسارة تكسرك، تعلم أن تقويك الهزيمة وتجعلك أقوى.
أجعل الهزيمة تزيدك شموخاً وإصراراً وعزيمة وإرادة.
لم نعد نخشى على الهلال، ولم نعد نخاف عليه.. لأننا ندرك ونثق في أنه يمتلك الإمكانيات التي تجعله يتجاوز كل الصعاب، وقد بلغنا مرحلة أصبحنا نرى فيها كل الصعاب صغائر.
أدعموا الهلال وساندوه، في فترة الحصاد لا يجدي الحساب.
الحساب بعد ذلك.
لا تقلقوا على الهلال ـ نحن سعداءٌ بالهلال، وسعداءٌ بهزيمة سوف تمنحنا المزيد من العزيمة.
التحدي يفرزه الإخفاق، أنت لا تدخل تحدٍّ في الوضع الطبيعي، التحديات تخرج في الأوقات الصعبة.
لذلك ادخلوا ذلك التحدي.

متاريس
دواء الاستهتار والتهاون، الهزيمة.
الهلال كان في حاجة للهزيمة، كي يقضي على حالة الاستهتار التي انتابت لاعبي الهلال.
الاستهتار مرفوضٌ مهما كان مستوى منافسك وحالتك.
الترتيب للمرحلة المقبلة يحتاج إلى دقة وعناية أكبر.
لا تهملوا فريق الهلال وعناصره التي شاركت في الدوري السوداني.
هذا الفريق يجب أن يكون في معسكر دائم.
الموسم كله تبقى له 4 أشهر.
نحن في فترة الحصاد.
نحن في المرحلة المهمة.. المرحلة التي لا تتحمّل أي تهاون أو استهتار.
سأعود واتحدث عن تصريحات العليقي وريجيكامب الأخيرة.

ترس أخير: خليـك مبسُـوط فأنت في الشهر الكريم.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد