صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

​حماية النصري من النصري

0

صابنها
​محمد عبد الماجد
​حماية النصري من النصري

​سمعتُ عن الفنان محمد النصري قبل أن أسمع له، هذا طبعاً كان قبل سنوات، قبل أن يصل النصري إلى هذه المكانة. كانوا يتحدثون عنه بصورة أدهشتني، اعتبرتُ أن في كلامهم عنه شيئاً من المبالغة والزيادة اللغوية، ولكن عندما استمعتُ له وجدتُ أنه يستحق ما قيل فيه، بل يستحق أكثر؛ فهم لم يحسنوا تقدير موهبته، ولم يحسنوا الوصف في نقلهم لي عنه.. فقد كان النصري أروع مما قالوا، بل أروع مما كنت أتخيل… وقلةٌ في حياتنا من يتجاوزون حدود الخيال، والنصري كان واحداً منهم.
​وجدتُ النصري يقدم أغاني الطمبور بشكل جديد، كان مختلفاً رغم أنه يقدم شكلاً من الأغنيات صعب الخروج منه، وصعب الإضافة فيه.
​أغاني النصري لم تكن مجرد أغنيات عاطفية أو أغنيات مشحونة بالحنين الذي يتميز به فنانو الدليب؛ باعتبارهم يعبرون عن أهلهم ومنطقتهم التي جعلت نخيلهم يتساقط علينا حنيناً جَنِيًّا.. النيل عندهم يجري على إيقاع الدليب، لغتهم الرسمية هي (ألحان الطمبور)، وكلامهم بطبيعة الحال كلام (شاعري).. حديثهم (حميد)، ونضمهم (شقوري)، وهواهم (محمد سعيد دفع الله).
​أقول عن أهلنا الشايقية على اختلاف بطونهم إن لغتهم الرسمية هي ألحان الطمبور، أكرر ذلك تثبيتاً لحقهم هذا، فهم أهل إبداع وجمال.. إيقاع الدليب عندهم إيقاع حياة، خطواتهم ومشيهم في الأرض إيقاع دليب.
​النيل في مروي يرقص ولا يجري، يطرب ولا يفيض.
​النصري أضاف على ذلك في أنه حمّل أغنياته بالقضية، والحب والغناء العاطفي لا يعني أنه يخلو من القضية، بل إن أجمل القضايا هي التي تُحمَّل في الأغنيات العاطفية.
​الوطن ليس مجسماً منفصلاً، ولا هو كتلة مستقلة، الوطن هو أنفاسنا، هو حياتنا، هو شاي المغربية، وطفلة تبدو من الخوف مثل الطائر مكسور الجناح.
​الوطن هو ونستنا، ولمتنا، ليس بالضرورة أن يكون الوطن بذلك الثقل الذي تظنون.
​من باب الإنصاف النقدي فإن النصري أضاف وتراً جديداً في الطمبور، رغم عدم اختصاصي في الموسيقى، إلا أن النصري خرج من دائرة اللحن الدائري أو المعتاد في إيقاع الدليب.
​أما من ناحية الكلمات فإن الأغنيات التي يقدمها النصري أغنيات (تقيلة) أو (عميقة)، وهذا يحسب للشعراء الذين تغنى لهم النصري. سوف أقدم لاحقاً مقالات في هذا الجانب، البعد عن النقد الفني حرمنا في السنوات الأخيرة أن نكتب عن ذلك، لكن كل ذلك سوف نعود إليه بدراسات أشمل عن النصري وغيره.
​أغنيات النصري أغنيات أستمع لها برؤية، هي أغنيات للشوف وليس للسمع.
​محمد النصري كان محظوظاً لأنه غنى لشعراء أصحاب قضية، وقبل ذلك شعراء مبدعين بحق.
​يحسب للنصري أنه يحسن اختيار الكلمات التي يتغنى بها، وهو صياد ماهر في اختيار القصائد، وهو يحسن أن يتخير درر الكلم وجواهر الشعر بعناية فائقة.
​أضف إلى كل ذلك أن النصري يمتلك صوتاً بديعاً، وهو يمتلك موهبة نادرة جعلته قادراً على أن يتعامل مع كل الكلمات التي يترنم بها بسهولة ويسر ومرونة.
​إلى جانب ذلك فهو فنان عنده الكاريزما والقبول، يمكن أن تملك كل هذه الأدوات ولا تكون فناناً جماهيرياً إن لم تمتلك الكاريزما.
​والكاريزما هبة من الله.
​النصري فنان جماهيري وهذا أمر صعب لفنان يقدم لونية محددة في الغناء ويمثل منطقة جغرافية معينة، مع ذلك فهو استطاع بكل هذه الخصوصية أن يكون فناناً قومياً.
​من بعد ذلك التقيتُ بمحمد النصري وكنت حضوراً لتسجيل معظم الحلقات التي قدمتها قناة الشروق معه في شهر رمضان بعنوان (مع النصري)، تلك الحلقات التي أعدتها عفاف حسن أمين وقدمتها إسراء عادل، بإشراف مدير القناة نفسها المهندس محمد خير فتح الرحمن، وهشام عز الدين المريخي الجميل، وقد كنت حريصاً على مقابلة النصري كفاحاً، وحقيقة وجدتُ أن النصري فنان فاهم وراقٍ ومثقف، وأنه وصل إلى مكانته تلك وحقق هذه النجومية بتخطيط وفهم، وأنه لم يصل لما وصل إليه فقط بموهبته، أو عن طريق الصدفة؛ هو كان فناناً يعرف ماذا يفعل، كان يملك حساً إدارياً جميلاً لإدارة موهبة في حجم الموهبة التي يمتلكها.
​كان يمتلك دبلوماسية الفنان، وهي أمر لا تقل أهميته عن الموهبة، فنان بدون دبلوماسية سوف يذبل سريعاً، إلا إذا كان يريد فقط أن يتحرك في مسرح (التريند) وهو مسرح لا يشبه النصري وهو في غنى عنه.
​زاد إعجابي بالنصري وعظم رهاني به عندما قابلته، وما زلت أراهن على النصري وأرى أنه يملك الكثير ليقدمه.
​الفنان المبدع، أو الفنان الحقيقي والمختلف هو الفنان الذي تظهر قيمته ومكانته عند جمهوره.
​مصطفى سيد أحمد كان فناناً مختلفاً بجمهوره، وكذلك محمود عبد العزيز هو فنانٌ مختلف بجمهوره، مصطفى ومحمود موهبتهما في جمهورهما.
​محمد النصري هو الآخر يمتلك جمهوراً خاصاً، جمهوراً مختلفاً، جمهوراً مبدعاً في حد ذاته، وهو قد استطاع رغم اللونية التي يقدمها أن ينتشر في جميع أنحاء السودان، وأن ينجح في أن يصنع جمهوراً من طبقات وقبائل مختلفة رغم أن أغنية الطمبور أغنية تعبر عن منطقة معينة ولها هوى عند أهلها، لكن محمد النصري نجح في أن يكسر تلك الحدود وهو لم يخرج من جغرافيا الدليب، ليصبح فناناً قومياً، ينافس بل تفوق حتى على فناني الوسط والعاصمة بكل الحداثة التي يقدمونها في أغنياتهم، فعل ذلك دون أن يخرج من جلبابه أو يبعد عن اللونية التي عُرف بها.
​من الصعب أن تتفوق أغنية الأطراف أياً كان موقعها على أغنية الوسط أو أغنية العاصمة أو أم درمان، محمد النصري نجح في كسر ذلك الطوق وكان استثناءً في هذه القاعدة دون أن يتخلى عن طمبوره أو إيقاعه كما ذكرت، ليحقّق جماهيرية بين طلاب الجامعات وفي مناطق السودان المختلفة.
​الأكيد أن أغنية الدليب نجحت في الوصول لكل أنحاء السودان، بل وكان لها وجود عالمي، لكن النصري يختلف في أن جمهوره كان أكثر تعصباً له وأكثر إيماناً به.
​من بعد هذا أدخل على ما أُثير في الفترة الأخيرة عن إساءة النصري للهلال، وعن ما نُشر عنه وهو يضع شعار الهلال في الوحل برمزية (الصفر).
​بدءاً نحن الصفر لا يزعجنا، وكل شيء يرتبط بالهلال عندنا جميلٌ وإن كان صفراً، صفرنا هذا أعز علينا من كأساتكم الجوية المزعومة، لا أريد أن أقول الملعوبة.. نتحدث عن وضع شعار الهلال في الوحل.
​عكير الدامر قال: (عداوتو ليّ أخير ليّ من محبة غيرو).
​أولاً النصري بذلك لا يسيء للهلال هو يسيء لنفسه، لذلك نحن هنا نكتب عن النصري لا عن الهلال، والكيانات الكبيرة لا تنقص الإساءات منها شيئاً، والطبيعي في محيط المنافسة والسباق أن تتعرض للإساءة، وليس مطلوباً من منافسك أن يحترمك ويقدرك، هذه أمور تخصه، أو على الأقل من الصعب أن تجد ذلك من الجميع، لكن في نفس الوقت وخاصة في الرياضة فإن الإساءة للمنافس تحسب عليك وهي تخصم منك، خاصة إذا كانت من فنان كبير مثل النصري ننظر له بعيداً عن تصنيفات (هلال مريخ)، وإن كان هذا لا يعني أن نجرده من هواه وانتمائه، فهو من حقه أن يشجع المريخ وأن يعلن عن ذلك وأن يتغنى بفريقه وأن يمجّد له، ولكن دون الإساءة للمنافس.
​الإساءة للنيل لا تنقص منه شيئاً ولا تصيبه بالعكر.
​إذا رميت النيل بحجر، لن يفعل النيل أكثر من أن يبتلع ذلك الحجر، وإذا رميت النخيل سوف ترميك بثمرها.
​تضيق الصدور، لكن الفضاء لا يضيق، هو يحتمل كل شيء.
​إذا كان النصري يرى أن هنالك من يسيء للمريخ من الهلال فهو ليس الجهة المناط بها رد الإساءة، هو يجب أن يكون أكرم من ذلك؛ لأنه فنان ننتظر منه أن يرتقي بذوقنا وحسنا الفني حتى في مدرجات ملاعب كرة القدم.
​وعلى النصري ألا يقلق سوف يجد في المريخ من يسيء للهلال من العامة، أما هو فعليه أن يخدم مريخه بفنه وأدبه وليس بالإساءة للهلال، هو يمتلك أدوات رفيعة وجميلة للرد دون أن يضع شعار الهلال في الوحل.
​النصري ملعبه هو المسرح، ليس مطلوباً منه أن يتفرغ لمقارعة الصحفيين، وأهل الإعلام في الهلال والمريخ يتبادلون فيما بينهم السمح والشين، والنصري أرفع من ذلك؛ لأننا لن نقبل منه إلا السمح. النصري جميل، لذلك ننتظر منه الجمال لا القبح.
​الإساءة في الحقيقة هي تسيء لصاحبها ولا تسيء للجهة الموجهة لها، وأكيد في الهلال هنالك من يملك رد الإساءة بما هو أقوى (ونجهل فوق جهل الجاهلينا)، وهو يمكن أن يقدمها مشجع هلالي عادي لفنان كبير في حجم النصري، لكن نحن نبحث عن منطقة يكون فيها الاحترام هو السائد بيننا.
​البعض قد يفهم أنني أحياناً أسيء للمريخ أو أقلل منه، لكن أحرص دائماً على أن لا أفعل ذلك، واحترامي للمريخ ليس تكرماً مني وإنما هو أمر يستحقه المريخ، وهو حق المريخ علينا، فإن حدثت بعض الهنات وهذا أمر طبيعي فهو شيء مقبول منا في مجال الإعلام، والأكيد أننا لم نسلم ولا نبرئ أنفسنا وهذا مجالنا لا بد أن نقع في بعض الأخطاء، لكن غير مقبول أن تخرج الإساءة من فنان في حجم النصري ندخره لأن يرتقي بنا وأن يخرج بنا من الفهم الضيق لا أن يجعلنا حبيسين له.
​مع كل ذلك الأخطاء واردة من الجميع والانفعال قد يحدث، وإن كان ذلك من فنان لكن يجب أن نعتذر وأن نتراجع عندما نخطئ، الاعتذار يرفع من قيمة الشخص لا يقلل منه.
​النصري ملزم باحترام جماهيره وأي أمر محسوب عليه إن كان فيه تجاوز على الآخرين، ودبلوماسية الفنان ليست رفاهية ولا هي مسك العصا من النص وإنما هي مكمل له، وفنان بدون دبلوماسية هو ليس فناناً لأن الفن نفسه هو الدبلوماسية الجميلة.
​يمكن أن يجد النصري ثناءً من بعض المريخيّين ويمكن أن يُحمد من بعضهم على فعلته تلك، ولكن هذا تقييم وقتي، وهو تقدير لا يخرج إلا من جنس الرياء، أثق في أن كثيراً من المريخيّين يرفضون ذلك ولا يقبلونه وإن لم يحرجوا النصري، وبعيداً عن ذلك فإن النصري (مجبر) على احترام الهلال هذا الصرح العظيم، نحن لا نسأله تفضلاً، ولكن لأننا نخاطب النصري فإننا ننشد فيه حسه الفني وذوقه الرفيع، لذلك فاحترام الغير وتقدير المنافس شيء من طبع النصري لأنه فنان حقيقي.
​إذا ادعى النصري أنه لا يهمه من أغضبهم من جماهيره بالإساءة للهلال، نقول للنصري عليه أن ينظر إلى أقرب الناس إليه، سوف يجد أنه أساء إلى الأقربين منه؛ فرقته الفنية غالبيتها تشجع الهلال، وهل هنالك أبرز من ود العوض ضابط الإيقاع، الذي لحن عدداً كبيراً من أغنياته وهو هلالابي أكثر منا، وهل نسي النصري محمد سفلة ورامي قسم السيد الذي غنى له يا زول جميل؟
​وشعراء الهلال القامة السر عثمان الطيب، وهل هنالك أرفع من السر، والفاتح إبراهيم بشير وود العطا فردة ثنائي العامراب.
​النصري عليه احترام خاصيته، إن لم يرد احترام جمهوره.
​بقي أن نقول إن ما بين الهلال والمريخ عامرة، وإن الإساءات لن تقلل من أي منهما، هي أمر قد يكون رائجاً وطبيعياً في وسطنا هذا، لكن إذا حدثت ووقعت علينا أن نرفضها وأن لا نقبلها وأظن أن النصري عرف قيمة الهلال.
​إذا أساء جعفر السقيد أو جمال فرفور أو معتز صباحي للمريخ سوف نرفض منهم ذلك وسوف نكتب عنهم مثلما نكتب عن النصري الآن، وإن كان عشمنا في النصري أكبر.
​صديق أحمد كان هلالابي متعصب وكان يحترم المريخ، وعُرف محمد وردي بهلاليته (وكانت ساعة النصر في اكتمال الهلال) وتوشح بشعار المريخ.
​البلاد تمر بظروف معقدة، قد يكون هذا الحدث أمراً عادياً يجب ألا نتوقف عنده؛ لأن الوطن كله يتعرض للجراح والصعاب، ولكن مع ذلك نقف عند هذه النقطة لأن التراكمات تتجمع هكذا، لا تهملوا التفاصيل الصغيرة، إن فشلنا في التعامل مع الصغائر فإن فشلنا في التعامل مع الكبائر سوف يكون أكبر.
……
​متاريس
​الظروف أبعدتنا عن الكتابة الفنية والكتابة السياسية، لكن كل هذه الأمور سوف أعود إليها.. أحترم خصوصية الصفحات الرياضية التي أكتب فيها، لذلك أجتهد في أن لا تخرج كتاباتي عن المستطيل الأخضر.
​لكن عائدون إن شاء الله.
والحساب بجمع.
…..
​ترس أخير: إنتو لو بتصبروا ما بتجيكم عوجة.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد