صابنها
محمد عبد الماجد
الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»
أحد التعليقات الجميلة التي وصلتنا عن المادة التي كتبتها تحت عنوان «نادي الهلال.. التربية قبل الرياضة»، كان هذا التعليق الذي أعتز به وأقف عنده، ويلزمني احتراماً للمعلم أن أعود وأكتب عن (المعلم). وهنا أشير إلى أننا بعض الأمور لا نكتب عنها؛ لأننا دون ذلك، أو لأننا لا نملك فيها المعلومات الكافية أو الصادقة التي تؤهلنا للكتابة عنها، ولكن هذا لا يعفينا أن نكتب ما يتيسر لنا.
كان التعليق على هذا النحو: (الأخ الكريم محمد عبد الماجد، متعك الله بالصحة والعافية. بحكم إنني معلم وأشجع نادي الهلال للتربية و”أحمق عديل” في المساس بالهلال؛ عزيزي أنت ذكرت كل صنوف المجتمع السوداني الذين شجعوا بل شاركوا في تأسيس نادي الهلال، ولم تذكر وزارة التربية والتعليم في هذا الشرف الرفيع، وبما أنني معلم وهلالابي “لي قد القدح” يمكن أن أجزم أنه أكثر من ٩٠٪ من المعلمين يشجعون الهلال، فكل الذين ذكرتهم أتوا من لحم أكتاف المعلم. أخيراً أقترح تغيير الترجمة وإضافة الحرف E. لك شكري وآسف جداً للإزعاج. وأنا من أكثر المعجبين بكتاباتك الرائعة وأرى نفسي فيها كمعلم في أقصى شرق السودان بجبال التاكا. دمت في خدمة سيد البلد).
أ/ طه النور – ٦٠ عاماً
لا أخفي أنني أحسست بالفخر بهذا التعليق، فأن يكون 90% من المعلمين “هلالاب” فهذا لا يزيد الهلال إلا جمالاً، وأتفق مع الأستاذ الفاضل طه النور في هذه النسبة، ومن بعدُ لا أنكر تقصيري، وتكفيراً عن ذلك أكتب توضيحاً للأستاذ طه النور، ولمعزتي له لأنه (معلم) ولأنه من شرقنا الحبيب. وأنا من مواليد الشرق، لذلك كل ما هو شرقي أشعر بالانتماء له؛ (صرتي) مدفونة هنالك في منطقة جبلية، والإنسان في العادة دائماً يُجذب لمسقط رأسه، ومن يولدون في شرقنا الحبيب أقول حق لهم أن يقولوا (مرفع رأسنا)، وليس (مسقط رأسنا)… وكل ما هو شرقاوي جميل، وكل ما هو شرقاوي هو رفيع.
يعجبنا في أهل الشرق الذكاء، فهم أذكياء بالفطرة، لذلك المبدع منهم دائماً يكون أكثر إدهاشاً. طبعاً أي منطقة في السودان يتمتع أهلها بصفات خاصة، وكلهم فيهم شيء لله.
لا أحد يمكن أن ينكر دور (المعلم) في حياتنا، وهم أصحاب رسالة عظيمة، وأعتقد أن المعلم والطبيب مهنتان في المقام الأول ترتكزان على الإنسانية؛ الطبيب ربما تنصفه الظروف لأن وضعه الاقتصادي أفضل، أما المعلم فهو مع معاناته يظل جسراً من أجل أن يعبر غيره إلى درجات أرفع، والمعلم دائماً يحب أن يرى تلميذه أعلى منه، لا أقول أفضل، ولكن أقول أعلى منه في السلم الوظيفي والاجتماعي أيضاً.
الأب دائماً يحب أن يرى ابنه أفضل منه، والمعلم كذلك يعمل من أجل أن يرى تلميذه أفضل منه… لذلك فإن المعلم يلتقي مع الرسل في رسالتهم العظيمة، ويقال إن المعلم رسول، ومعلم البشرية الأول هو سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- مع مراعاة الفروقات، ويلتقي المعلم مع الأب حتى في عاطفته لابنه.
والدي كان هو معلمي الأول، أنا لا أذكر أني سمعت فعل أمر من والدي ،ولم أسمعه منه (لا) الناهية إلا في «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فقد كانت أوامره ونواهيه تصلنا من غير لغة. كان والدي شرهاً في التدخين، وأنا طفل عمري سبع سنوات، أذكر أنه كان يمنحني (سيجارة)، ويقول لي: “امشي ولعها وتعال”. وكنت أجد مشقة في ذلك، وكانت النار لا تمسك في السيجارة إلا إذا أخذت منها “نفساً”، لذلك كنت أتلفت يمنة ويسرة وأجر منها نفساً فتتقد السيجارة وأذهب بها فرحاً إلى والدي، وكان والدي عندما يجدها مولعة، يزجرني معاتباً ويقول لي: “جريت منها نفس ليه؟” وكنت أستغرب وأندهش وأقول في نفسي: كيف عرف ذلك؟
وظل الوضع على ما هو عليه كلما أتيت بالسيجارة مولعة، أُزجر وأُعاتب، إلى أن تخليت عن جر النفس من السيجارة، لذلك أصبحت آتي بها إليه مطفأة، عليها آثار النار لكن “ميتة”، كان يسعد لذلك ويقول لي: “أنت كدا صح”. أبي عندما كان يرسلني لكي أشعل سيجارته، لم يكن يقصد إشعال السيجارة، كان يقصد شيئاً آخر، فقد اكتشفت أن “الكبريتة” أحياناً تكون في جيبه ويرسلني لكي أوقد سيجارته.. اكتشفت ذلك بعد أن كبرت وفهمت الدرس.
والخلاصة أني تعلمت من هذا الموقف ألا أشرب السجائر، وحتى عمري هذا لم أشرب سيجارة. أما الأمر الثاني فقد تعلمت أن الإنسان إذا لم يكن أميناً في خلوته، فلا حاجة لنا بأمانته وهو بين الناس؛ حقيقة الإنسان تُعرف في السر، ولا تُعرف في الجهر. كان أبي يقصد أن يحصن خلوتي من شراب السجائر، وكل الذين تعلموا شراب السجائر، تعلموها في خلوة، لذلك حصن أبي خلوتي.
وإذا كان والدي هو معلمي الأول فإن أمي هي مدرستي الحقيقية في الحياة، جرى بين كل الأمهات أن “الحلة بصلة”، حسب التعريف الشعبي لقيمة البصل، لكن أمي كانت “الحلة” عندها (حكمة)، حلتها كانت (حنان). نحن بدون أمهاتنا، وجدنا أنفسنا مثل الشخص الراكب قطاراً بدون تذكرة. أسمع عن مريض في العناية المركزة يقولون لك: “قلبه توقف خمس دقائق ورجع اشتغل تاني”، هذا كلام أصبحت أسمعه كثيراً ولا أدري مدى صحته، لكن الذي أعرفه جيداً أن قلوبنا بعد رحيل أمهاتنا توقفت، ولكن ما زلنا عائشين.
لذا ليس فينا من ينكر أو يجهل قيمة المعلم إلا سهواً، وغير ذلك فأنا من أسرة فيها الأخ (المعلم)، والأخت (الأستاذة)، وربما لو ارتفع قدري لتمنيت أن أكون معلماً، ولكني أنا دون ذلك الشرف، فالذين يحترقون (شموعاً)، نحن لا نبلغ مقام احتراقهم هذا، والاحتراق عند الصوفية شيء من السمو والارتفاع.
كنت كتبت في (فاطي سطر)، وتجاوزت فيه المعلم عندما كتبت: «الهلال هو نادي الحركة الوطنية، والحركة الثقافية والفنية.. لعب في صفوفه الفنان كرومة، والشاعر السر دوليب، والصحفي هاشم ضيف الله، والسفير الدكتور علي قارقارين، والطبيب محمد حسين كسلا، والقنصل عثمان الجلال، والضابط في الجيش أمين زكي، والضابط في الشرطة فوزي التعايشي. وشجعه الأزهري، والصادق المهدي، وأحمد المصطفى، وعثمان حسين، ومحمد وردي، وصلاح بن البادية، ومحمد ميرغني، وعثمان مصطفى، والسني الضو، وعبد العظيم حركة… إلخ..». والحقيقة كما قال الأستاذ طه النور أن كل هؤلاء وصلوا إلى ما هم فيه بفضل المعلم، وهذه من تضحيات المعلم الأخرى، أن يصل عبره الناس إلى أرفع المقامات والمراكز والوظائف وهو في مكانه، رغم أن الوصول إلى القمة يمر من خلاله.
وأقول للتوضيح إنني فات عليّ أن أذكر أيضاً المهندس أحمد آدم حارس الهلال الدولي، والهندسة لها نصيب في الهلال، وأكيد هنالك أسماء أخرى في مجالات كثيرة مثل حاتم معنى وكرار أبوعلي وبكري عبدالجليل، والرشيد المهدية، ود. عمر النقي، لا أملك قدرة ولا طاقة لعرض كل الأسماء، غير أنه من باب الإنصاف وجب عليّ أن أقول إن لاعب الهلال السابق هاشم ضيف الله -والذي كان صحفياً معروفاً- كان في الأصل (معلماً)، ولعلي ذكرت قبل ذلك أن الشاعر والصحافي الكبير فضل الله محمد قال لي في حوار سابق إنه عندما كان رئيساً لتحرير صحيفة “الصحافة” كان يشعر بالحرج في اجتماعات التحرير، وهو بحكم منصبه كان رئيساً لتلك الاجتماعات، وكان حرجه ذلك لأن الأستاذ هاشم ضيف الله رئيس القسم الرياضي وقتها كان أستاذاً له في مدينة ود مدني، فقد درسه وعلمه، فكيف يأتي ويرأسه الآن؟ لكن ذلك هو فضل المعلمين، أن يتواضعوا حتى لتلامذتهم وأن يقدموهم ويجعلوهم رؤساء لهم وهم كانوا يحاسبونهم على طول الأظافر وطول الشعر.
هذا هو المعلم.
نحن من جيل ما زلنا عندما نرى أستاذنا الذي درسنا في الشارع “نخلي” له الشارع، ولو وجدناه في مناسبة “نطلع نخلي” له المناسبة، وهذا من باب الاحترام الذي يصل لدرجة الخوف. والخوف عند الصوفية أيضاً أدب واحترام وحب.
المعلم السوداني هو شريك في تربية الأبناء، المعلم لم يكن فقط يتابعك في المدرسة كان يتابعك في السوق وفي الشارع وفي المواصلات وفي “الكورة”، وكان إذا رآك في حفلة، “بكرة تشيل شيلتك” في طابور الصباح. في الإجازة يمكن أبوك لا يسألك، لكن المعلم إذا لاقاك “حالق حلاقة غريبة” لا يرحمك. لذلك هم يعملون في وزارة اسمها وزارة التربية والتعليم.
وفضل المعلم على السودان ككل كبير، لن أحدثكم عن قيادات الأحزاب الذين كانوا معلمين، حتى استقلال السودان كان لهم القدح المعلى في تحقيقه، وهل يمكن أن ننسى أن الزعيم إسماعيل الأزهري كان أستاذ رياضيات؟ في المجال الإبداعي والأدبي، سوف تجد أن أي مبدع كان في الأصل (معلماً) حتى وإن لم يدرس بـ”الطباشيرة” فهم أساتذتنا في مدرسة الحياة، لكن حتى وإن فصلنا ذلك “بالقلم الأحمر” سوف نجد أن معظم المبدعين كانوا فعلاً معلمين.
الأستاذ طه النور من كسلا، ومن الشرق خرج الشاعر المعلم أو المعلم الشاعر محمد عثمان كجراي. كجراي الذي كتب بحس الأستاذ لمحمد وردي (ما في داعي) وكتب لإبراهيم حسين (شجون). وكان محجوب شريف شاعر الشعب (معلماً)، أعتقد أنه درس اللغة العربية ودرس الجغرافيا.. والشاعر والصحفي المعروف سعد الدين إبراهيم أيضاً كان معلماً في بداية حياته العملية. وكان الفنان محمد وردي أستاذاً، أعتقد أنه كان يدرس العلوم، والدكتور عبدالقادر سالم كان كذلك معلماً، وعباس صديق، ومحمد ميرغني، والطيب عبدالله، وحسين شندي احتراماً لـ”الطباشيرة” ترك التدريس.
ومن المعلمين المعروفين كان مصطفى سيد أحمد مدرساً وكذلك الفنان الراحل عبدالله الحاج الذي اشتهر بأغنية “زهرة السوسن”. أعتقد أن هذه الأسماء نجحت في أن توصل رسالتها؛ لأنهم كانوا معلمين في الأساس. وفي أي مجال إذا بحثت عن النهضة فيه سوف تجد أن من قام بها في الأصل كان (مدرساً).
في مجال الرياضة صلاح إدريس رئيس الهلال السابق كان معلماً وعصام الحاج كذلك. والأكيد أن هنالك أسماء كثيرة في كافة المجالات حققت النجاح لأنهم كانوا مدرسين.
وهنا أعود للهلال من جديد، وأعترض على فكرة تعديل اسم الهلال ليكون “نادي الهلال الرياضي” بدلاً من “نادي الهلال للتربية”، أرجو ألا يزعجنا من يدافعون عن مجلس الهلال في أن هذه الخطوة سوف تتم في إطار ديمقراطي؛ لأن الظرف من حيث الزمان والمكان غير مناسب لممارسة ذلك الإجراء الديمقراطي بصورة طبيعية. أي تغيير في النظام الأساسي لنادي الهلال جوهري في هذا التوقيت مرفوض. لا يعقل أن يحدد مصير هذا الشيء 500 عضو، قد لا يحضر ربعهم، هذا حق لا يملكونه.
الهلال ليس نادياً لكرة القدم، الهلال مدرسة، لذلك عدنا وتحدثنا عن المعلم. من ثم فإن شيئاً أقره “البابا” الطيب عبدالله يجب ألا يغير أو يمس، خاصة أن ذلك الشيء له قيمة وعنده مضمون.
أعضاء نادي الهلال الأعزاء، تأهيل استاد الهلال وتعمير النادي هو الذي يجب أن يشغلكم الآن. تريدون تغيير الاسم ونادي الهلال يعقد جمعيته في فندق لعدم صلاحية النادي والاستاد بسبب الحرب؟ إن كان عندكم شيء تقدموه للهلال فعدلوا الاستاد لا الاسم، ولا أعتقد أن تأهيل الاستاد يتعارض مع الديمقراطية التي لم نسمعها منكم إلا في تعديل الاسم.
….
متاريس
بالتربية أنت تخاطب الروح لا الجسد، تخاطب العقل، فلماذا يريد الهلال أن يذهب إلى المعنى المباشر ويترك المعنى الأعمق؟
عضوية الهلال للأسف هي تُفعل فقط قبل الانتخابات، وهي دائماً في هوى المجلس.
هل إذا استجلبت 500 شخص ومنحتهم العضوية بشكل قانوني يمكن أن أغير شعار الهلال؟
هل باسم الديمقراطية يمكن أن أطرح ألوان الهلال (الأزرق والأبيض) للتغيير؟ هنالك ثوابت غير قابلة للتغيير.
الهلال حق لأجيال سابقة ، وأجيال قادمة فلا تسلبوا هذا الحق بتقديرات 500 عضوا.
….
ترس أخير: يعني عشان الترجمة نغير الاسم؟



