بمناسبة مرور عام على تحرير أبوعشر (٦)
محمد علي كان يدعو اللصوص للغنائم في أبوعشر..!
أبوعاقله أماسا
* من ألطاف الله على أهل أبوعشر أن الإشتباكات بين المليشيا في بعضهم كانت تحدث في السوق الكبير، وبعيداً عن تجمعات المواطنين وإلا لكان هنالك ضحايا كثر من الأبرياء، فهم من الجهل بالدرجة التي تجعل تعبيرهم عن الغضب يكون بالسلاح، وكثيراً ما نسمع نقاشاً حاداً بين طرفين أو أكثر تتخلله عبارات نحو: بديك طلقه والله.. أو (يازول أنا بصفيك)، ولم تكن مجرد تهديدات أو مزاح وكثيراً ما ترجمت الكلمات والعبارات بالفعل وينتهي الحدث بموت أحدهم والمدهش أن الحادثة تمر وكأن شيئاً لم يكن، ولا أرخص من روح الإنسان عندهم..!!
* إشتباكان وقعا في السوق كان أشرسهما ذو طابع عنصري بين مجموعة من الرزيقات وأخرى من الجنوبيين، وذلك بعد محاولة نهب مليشي جنوبي كان يحمل بندقية من طراز (M60) حديثة فأثارت طمع مجموعة من الرزيقات فقرروا تجريده منها، ولكن زميله أبلغ المجموعة التي كانت على مقربة من المكان وفي دقائق حدث اشتباك عنيف في السوق الكبير مات فيه عدد كبير من الطرفين، وفي ذلك اليوم مات أحد الذين أعتقد أنه كان من المغرر بهم، إسمه أحمد، من المسيرية المستوطنين في الوسط ومتزوج من المنطقة ومن جيرانا تحديداً، ويشهد الجميع على جميل خلقه وطباعه وأنه لا يحب الفوضى ولا ينتهجه مثل هؤلاء الغجر، ولكنه استنفر مع المليشيا وأصبح ضمن مجموعة الإرتكاز الذي يجاورنا، كان يمر علينا بالصباح والظهيرة وهو في طريقه إلى الإرتكاز وعندما يجدني جالساً أمام البيت يحرص على السلام ويجلس أحياناً ليتجاذب معي أطراف الحديث قبل أن يواصل سيره، رجل في بدايات الأربعينات من عمره وله من البنين والبنات وكنت أستغل الفرصة وأنازعه في بعض قناعاته هذه، وكنت أكتشف كل مرة أنه مخدوع، مثله وعشرات الآلاف من الشباب.. ولكنه كان مختلفاً في طباعه وأخلاقه يشهد له جيرانه بالإستقامة.. لا يسرق ولا يرتشي وكان مقتنعاً بأنه لا ينتمي للمليشيا إلا راغب في حياة الفوضى والسلب والنهب، وأظن أن أحداً أقنعه بمرتب مقنع وبدل عمليات وأرقام كان يتحدث عنها بحماس.
* الدليل على طيبة أحمد أنه اعتقد ذلك الإشتباك مشكلة عادية قابلة للحل فقرر أن يتدخل ويحلها بشكل ودي، وفي الوقت الذي توجه فيه نحو موقع الحدث كان القناصة الجنوبيين قد أخذوا مواقعهم في أعلى البنايات فأصابه أحدهم في مقتل.. وفي ذلك اليوم مات عدد كبير من الطرفين وأطراف أخرى وتجاوز العدد الكلي كذا وعشرين.. سحبت جثامين من لديهم أقرباء وبقيت جثامين مجهولة الهوية لساعات طويلة في السوق حتى رفعها أحد القادة وأمر المواطنين بدفنها وكانت قد بدأت بالتيبس..!
* الطريف في الأمر أن الإشتباك كان في يوم من أيام السوق، وهنالك الآلاف من المواطنين من أبوعشر وما جاورها تجار ومتسوقين، ومن أول رصاصة هرول الناس في إخلاء قسري للسوق، والمفاجأة أن عدداً كبيراً من أفراد المليشيا كانوا يهربون ويسبقون المواطنين، منهم من تخلص من سلاحه ورمى (الكدمول) في المصرف المائي الذي ينفس مشروع الجزيرة (الإسكيب)، ومنهم من ألقى سلاحه بعد أن صرخ أحدهم بأنه الجيش قد وصل واشتبك مع الإرتكاز الأول..!!
* في المرة الثانية قتل أحد القادة من نخبة الرزيقات في منطقة الري، وتمت مطاردة الجناة إلى أن وصلوا تقاطع السوق وفوجيء الناس بإشتباك في نفس المكان، وتكررت مشاهد الهروب ونزع الزي العسكري، وفي ذلك اليوم كان المشهد الممتع في الإرتكاز الذي يجاورنا، عندما سمع الناس أصوات الإشتباك وجاء أحدهم وصاح فيهم: (أبلده كبس) فما كان من المجرم أحمد صافولا إلا أن هرب وأخفى نفسه في دغل من العشر وكان مثار سخرية وتندر وشماتة لجهة أنه الأكثر إجراماً وإستبداداً وإبتزازاً للمواطنين….!
* أبوعشر مدينة صغيرة ومحدودة، وليس بها مرافق حكومية ضخمة ولا منشآت عسكرية، ويغلب على مجتمعها المزارعين والتجار، ومع ذلك نصبوا فيها ست ارتكازات، في محلج السوري، وفي منزل اللواء أسامه العوض وهو الرئيسي، وفيما بعد جاء المحتال السميح في كلية الدعوة والإعلام، وفي مدخل السوق الشمالي نصب أبوساطور إرتكاز مجموعته، وفي المدخل الجنوبي كان الإرتكاز الذي يتبع لقائد إسمه بدرالدين بينما كان الإرتكاز السادس في محطة الوقود الخاصة بالأخ/عفيفي الزين.. وكل إرتكاز تغلب عليه مجموعة قبلية محددة ويتمتع بالإستقلالية التامة عن الأخريات ولا تربطهم أية علاقات مباشرة.. وفي مرات عديدة حدثت مشاحنات بين مجموعتين وكانت أقرب للإشتباك… كنا نتمنى أن يحدث الإشتباك بينهم ولكننا نخاف أن يسقط ضحايا من الأبرياء.
* مثال لذلك.. إختلف إرتكاز المحلج السوري مع الإرتكاز الذي يجاورنا بسبب سيارة منهوبة من أحد المواطنين، وطرف المشكلة كان هو محمد علي الذي ذكرته في إحدى الحلقات السابقة وهو في حد ذاته حكاية تستحق حلقة كاملة لوحده، وفي تلك المشكلة كان قد إحتال على مجموعة المحلج واستعاد منهم السيارة على أساس أنها ملك لمواطن عادي ويريد أن يعيدها له، ولكنهم إكتشفوا المكيدة وداهموا الإرتكاز ذات يوم ووضعوهم أمام خيارين لا ثالث لهما… إما ترجع السيارة لناهبها الأول.. أو يصفوا كل مجموعة محمد علي.. وخلال خمسة أيام بدأت التهديدات في التصاعد حتى فكرنا في الخروج من منازلنا والنزوح إلى داخل المدينة، وأخيراً تدخل قائد إرتكاز منزل اللواء أسامه العوض وعبر لقاءات واجتماعات ومشاورات إتفقوا على التعويض النالي ونجحوا في إحتواء المشكلة..!!
* أما محمد علي هذا فهو من علية رزيقات الجنينة، من أبناء عمومة محمد مختار النور، مستشار قائد المليشيا، وكان شقيقه قد قتل داخل سوق أبوعشر في حادثة كادت أن تكون سبباً في انتهاك المدينة في الشهور الأولى من الإحتلال، بعد أن بذل المجرم أحمد صافولا مجهوده لإقناع أولياء الدم بأن القتلة من أبوعشر وقد كان يرغب في نهب ماتبقى من سيارات، ولكن من لطف الله على أبوعشر أن شقيق القتيل إكتشف أن القتلة نهبوا سيارة أخيه ودخلوا بها أم درمان عن طريق غرب جبل أولياء، وذلك من خلال أحد مواطنيهم وكان خارجاً من أم درمان متوجهاً إلى مدني وأبلغ أنه لمح محمد زين (إسم القتيل) بسيارته في مدخل الصالحة وحاول تنبيهه ولكنه لم يستجب.. وقتها عرف المجرم محمد علي أن من قتلوا شقيقه فعلوا ذلك من أجل الطمع في ماله وما كان يحمله على سبارته من وقود ومال يزيد عن عشرة ملايين.. فذهب إلى هناك مقتفياً الأثر حتى قبض على الجناة بعد أن نجحوا في تغيير طلاء السيارة لإخفاء معالم الجريمة.. بعدها تنفسنا الصعداء.. وقد شارك المواطنون بحسن نية في تشييع محمد زين لدرجة أنه خاطبهم قائلاً: ناس البلد دي ستروا أخوي…عشان كده أنا تاني ما برضى فيهم، والزول الجايي يدخلها إلا علي أجسادنا، ولكن محمد علي نفسه كان وراء معاناة أهل المدينة، وقد رأيته بأم عيني وهو يقف على شارع مدني يدعو الشفشافة لدخول المدينة قائلاً: يا ناس.. الحلة دي إنقدت أنزلوا عليها غنموا)..!!
* محمد علي هذا، كان أنشط القادة الذين مروا على أبوعشر في نهب ممتلكات المواطنين، بدأها بمخازن ومزارع الوقف الخاص بخلوة الفكي الأمين، ثم بمخازن الحصاحيصا، ومخازن تمبول والهلالية وود الماجدي وأم دقرسي وكل القرى المجاورة بعد تسليم كيكل، وكان أكثرهم حماساً لدخول قرية سليم التي استعصت على المليشيا بعد أن عرف أن أهلها أثرياء وفيها مافيها من غنائم.. حتى زوجته زهراء التي سكنت في بيت أباذر محمود كانت (شفشافية) بإمتياز، تتحرك كل فترة إلى الخرطوم بدفار جامبو وتشحن فيه من عفش المواطنين وممتلكاتهم من أثاثات وأواني منزلية وتعود لتبيعها وقد أسرت للبعض أنها حجزت ثلاث عمارات بالمعمورة وفي كل مرة تفرغ شقة من الشقق.. ومحمد علي نفسه هو الذي نهب وابور تراكتور خاص بالأخ جادالله ناصر، وعاد هو وإبنه الذي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره لينهبوا مخازنه قبل التحرير بأيام، بعد أن حطموا أبواب بيته.. وأطلق ولده أربع رصاصات على كلب حراسة من سلالة نادرة فأرداه.. تخيلوا… هذا الطفل عمره ١٢ عاماً فقط.. وكذلك نهب المخازن التابعة لأبناء علاء الدين حسن عمر وبكري..
* إن استطاعت أبوعشر أن تنسى كل الوجوه التي مرت عليها من هؤلاء المجرمين فإنها لن تنسى وجه محمد علي وما فعله فيها.. وكذلك أحمد صافولا وحبيب وأبوساطور والسميح، ونحن نكتب كل هذا حتى يقرأ من يعتقد أن هذه الحرب من أجل العدالة والديمقراطية..!!
* من خلال عام كامل وثلاثة أشهر قضتها المليشيا بمدينتنا مات منهم أكثر من مائة عنصر في إشتباكات واعتداءات على بعضهم البعض، فهم ينهبون الضعيف منهم ولا يترددون في إزهاق الروح من أجل مكسب رخيص، وحتى في لحظات الهلع والهروب كانوا ينهبون زملاءهم من المنفردين الذين تاهوا من مجموعاتهم..
… نواصل ….
في المرة القادمة نكتب عن حسن أبوشلخه



