صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

عن حبيبتي بقول لكم

0

صابنها
​محمد عبد الماجد

عن حبيبتي بقول لكم

​الفروقات بين الهلال والمريخ كبيرة، للحد الذي يجعلنا نقول إنها لا تقبل المقارنة؛ فالهلال يصنع الحدث كما يقول الحبيب بابكر مختار أينما يكون. فعلها الهلال في موريتانيا، وفعلها في رواندا، وها هو يفعلها بعودته في السودان.
​الأمر ليس مجرد بطولات وكؤوس يفوز بها، الأمر أكبر من ذلك والرسالة أعظم. قدم الهلال رسالة عظيمة في عودته، رتب للأمر بصورة (وطنية) خالصة، ولا عجب في ذلك فهو نادي الحركة الوطنية. هي ليست مجرد (كرة قدم)، هي أكبر من ذلك، هي جينات وراثية، هي أشياء لا تُشترى، أشياء في عصب التكوين، وفي خلايا النشأة، ورثناها من عصبة المؤسسين الأوائل ومن نفر كريم من الخريجين العظماء، هي فكرة.. وليست مجرد ادعاء أو بهرجة فارغة أو ادعاء إعلامي.
​عاد الهلال بطائرة خاصة، وهذا تعظيم لشعائر العودة، ولكن من يفهم ذلك؟ وألبس الهلال لاعبيه وأعضاء الفرقة الفنية والإدارية والطبية قمصاناً تشير إلى الرجعة وتبشر بها، وهذا أفضل محفز للعودة الطوعية.
ثم كانت رسالة الهلال العظيمة بزيارة بعثته بعد الوصول مباشرة إلى استاد الهلال؛ أهل المريخ يحتاجون إلى ألف سنة للوصول إلى هذا الفهم. بربكم من صاحب فكرة زيارة استاد الهلال بعد الوصول للوطن؟ هذه رسالة عظيمة، واستاد الهلال عند لاعبي الهلال وعند جمهوره أيضاً (وطن)، ولا تكتمل العودة إلا بعد العودة إلى البيت، واستاد الهلال هو بيت العائلة الهلالية الكبيرة التي يمثلها الشعب السوداني.
​رمزية استاد الهلال لها دلالات جميلة، ومعانٍ عظيمة… حالة الجوهرة الزرقاء وما أصابها أمر طبيعي مع هذه الحرب؛ فقد قصد الهلال أن يقدم صورة حقيقية للواقع وأن يكشف عورات الحرب.. الأمر ليس فيه إهمال بقدر ما هو رفض لأن نتجمّلَ كذباً.
هذا هو حال السودان بعد الحرب، علينا أن ندرك ونعرف حجم المأساة وأن نتعامل مع الواقع كما هو، وليس كما نريد أو كما نحلم.
نعم، إن المسافة بين الهلال والمريخ كبيرة، وأظن أن زيارة استاد الهلال من قبل بعثة الهلال بعد العودة تثبت ذلك؛ فقد اختصر الهلال على جهازه الفني ولاعبيه كل شيء في زيارة الاستاد، هو قصد أن يقول لأعضاء الجهاز الفني واللاعبين إن البعثة في مهمة وطنية، حتى لا يشكو أحدٌ بعد ذلك من سوء الأوضاع أو من عدم صلاحية الملاعب، لقد عاد الهلال من أجل الإصلاح ومن أجل السلام، فكانت عودة الهلال هي الانتصار الحقيقي على الحرب.
​أدركت بعثة الهلال أنها في مهمة وطنية، هم لم يعودوا فقط من أجل المشاركة في الدوري السوداني، هم عادوا بهدف أسمى من ذلك وغاية أعظم، الدوري وسيلة وليس غاية.
دعوني أحدثكم عن الهلال على طريقة الراحل سعد الدين إبراهيم.
​الشاعر والإعلامي أستاذنا سعد الدين إبراهيم -رحمة الله عليه- كان هو الشاعر الوحيد، أو ربما هو الشخص الوحيد في السودان الذي امتلك شجاعة الإعلان عن حبيبته، (عن حبيبتي بقول لكم)؛ فهذا أمر في السودان (سري للغاية)، و(ممنوع الاقتراب والتصوير)، و(ما بقدر أقول وما بقدر أصرح).. وفي السودان حتى عندما تصبح الحبيبة هي الزوجة وأم الأولاد وشريكة العمر والحياة، يسجلونها في تلفوناتهم باسم غريب أو رمز مبهم.
​الزوجة في الهاتف تُسجل باسم (الحكومة)، أو (س) أو (ص)، ولا أعرف هل هذا تقدير وتقديس لها أم تقليل وهروب منها؟ وفي الشارع العام (السوداني) يمشي مع زوجته بعد أن يترك بينها وبينه مسافة، كأنه يقصد بتلك المسافة أن يكون بينهما (محرم). وفي أحاديثنا وكتاباتنا يمكن أن تتحدث وتكتب عن أي شيء، إلا الحبيبة أو الزوجة، عندنا الموضوع “دا عيب عديل”. وعندما تأتيك مكالمة من الزوجة وأنت في جلسة، قبل أن ترد عليها تقوم من بين الجماعة وتقف بعيداً، وكأنك تستقبل أمراً قضائياً.
​الإعلان عن الحبيبة في السودان ممنوع، لذلك قال الراحل سيف الدين الدسوقي: “أحببتك حين الحب بأرضك غير مباح.. ممنوع بالقانون.. ممنوع يا سمراء لأن الحب هنالك همس وجنون”، والشاعر الجميل حسن السر قال: “بخاف أسأل عليك الناس سر الريدة بينا يذيع”، وذهب المرهف إسحاق الحلنقي إلى أبعد من ذلك عندما دس حبه حتى عن حبيبته: “بخاف شوق العمر كله يفاجأك يوم في عينيا”.
​سعد الدين إبراهيم لم يكتفِ فقط بالإعلان عن حبيبته، وإنما طالب الناس أن يصفقوا لها، وهذا تعدٍّ واضح في الغرام، أن أطلب من الناس أن يصفقوا لمن أحب.. (عن حبيبتي بقول لكم يلا صفقوا كلكم). وأنا اليوم أطالب بـ”الصفقة” للإنجاز الذي تحقق بفوز الهلال بالدوري الرواندي.
​هذا إنجاز تكتب عنه كما تكتب عن (الحبيبة)، إنجاز فيه خوف وشوق ولهفة وحاجات ثانية “حامياني”. إنجاز فيه صور وشعر وجوابات غرامية: “نَظرَةٌ فَابتِسامَةٌ فَسَلامٌ… فَكَلامٌ فَمَوعِدٌ فَلِقاءُ”. لقد عشنا في إنجاز الهلال بالفوز بالدوري الرواندي كل هذه التفاصيل؛ حتى رجفة أول لقاء، وفرحة “قولة الخير”، و”كبكبة” يوم الخطوبة، ولحظة العقد، وليلة الزفاف. كل هذه المواقف عشناها على امتداد مباريات الدوري الرواندي.
​لم نكن نراقب ونتابع مباريات الهلال فقط، كنا ملزمين بمتابعة حتى مباريات المنافسين، فعلنا ذلك في شوق وخوف وتوجس. عشنا الهمسة، والفرحة، والرجفة في الدوري الرواندي، وهو أمر كنا قد عايشناه في الدوري الموريتاني الموسم السابق، لكن هذا الموسم كان خوفنا أكبر، كنا نخشى أن نفشل فيما حققناه في الموسم الماضي.
​في الموسم الماضي لم نكن نحلم بالفوز بالدوري الموريتاني، أتينا من أجل المشاركة، وكان الفوز بدوري أنت غريب فيه أو ضيف أمراً صعباً، لكن في النهاية وجدنا أن الهلال قد فاز بالدوري. الهلال دائماً يفعل أشياء تبدو من الوهلة الأولى غير ممكنة، أو تبدو هي المستحيل نفسه. لكن في هذا الموسم أتينا للدوري الرواندي ونحن نقصد لقبه، أردنا أن نقول إن ما تحقق في موريتانيا لم يكن صدفة.
​قاتلنا في الدوري الرواندي في ظروف صعبة جداً، لعب الهلال كثيراً من مبارياته وهو يفقد (17) لاعباً، البرمجة في بعض المباريات كانت ضاغطة، لعب الهلال كل 72 ساعة مباراة في ولايات مختلفة. شارك الهلال في الدوري الرواندي بعد الجولة الثامنة، وكان فريق “البوليس” يتصدر وقتها بدون خسارة، وجاء “الجيش” وحقق أرقاماً جيدة ولم يقبل الخسارة، حتى المريخ حقق الفوز في سبع مباريات متتالية ولم يقبل الخسارة في (22) مباراة. الأمور كانت صعبة، لكن الهلال تغلب على كل الظروف وفاز بالدوري الرواندي وهو يلعب في دوري أبطال إفريقيا، ويلعب في الدوري السوداني، ويشارك معظم عناصره مع منتخبات بلادهم، كل ذلك كان يحدث في وقت واحد.
​كنت أظن أن المريخ سوف يكون أحرص للفوز بالدوري الرواندي، حتى يعادل إنجاز الهلال الذي حققه بالفوز بالدوري الموريتاني، فهذا إنجاز كان على المريخ ألا يترك الهلال ينفرد به، كنت أحسب أن ذلك لوحده يمكن أن يجعل دوافع المريخ أكبر، خاصة أن المريخ كان حتى قبل الإعلان عن المشاركة في الدوري الرواندي يعسكر في كيغالي، وكانت معرفة المريخ بالدوري الرواندي أكبر، فهو قد تعاقد مع المدرب الصربي (داركو) الذي كان مدرباً لفريق الجيش، وكان قد فاز بالدوري معه.
​كل الظروف كانت في صالح المريخ، لا سيما وأن المريخ خرج من البطولة الإفريقية مبكراً ولم يكن أمامه شيء غير الدوري الرواندي، حتى لاعبي المريخ كان تواجدهم في منتخبات بلادهم قليلاً جداً.. المريخ لم يكن يعانِ من التعب والإرهاق.. كان الدوري الرواندي عنده هو كل شيء، وكان عليه أن يتعامل في الدوري الرواندي من أجل الفوز به بمفهوم (البحر خلفي والعدو أمامي)، وقد كان الهلال بالنسبة للمريخ هو البحر وهو العدو أيضاً، هكذا أصبح الهلال يشكل هاجساً للمريخ، في كل أرض وفي أي دوري.
​مع ذلك وللمعطيات التي ذكرنا بعضها، كنت أدرك صعوبة الفوز بالدوري الرواندي وتكرار إنجاز يجعل الهلال هو الفريق الوحيد في العالم الذي فاز بثلاثة دوريات مختلفة. هذا لوحده كان يجب أن يجعل المريخ يجتهد من أجل أن يفسد للهلال إنجازاً لم يحققه في العالم فريق غير الهلال.
​كنت أحسب أن كرة القدم لم تنصف الهلال، وكنت أرى أنها ظلمت الهلال كثيراً، لكن أقول الآن إن كرة القدم قد منحت الهلال الكثير؛ فقد منحتنا بطولات لم يحققها غير الهلال. نحن نحب مثل هذا التميز، ونعشق أو نموت من أجل أن نضع الهلال في مكانة لا يطولها غيره. لقد ميزت كرة القدم الهلال عندما جعلته الفريق الوحيد في العالم الذي حقق الفوز بلقب ثلاث دوريات مختلفة في ثلاث دول مختلفة. إنه بطل كؤوس الدوريات المحمولة جواً، “عَلَى رَأي” الدكتور علي عصام، صاحب هذا الهاشتاق. هو الهلال وحده الذي تميز بذلك، هذا أمر لا يشاركنا فيه أعظم أندية العالم، إنه تاريخ فقط يسطره الهلال.
​الأكيد أن أندية كثيرة إذا أتيحت لها الفرصة التي أتيحت للهلال ستحقق ما حققه الهلال، مثلاً ريال مدريد وبرشلونة ومانشستر سيتي وأرسنال، الكثير من الأندية قادرة على الفوز بدوريات أخرى خاصة إذا شاركت في دوريات أقل من دورياتها، ولكن كل تلك الأندية لا تملك الظروف التي جعلت الهلال يشارك في تلك الدوريات. أنت لا تستطيع أن تصنع ظروفك، هذه أمور خارج السيطرة، هي أقدار ربانية، لذلك نقول إن ما حققه الهلال لا يملك أي فريق في العالم أن يحققه.
​الصفقة واجبة، (وعن حبيبتي بقول لكم يلا صفقوا كلكم). إننا مع كل الأوقات الصعبة التي عشناها في هذه الحرب، ومع كل الجراحات والأحزان، ها نحن بفضل الهلال نعيش لحظات سعيدة جداً، بل نعيش أوقاتاً ترفل في السعادة وتحلق بنا في سماوات بعيدة. حقاً إننا نعيش أجمل اللحظات، نتمنى أن تستمر هذه السعادة وأن تبقى الأفراح، وأن نحقق الدوري السوداني ونفوز به لتستمر الأفراح وتدوم. اللهم اجعلها فرحة دائمة، وسلامة مستمرة، وانتصارات متواصلة، وبطولات تزيد يوماً بعد يوم.
​لقد حدثني سعد الدين إبراهيم عن حبيبته في الأغنية التي قدمها أبو عركي البخيت، وكانت تحمل اسم (حكاية عن حبيبتي). كتب سعد الدين إبراهيم هذه الأغنية التي تعتبر فتحاً جديداً وأسلوباً مختلفاً في الطرح الغنائي السوداني، ومنحها للفنان أبو عركي البخيت الذي جاء هو الآخر بأسلوب جديد، بل غريب على الأغنية السودانية.
​استلم أبو عركي البخيت نص الأغنية ووضعه في جيب بدلته، ولم يتذكر الأمر وانشغل عنه، وسافر أبو عركي البخيت إلى لبنان وهنالك أدخل يده في جيب بدلته فوجد النص الذي كان لا يذكر أين وضعه. أعجب أبو عركي البخيت بالكلمات وتحمس لها، ووضع للكلمات لحناً، نقول نحن عندما نسمعه إنه لحن (عجيب)، لا تملك وصفاً له أكثر من ذلك… الأغنية على ما أعتقد لحنها أبو عركي في لبنان، بعد أن أدهشه النص فوضع له اللحن المناسب.
​أغنية (حكاية عن حبيبتي) هي من أقرب أغنيات أبو عركي البخيت لنفسه، وذلك لأن أبو عركي البخيت قدم هذه الأغنية بعد رحيل والدته، وشعر أن الأغنية تحكي عن والدته؛ فالحبيبة ليس بالضرورة أن تكون هي الحبيبة بالصورة التقليدية التي نحملها عنها.. الحبيبة يمكن أن تكون الوطن، ويمكن أن تكون الأم وهي أعلى من ذلك بالتأكيد، ويمكن أن تكون الحبيبة هي البطولة، ويمكن أن تكون استاد الهلال.
​أبو عركي البخيت كان يجد أمه في هذا المقطع (ساوّاه ليكم.. بإيديه شاي). وأبو عركي دائماً يغني لمضامين بعيدة. قلت لكم من قبل، مثلما كتبت لكم قبل ذلك: (عن حبيبتي بقول لكم) إن الهلال مثل الضيف الذي قال عنه الفنان كمال ترباس: “جنه وجن الضيف البكون معزوم ويقوم يقلب السمكة”. الهلال قلب السمكة في موريتانيا.. فريق ضيف أو لاجئ ويفوز بالدوري، ثم جاء الهلال في رواندا فقلب السمكة وقلب الصينية ذاتها.
​الهلال لعب في الدوري الموريتاني وبطله المعتاد والطبيعي هو نواذيبو الشقيق، الهلال كسر هذه القاعدة وفاز بالدوري.
في رواندا سيطر الجيش على الدوري الرواندي حتى جاء الهلال وأحدث انقلاباً على الجيش؛ نعم إن ما حدث في كيغالي هو انقلاب على الجيش، فقد فاز الهلال بالدوري وهو يشارك في الدوري ضيفاً.
​كل شيء يبدو جميلاً، على الهلال أن يسير على هذا النهج ويحقق الدوري السوداني. نتمنى للهلال التوفيق ونسأل الله سبحانه وتعالى السداد.

​متاريس
الحقيقة أننا وجدنا كل الحب والتقدير في موريتانيا ورواندا.
بعد عودة استاد الهلال للخدمة أتمنى تنظيم دورة في استاد الهلال تجمع بين نواذيبو والجمارك من موريتانيا، والجيش ورايون سبورت من رواندا، إلى جانب تقديم الدعوة لأندية أخرى مثل سيمبا أو يانغ أفريكانز، ومازيمبي، وبترو أتلتيكو، والجاموس من جنوب السودان.
​كل حاجة تمام.. فقط تبقى الفوز بالدوري السوداني.
نقول يا رب.
….
​ترس أخير: قفل على كدا.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد