بمناسبة مرور عام على تحرير أبوعشر (١)
شربنا من النيل والترعة والجثث طافية.. ومن (سابتك تانك) لخمسة أيام..!
أبوعاقله أماسا
* في مثل هذه الأيام من العام المنصرم كانت أرواحنا قد بلغت الحلقوم، والجنجويد قلبوا علينا ظهر المجن بعد تحرير الجيش لمدينة مدني، وشاعت الفوضى مناطق شمال الجزيرة، بعد أن ارتكز الجيش في قرية القريقريب.. كانت أسوأ ١٨ يوماً من أسوأ عام يمر في تأريخ مدينتنا (أبوعشر).. وقد أصبحت شبه خالية بعد أن أرغم أهلها الطيبون على هجرها والنزوح إلى القرى المجاورة.. وعاث الأوباش فساداً في طرقاتها وأفرغوها من كل شيء ذو قيمة.. لا بهائم ولا مواد تموينية ولا محاصيل زراعية.. حتى التقاوي والبقالات والكناتين الصغيرة نهبت.. والجنجويد يتجولون في الطرقات والشوارع الداخلية ويقيمون في البيوت الجميلة ذات المواقع المميزة، ولأنهم لصوص.. كانوا يتحاشون المنازل المتاخمة لشارع الخرطوم _ مدني ويتوغلون إلى الداخل وكانت هذه هي الثغرة التي نجونا عبرها..!!
* في مثل هذه الأيام دخل علي جاري بكري الأمين عبدالجليل.. داعبته كالعادة: والله مما تجي منطط عيونك ديل معناها في خبر ما طيب.. وبالفعل أخبرني أن الجنجويد قد بدأوا إنتهاك الأحياء الجنوبية ودخلوا البيوت، بعد ساعات فقط وصلني الخبر بأنهم أطلقوا عليه ذخيرة وأصابوه في قدمه وحملوه إلى مستشفى الراقي بالخرطوم للعلاج حيث بترت قدمه.. كانت صدمة صحبتني لشهور حتى بعد التحرير، فالأخ بكري مايزال في مقتبل العمر، وأبناءه لم يتجاوزوا مراحل التعليم الإبتدائية بعد، وفوق ذلك هو مكافح ومجتهد في الحياة..
* من تلك اللحظة بدأت الأحوال تسوء ساعة بعد ساعة، ويشتد الكرب وتمتليء الشوارع بالأسر وهي تسير شمالاً إلى قرية ود الماجدي التي كانت قد انتهكت أيام تسليم كيكل.. رجال ونساء وأطفال في مختلف الأعمار، ومسنين بعضهم محمول على كوارو تجرها الحمير وهؤلاء من المحظوظين لأن هنالك من وضعوهم على (درداقات).. يتبادل الأبناء في دفعها ليقطعوا مسافة تزيد عن خمسة أميال، ومع ذلك تعرض بعضهم للنهب في الطريق المحاذي لشارع الخرطوم مدني، وبعدها تحاشى الأغلبية هذا الشارع واختاروا الطريق الذي يمر بالمزارع على مقربة من النيل..!!
* عاث الجنجويد فساداً في مدينة أبوعشر.. دمروا مرافقها الحيوية ابتداءً بالمستشفى التي تعتبر من أقدم وأعرق وأكبر المستشفيات بالسودان، وأقام الجنجويدي حسن عبدالله في مساكن البعثة الصينية بزوجاته الأربعة وأحاله إلى خراب، ونهبوا كل محطات الطاقة الشمسية وعددها يفوق العشر محطات.. ودمروا محولات الكهرباء ولم ينج سوى ثلاث محولات من ٢٣ تقريباً، فقطعت الكهرباء والمياه معاً، وتشتت الأهل مابين نازح في القرى المجاورة، ومتجمعين في التكايا بمسجد وخلوة الفكي الأمين، ومنازل محمد علي (البابو) وعزالدين إبراهيم ود أبطعم وقلة قليلة صمدت في بيوتها..
* أما أنا فقد عزمت على عدم مغادرتي لمنزلي، ونصحت المقربين بأذكار الصباح والمساء لأنها تبعد الشياطين والجنجويد لافرق بينهم والشيطان الرجيم، لذلك إلتزمت بيتي وأذكار الصباح والمساء وأقضي الليل الحالك في تلاوة سورة ياسين يقيناً بأنها مانعة.. وفي الليلة الأشد توتراً ورعباً كانوا يقفزون على أسوار المنازل ويحطمون الأبواب ويسوقون البهائم، وفي تلكم الليلة بدأت قراءة سورة ياسين وحتى ساعات الفجر وصلت (٢٣) مرة، وبعدها أصبح ذلك هو الروتين اليومي.. مرة أقرأها عشرين وأحياناً تنقص وأخرى تزيد..وكان نتيجة ذلك حقاً وبفضل الله أن أغنامي (السعانين) نجت من النهب وحفظها الله باسين من عيون الجنجويد.. ومن الطرائف أننا كنا نذبح كل التي تحاول إصدار أي صوت حتى لا تلفت الأنظار للبقية.. فذبحنا منها خمسة حتى نهاية المأساة !!
* دخلوا بيتي مرتين.. المرة الأولى كانت في وضح النهار، وكانا شخصين ثملين من شباب المسيرية سألوا من صاحب البيت.. قلت لهم: أنا صاحب البيت، فجر الأجزاء ووجه إلى البندقية قائلاً: أدينا محل الخزنه.. قلت لهما: لا أملك خزنة.. فقال الأول للثاني: أديهو طلقه.. فنسي وجر الأجزاء مرة أخرى.. وراح في كل مرة يجر الأجزاء فتأكدت أن سلاحه فارغ.. وبعدها دخل أحد الذين كانوا في الإرتكاز المجاور لبيتنا وأخرجهم بعد أن أقنعهم الناس ديل ماعندهم حاجة أمشي (قودام)..!
* كانت تجربة صعبة للغاية، وفي المرة الثانية جاء أحدهم بالباب الرئيسي وسأل من صاحب البيت.. فقلت له أنا صاحب البيت.. فدخل معي في جدال محاولاً إثبات أن البيت ليس ملكي.. قلت له: من الآخر.. إنت عايز شنو؟.. قال: أدوني ورق البيت… قلت: داير تعمل بيهو شنو؟… وبعد جدال طويل سألني عن قبيلتي… قلت له: أنا نوباوي.. من وين؟.. قلت: من الدلنج.. سألني: بتعرف الحاجز؟.. فذكرت له أكثر من عشرة قرى واقعة حول الحاجز وبين الدبيبات والدلنج وسوق الحاجز… فتبسم وكأنه منطرب.. ولكنه ختمها بعبارة فتحت التفكير في اتجاهات أخرى.. قال لي: مافي نوباوي عندو بيت هنا.. وخرج بعد أن طلب منا تجهيز أوراق البيت قبل أن يعود..!!
* كنت متابعاً أخبار تحركات الجيش وتقدماته خطوة بخطوة.. ومعركة بمعركة، وعندما عمت الفوضى واختفت أجهزة الإتصال ابتكر لي الصديق عزالدين إبراهيم ود أبطعم طريقة لدخول الإنترنت من إستارلينك يتبع لقائد جنجويدي إسمه الماحي من الجنينة ويقيم بمنزل ابناء المرحوم عبدالله قسم الله.. فكان يأتيني بكلمة السر في ورقة بعد أن أدخل بيته، فأمكث ساعتين بالتمام كانت كافية بالإحاطة بكل تفاصيل العمليات، وفي المقابل أقوم بتنوير الناس من حولي وكنت أرى في ذلك الأسلوب الوحيد لرفع المعنويات المنهارة.. وقد نال الجوع من الجميع وشحبت الوجوه من السهر وانقسمت الأسر وتشتت الناس. ولم يبق في مدينة أبوعشر على سعتها إلا الجنجويد واللصوص، وبعض من المتيقنين.. يطوفون بين المجموعات الصامدة ويهربون المواد الغذائية للتجمعات داخل المدينة..!
* خلال ثلاثة أسابيع فقط دمر الجنجويد مدينتي وشردوا أهلها، وهرب كل من كانت تضم أسرته بنات إلى قرى مجاورة ولم يبق في المدينة أذان يؤذن، ولا مسجد يقيم الصلاة.. وسط خوف وهلع..!
* ثلاثة أسابيع كانت المدينة تشرب من مياه النيل والترع بينما الجثث طافية، وفي حينا كنا محظوظين بوجود سابتك تانك بمنزل الأخ والجار صديق محمد عبدالسلام أنشيء حديثاً وملأه الأخ جبريل شرف الدين بالمياه العذبة، فشربنا منه لأكثر من خمسة أيام، وبعدها كان هنالك مخزن في بيت عبدالرحيم عبدالوهاب خوجلي مليء بآلاف القوارير المعبأة بالمياه المعدنية، ففتحوه لمن بقي في المدينة وحصلنا منه على ماساعدنا لأيام.. وبعدها لم نجد سوى النيل حيث تطفو الجثث ويحسبها الناس يومياً بالعشرات..!
…… نواصل



