الموت عندما يكون مثل نصل الخنجر المسموم

0
193

القراية ام دق
محمد عبدالماجد
الموت عندما يكون مثل نصل الخنجر المسموم

(1)
ونحن أطفال كان بيننا وبين (الموت) وحشة كبيرة – لا نأكل ولا نشرب في البيت الذي (مات) فيه احد – ولا نمشى في الشارع الذي يكون فيه بيت او عزاء (ميت) ، نتحاشاه لعام او بعض عام.
وقتها كان للموت رائحة غريبة تزكم (القلوب) قبل (الانوف).
كنا اذا رأينا صدفة (جنازة) او نعشاً متحركاً، كان ذلك كفيلاً بأن يجعل النوم يطير من عيوننا ، لنظل ليلتنا كلها بين الهلاويس والكوابيس.
من بعد اصبح بيننا وبين (الموت) إلفة بعد ان دخل بيتونا، وحرمنا من اعز الناس واقربهم لنا مودة رحمة الـله عليهم جميعاً.
لكن الآن احس بوحشة الموت وغربته التى كنا نشعر بها ونحن صغار – اشعر بذلك وخبر رحيل الزميل الصحفي المترجم أنس فضل المولى يفرم أحشائي ويحرّق جوارحي وتغلي حواسي غليان ماء في قدر على منقاد الجمر.
كم هي فواجع حوادث المرور والتي صدمتنا في الفترة الاخيرة برحيل العاقب وهو في طريق عودته من السعودية ورحيل الصحفي عبدالمنعم مختار في طريقه للخرطوم من قرية السريحة بالجزيرة ، ليكتمل الوجع وتتسع الفاجعة برحيل الزميل أنس فضل المولى في حادث حركة في شارع العيلفون.

ولا نملك إلّا نقول بعد كل هذه الفواجع إلّا ما يرضي الـله… ولا حولا ولا قوة إلّا بالـله.
(2)
دخل علينا في صحيفة (الأحداث) بقميص (كاروهات) ذي أكمام طويلة ، و(ابتسامة)، كنا نحسبها من حسن البدايات، لنكتشف فيه ثباتها، فقد تبدّلت كل الاشياء وتغيّرت وتكدّرت إلّا ابتسامته التي ظل محتفظاً بها، يقدمها لكل الناس في ثناء وحمد، وشيء من البساطة والتلقائية والعفو الجميل.
أتذكره الآن بحقيبة على كتفه، وقاموس ضخم يحمله على يديه و(شغب) يكسر به جمود كل الاشياء – و(شقاوة) يدخل بها على كل القلوب.
جاء للأحداث وهو خريج للتو من جامعة الخرطوم يحمل كل الطموح، يتدفق إشراقاً وحياة وعلم، يتحدث برفق ، ويترجم برفق – لم نكن عندها نحسب (المترجمين) للغة الانجليزية بهذا اللطف، كنا نحمل عنهم بعض ظنون الكبر والغرور.

كان لا يدخل حتى كلمة انجليزية واحدة في حديثه وونسته مع الناس – حتى لا يضرب بينهم وبينه فوارق، او حتى لا يعتبر منه ذلك من نرجسية اللغة الانجليزية التي كان يجيدها كتابة وحديثاً.
ظل على عهده هذا بسيطاً وباشاً، رغم نشاطه الكبير في الصحف والمجلات ،ومع انه كان يستعان به في السفارات والاذاعات والفضائيات والوكالات كمترجم لا يشق له غبار – بقي على عهد طلته الاولى بنفس (الابتسامة) التي اراهن انه ظل متمسكاً بها حتى وهو يغادر هذه الدنيا ويقبر.
ذلك كان أنس فضل المولى الذي رحل عن دنيانا امس الاول جراء حادث حركة على طريق العيلفون ليأتي خبر وفاته – كنصل الخنجر المسموم، لأصدم بهذا الخبر (المسموم) الذي سوف يبقى على مرارته على حلوقنا الى ان نلحق به في الدار الآخرة.
(3)
قابلته في الفترة الأخيرة في ميدان الاعتصام قبل 11 ابريل امام القيادة العامة برفقة شقيقه – وهو بكل الاشراق والنور والانطلاق – كان ينضح بالنضال – يبدو وهو في ميدان الاعتصام مثل الطفل الذي يحرس لبسته الجديدة. كان سعيداً بهذا الحراك ، دون ان يشعرك بجهده فيه.
كان يضحك – لا يتخلى عن ابتسامته حتى وسط الرصاص والبمبان.
قابلته بعد ذلك بعد سقوط النظام برفقة الزميل خالد الفكي– يتحدث باللطف الذي عرفناه فيه– يؤانسك برفق– استحلفته ان اشرب معه (الشاي) مرتين في جلسة واحدة بنقابة الاطباء بشارع النيل من فرط (أنسه) هذا – لم اكن اعرف ان هذا كان منه من حسن الوداع وهو يبذر (ابتسامته) في كل المواقع حتى لا تكاد ان تتخيله بدونها.
لو كنت اعرف ان هذا كان هو اللقاء الاخير بيننا، لاستحلفته ان اشرب معه ألف كباية شاي.
توارى عن نظري بعد أن ترك (ابتسامته) تشغل كل المكان (أنساً) وإلفة.
(4)
أنس فضل المولى ذلك الذي عرفناه لم يكن يصلح لهذا الزمان الذي كان يغالب كدره وضيقه بابتسامته المشرقة.
كان محباً للناس يسعد لنجاحاتهم ويحدثك دائماً عن اشراقات الزملاء ، دون ان يتوقف عند اخفاقاتهم– كان لا يلوم أحداً– كلهم عنده كانوا في منزلة واحدة من الحب والأمان والأمنيات الصادقة لهم.

خطواته كانت واضحة أنها تمضى على عجل، كأنه كان يدرك بسرعة رحيله من هذه الدنيا، لهذا أكمل دورته في الحياة بنجاح تام في زمن قياسي – تنقل فيها بين الصحف والاذاعات والفضائيات وترحل بين المطارات وعمل في إحدى السفارات الخارجية ، يدفعه لذلك طموحه الكبير ونبوغه الواضح.
ليرحل عنّا الى دار الخلود بنفس السرعة التي كانت في خطواته – ونحن نثق ان ابتسامته تلك سوف تكون جواز مروره الى جنات عدن، نسأل الـله ذلك، ولا يجبر صبرنا إلّا ان دار البقاء والخلود سوف تكون ارحم وافضل له، وان الـله سبحانه وتعالى وحده الذي يقدر ان يجازي عمله ويكافئ صنيعه ويعوضه شبابه واهله واصحابه .
(5)
بِغم /
قبل أنس فضل المولى رحل وليد النقر الذي عرف أن يجعل من مرض (السرطان) صديقاً له، ليكون بعد وحشيته مرضاً (اليفاً) ، مع ذلك غدر به، بعد كل ما اعطى له من حب.
الرحمة والمغفرة لأنس ووليد. ولا حول ولا قوة إلّا بالـله.

المشاركة

أكتب رد

أدخل تعليقك من فضلك!
أدخل إسمك هنا من فضلك