صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

حقيبة الفن من زمان…

308

راي حر

صلاح الاحمدي

حقيبة الفن من زمان……

لا يختلف اثنان علي أن المجد الفني للاوطان لا يقوم علي الهواء والفراغ واللاشئ بل يقوم علي ما قدم من تراث الأعمال فنية ضخمة وشامحة علت بهدوء لتتحدي الزمن وتواجه مشاكل المجتمع وتفاعلاته وحققت له الشموخ الكبير علي المساحة الفنية .شهدت نهاية القرن التاسع عشر متغيرات اجتماعية وسياسية كبيرة أهمها الثورة المهدية ثم السيطرة البريطانية
وكان للمهدية اثر عظيم علي الشعب السوداني إذ ظهرت الحاجة لبناء ثقافة روحية واحدة .وبعد عام ١٩٩٨ ارتبط السودان بخط التطوير علي نمط أوربا الغربية .وتمركزت الموسيقي مثل بقية الفنون الوافدة بنمطها الجديد في المدن الكبيرة خاصة العاصمة التي وتمركزت فيها الجاليات الأجنبية التي حاولت الاحتفاظ بثقافاتها الأصلية .وبعد القضاء علي المهدية شكل الإنجليز جيشا سودانيا وتبع ذلك تدريس الموسيقي وإعداد موسيقين عسكريين يعزفون علي الات النفخ الخشبية والنحاسية ..وكانت هذه او مؤسسات التعليم الموسيقي ..واصبح التعامل مع واروبا موسيقيا أكثر انفتاحا وتطوراتها مما ساهم في تعويد الاذن السودانية ولأول مرة علي تذوق الموسيقي المتطورة بما حوته من توافق وهارمونية .
اما امدرمان فقد كانت في منتصف القرن التاسع عشر قرية صغيرة .ثم تطورت حينما اختارها المهدي عاصمة لدولته .وتحولت الي مركز روحي لوعي الذات القومي
ومع بداية القرن العشرين أصبح موكب الزفة الذي يقام مرتين في مناسبتي عيد الفطر والمولد النبوي الشريف اهم حدث في حياة المدينة .وكانت حلقات الذكر تستقطب الجماهير .استخدم اهل الطرق الصوفية العناصر المحلية لاساليب الموسيقي التقليدية ومن الاشكال الإيقاعية التي عرفت في تلك الفترة إيقاع النقازان الذي اوجده الشيخ مرجان ..وظهر في المدينة المطربون وكان بين المطربين الرجال والنساء علي السواء ..وكانت المرأة السودانية مقارنة مع بقية الدول العربية تتمتع بحقوق استقلال أكثر .لذلك دخلت بعض المطربات الشهيرات سجل التاريخ مثل قطاعة الخشوم
ومستورة بت عرضو وشريفة بت بلال التي اكتسبت صيتا بعد أن قربها عبد القادر حلمي باشا حكمدار السودان ومنحها رتبة عسكرية .
وقد زاد اهتمام المثقفين والأدباء بالشعر والغناء واصبح الشعر يعبر عن طموحاتهم الوطنية حيث ساعد علي تعميقه وعي الذات القومي مثل غناء الشاعر عبيد عبد النور
يا ام ضفاير قودي الرسن
وتخ
تهتفي فليحيا الوطن
وجذيت امدرمان الشعراء والطنابرة من كل انحاء البلاد ففي عام ١٩٠٨وصل الي امدرمان من كبوشية المغني محمد ود الفكي حاملا معه ثقافة دينية عميقة ورمزيات تغني لملكة سبأ ومعان اخري مستمدة من التراث العربي الإسلامي أثارت خيال الشعراء وجزيت اهتمام الناس له كفنان موهوب .
في نفس العام قدم خليل فرح الي الخرطوم شابا ريفيا خجولا .وقد ظهر منذ بداية دراسته بكلية تردون قدرة هائلة .فقد استطاع خلال فترة قصيرة أن يسد نقصه المعرفي حيث أصبح احد افضل الطلبة في الكلية حيث كان الإنجليز آنذاك هم الذين يشرفون علي تدريس المواد العلمية اما العلوم الإنسانية فكان الأساتذة السوريين والمصريون يقومون بها .لقد اثر أساتذة الأدب السوريين في تكوين شخصيته الإبداعية الي جانب القاضي نخلة الشورى وفيليب البستاني صموئيل عطية .بدا كتابة الشعر خلال سني الدراسة ولقي اعترافا مباشرا فقد كان ذلك تحت التاثئيرات التي تلقاها من الشعر الانجليزي والفرنسي والروسي مما وسع من رؤيته الي العالم ومساعده علي تحليل انتقاد الواقع السوداني ونقطة تأثر خليل فرح بالشعر الانجليزي والفرنسي والروسي نقطة تحتاج الي مزيد من الاضاءت وتدخل في نطاق دراسة الأدب المقارن وهو عمل شبيه بكتابات محمد عبد الحي في الرؤيا والكلمات حول شعر التجاني يوسف بشير
وفي شعر خليل فرح لأول مرة يتطلب بشكل واضح في موضوع جب الوطن والاستعداد للقتال في سبيل تحريره.
وفي عام ١٩١٤ وفيما كان ابراهيم العبادي يتنزه في شوارع امدرمان سمع صوت راع شاب برعي قطيعا من الماعز ويغني من القلب رميات محمد ود الفكي فاعجب بصوته وقوته وعذوبته وقرر أن يتعرف به .أن يمتلك صوتا رائعا كصوتك لا يجوز له أن يغني لنفسه فقط ولقطيعه بل يجب أن يغني للناس وهكذا اكتشف ابراهيم العبادي المطرب الكبير حقا محمد احمد سرور .
يعود تاريخ حقيبة الفن للمدرسة الأولي هذه المدرسة كانت في الاجتماع الذي عقد في منزل ديمتري البازار صاحب مكتبة البازار السوداني وحضره جمع من الشعراء والمطربين والمثقفين وفيه تغني سرور بأغنية الشاعر العبادي (ببكي وانوح…) وشعر الجميع باللحن وعزوبته وكان هذا الاجتماع بداية الاعتراف بالمدرسة الفنية الأولي .واتي سرور بالجديد في الغناء السوداني فإذا كانت الرميات تغني بدون المرافقة أو المصاحبة الإيقاعية وإذا كان الرجال يصفقون فقط من خلال الطنبور .فإن سرور قد استخدم المصاحبة الإيقاعية خلال ادائه . للأغنية واكتفي بثلاثة رجال في الكورس وقد تعرض فنانو المدرسة الأولي ( الحقيبة) للكثير من المضايقات من خلال نظرة المجتمع والوضع الاجتماعي المتدني للمشنغلين بالغناء والموسيقي .الا أن ألاربعة الكبار خليل فرح سرور كرومه عمر البناء حملوا عبء النهضة الغنائية والموسيقية . وكانت العلاقات الاجتماعية بين الفنانين قوية ومنينة ونشا تعاون فني . وكان المقيمون منهم في ام درمان يذهبون الي خليل فرح في الخرطوم يسمعهم ويسمعونه
الاغاني ومنهم سرور وكرومة وعمر البنا والأمين برهان
وكان بينهم من عرف بأسلوب المبارزة فكانوا ينقسمون الي فريقين فريق سرور وكان يضم العبادي ومصطفي بطران واحمد عبد الرحيم العمري وفريق عمر البنا يضم ابو صلاح وحده والحادث ذو الدلالة الذي نشير إليه هو ذهاب الفنان سرور الي الشاعر الفنان خليل فرح وطلبه السماح بغناء أغنياته في حفلات الأعراس فأجابه خليل فرح اذا كنت يستغني هذه الاغاني كما اغنيها لا أعترض ولكن سرور قال سيؤدي الاغاني بطريقته الخاصة المواكبة لحركات النساء في الرقص وبعد جدال طويل وافق خليل فرح علي طلب سرور علما بأنه لم يكن يتعاطف معه بل كان يتعاطف أكثر مع الأمين برهان بصفته مطرب له قيمة فنية في الصفوة الممتازة بين المطربين
كان العبادة شاعر غنائي محترف في المدرسة الفنية الأولي وتلاه ٠ابو صلاح ويعتبر الشاعر محمد بشير عتيق من شعراء الاغنية البارزين .وكان مكرونه كثيرا ما يستعين به لكتابة أغانيه وأحيانا يفعل ذلك عمر البنا نفسه .اما الشاعر عبيد عبد الرحمن فكان يلحن بعض أغانيه علما بأن كتابة الشعر كانت مجال إبداعه الرئيسي……ويقود هذا الحديث عن البناء الموسيقي للأغنية السودانية …..
ومن خلال التحليل نستطيع القول أن سرور منذ عام ١٩٢٣ يعتمد علي الاغاني الدينية كالمدائح النبوية في اسلوبه.
منذ نهاية العشرينات أصبح يعتمد علي تقاليد الايقاعات الراقصة في حلقات الذكر ومن الممكن الكشف عن ذلك من خلال التحليل الدقيق لاغنيات العشرينات.اما خليل فرح فقد سبق جيله بجيل كامل وما زالت أغانيه حتي ويومنا هذا من افضل ما انتجه الفكر السوداني الفني المعاصر وكل يوم تزداد شعبيتها وبالتالي حب الناس لها .وهذا ما لم يحظ به من سبقوه او عاصروه وقد ارسي طرحه تطوير الاغنية السودانية اللاحق علي جيل المطربين الجدد اسماعيل عبد المعين الكاشف التاج مصطفي عثمان حسين وردى محمد الأمين ابو عركي وغيرهم ….
وخلاصة القول أن اغنية المدرسة الفنية الأولي ( الحقيبة) بالإضافة إلي دورها في تعميم اغنية ا(لمدينة ) ام درمان علي مستوي القطر ساهمت في تطوير رقصة (الرقبة ) التي ارتبطت باغنية الحقيبة
وقد تناولنا اغاني التم تم التي ظهرت في مدينة كوستى عام ١٩٢٥ واستحدثتها الاختان ام بشاير وام جابر .وقد اشتهر اسماعيل عبد المعين بأدائه لهذه الاغاني .وتعرف علي المغنيتين في أثناء دراسته الموسيقية في باريس التقي بالمغنية الجزائرية ليلي التي كانت تملك ناديا ليليا اسمه التام تام فهتم عبد المعين بمنشا تسمية النادي فاجابته بأن في الجزائر وتونس والمغرب تطلق هذه التسمية علي الاغاني المكتوبة علي هذا الإيقاع في المرحلة الأولي اتسمت كلمات الاغاني بالسطحية مما اثار جدلا ومقدار خاصة بين أوساط رجال الدين في السودان
لقد دخلت في الذخيرة الذهبية للأغنية السودانية اغان مثل (خداري) للشاعر الملحن عبد الرحمن الريح حبيبي وين في موضعة الجمال بلاقيه (وجبال التاكا) لإسماعيل عبد المعين وهي اغنية كانت شيئا جديدا فريدا ولا تعتبر من اغاني المدرسة الفنية الأولي ولا من اغاني التم تم علما بأنها حافظت علي بعض عناصر إيقاعات اغاني التم تم ..
ونشير الي حضور أصدقاء بشير لتلحينها وهم توفيق احمد البكري وحسين عثمان منصور ومحمود ثابت ولعل الأمر في حاجة لشئ من التثبت ولعل المقصود هنا الشاعر حسين منصور صاحب ديوان الشاطي الصخري استاذ التجاني يوسف بشير في المعهد العلمي المبعد الي مصر لا حسين منصور الصحفي والشاعر الغنائي صاحب مجلة الصباح الجديد والآخر محجوب ثابت الوثيق الصلة بالحركة الوطنية المصرية السودانية
ويلحن اسماعيل بهذا الأسلوب (تم تم) اغنية ثانية قابلته في البياح ) ولابد من الإشارة الي أن اسماعيل عبد المعين كان شخصية موسيقية موهوبة ساعدت بفعالية علي التطور اللاحق للثقافة الموسيقية السودانية ….
وهذا التطور استمر حتي جاءت مرحلة الإذاعة السودانية عام ١٩٤٠ والتي أنشأتها الإدارة الاستعمارية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية وكانت تبث في البدء اغاني سرور ومن بعده حسن عطية وظهرت اسماء التجاني السيوفي وعبد الحميد يوسف والكاشف وظهر نشيد المؤتمر.( للعلا للعلا ) والذي لحنه اسماعيل عبد المعين والذي صاغه الأستاذ خضر حمد ثم نشيد صرخة روت دمي لأستاذ محي الدين صابر ولقي النشيد اعجابا .ونتيجة لهذا التوسع الفني الابداعي كان لابد لأجهزة الإعلام من أن تتوسع في مناحيها الفنية والتكنولوجية لتغطي هذا الزخم الفني وقد شكلت الإذاعة السودانية عاملا مهما في ازدهار الحياة الموسيقية في البلاد ونشر الثقافة الدينية والأدبية
وقبل إعلان استقلال السودان بيوم طلب مراقب الإذاعة من المطرب عثمان الشفيع بأن يعد لهذا المناسبة اغنية (وطن الجدود ) ونظرا لغياب الشاعر محمد عوض الكريم القرشي الذي كتب للشفيع اغنية وطن الجدود فقد طلب منه المراقب أن يبحث عن شاعر مناسب وفي منزل الشفيع كتب الشاعر اسماعيل خورشيد وبعد انتقل ميكروفون الإذاعة من ساحة العرض الي الاستديو قدم عثمان الشفيع اغنية احرار احرار في بلاد حره الشعب اختار الاستقلال يا دخيل بره .وتبعه احمد المصطفي وغني اليوم عيدك يا وطن وعثمان حسين الأرض الطيبة
وقد اتصلت مرحلة ما بعد الاستقلال بتطور الغناء السوداني وعلي انتشار الاغاني وأقيمت الحفلات مما خلق علاقة بين الفنان وجمهوره …وظهرت اسماء جديدة وابراهيم الذي لعب دورا مهما هو ومن ناصروه خاصة بعد تبلور اغنية الكسرة بوصفها نوعا مستقلا من الغناء بينما كانت في الماضي تؤدي مع نهاية الاغنية الاساسية
في ذات الوقت ذاته قدم عثمان حسين بشجاعة ابداعية دلت علي عبقرية نادرة حين اختار قصيدة في محراب النيل للشاعر التجاني يوسف بشير ولحنها بأسلوبه الرقيق وقد أعجب بها سيد خليفة فاختار التجاني قصيدة وانشودة الجن وبعد عام ١٩٥٦ظهر جيل جديد من المطربين ونوعية جديدة محمد وردي صلاح مصطفي الكيالي وغيرهم نواصل …….

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد