حين يركض اليمن نحو المجد… حوارٌ لا يشبه سباقًا الإعلامي حامد عمر يحاور الشبل لاعب ألعاب القوى محمد حسان العنسي
حين يركض اليمن نحو المجد… حوارٌ لا يشبه سباقًا
الإعلامي حامد عمر يحاور الشبل لاعب ألعاب القوى محمد حسان العنسي
تغطية صحفية خاصة – الإعلامي حامد عمر باحارث ….
في زمنٍ تتزاحم فيه الأخبار، وتعلو أصوات الحرب والأزمات، هناك أخبار أخرى تستحق أن نمنحها مساحة أكبر من الضوء؛ أخبارٌ لا تتحدث عن الخسارة، بل عن طفلٍ يركض باتجاه الحياة، وعن موهبةٍ صغيرة تحمل في خطواتها حلم وطن.
من مضمار ألعاب القوى، حيث لا مكان للنجاح السهل، يبرز اسم شبلٍ يمني اختار أن يجعل من الركض لغةً للحلم، ومن التدريب طريقًا للمستقبل.
إنه محمد حسان العنسي، لاعب ألعاب القوى الشاب، الذي يواصل تدريباته بخطوات ثابتة، واضعًا أمامه هدفًا أكبر من مجرد الفوز بميدالية؛ هدفه أن يحمل اسم اليمن إلى منصات التتويج، وأن يثبت أن الموهبة اليمنية تستطيع أن تصنع حضورها مهما كانت الظروف.
في هذا الحوار، اقتربنا من محمد بعيدًا عن لغة الأرقام والنتائج، لنكتشف الطفل الذي يقف خلف العداء، والحلم الذي يختبئ خلف كل انطلاقة.
حامد عمر: محمد، عندما نقول لك «ألعاب القوى»، ماذا تعني لك هذه الرياضة؟
محمد حسان العنسي: ألعاب القوى بالنسبة لي ليست مجرد رياضة أو سباق. هي شيء أحبه وأشعر أنني أستطيع من خلالها أن أحقق أحلامي. عندما أكون في المضمار أشعر أنني أركض نحو شيء أريده في المستقبل.
حامد عمر: ومتى بدأت تشعر بأنك تريد أن تصبح عداءً؟
محمد: عندما بدأت التدريب والمشاركة في السباقات، واكتشفت أنني أحب المنافسة والتحدي. ومع كل سباق كنت أشعر أنني أريد أن أتطور أكثر، وأصبح أسرع وأقوى وأفضل.
حامد عمر: هل تفكر في الفوز قبل السباق؟
محمد: أفكر أن أبذل كل ما عندي أولًا. الفوز مهم، لكن الأهم أن أعرف أنني لم أقصر في التدريب، وأنني قدمت أفضل ما أستطيع.
حامد عمر: وماذا تشعر عندما تقف على خط البداية؟
محمد: أشعر بالحماس والتوتر في نفس الوقت. أفكر في التدريب الذي عملته، وفي نصائح المدرب، وأقول لنفسي: لا تخف، اركض بكل قوتك.
حامد عمر: سبق لك أن حققت المركز الأول في سباق 2000 متر لفئة الأشبال. ماذا كان شعورك لحظة الفوز؟
محمد: كنت سعيدًا جدًا. شعرت أن كل التعب والتدريب لم يذهب سدى. لكن بعد الفوز قلت لنفسي إن هذا ليس النهاية، بل بداية لشيء أكبر.
حامد عمر: هذه إجابة لاعب يعرف معنى الرياضة. هل الميدالية بالنسبة لك هي الهدف؟
محمد: الميدالية جميلة وتسعدني، لكنني أريد أن أتطور أكثر. أريد أن أصل إلى مستويات أكبر، وأشارك في بطولات قوية، وأمثل اليمن بشكل مشرف.
حامد عمر: ومن الشخص الذي تسمع صوته في رأسك عندما تشعر بالتعب أثناء التدريب؟
محمد: مدربي وعائلتي. دائمًا يقولون لي إن التعب اليوم سيكون قوة غدًا، وإن النجاح يحتاج إلى الصبر والاستمرار.
حامد عمر: هل هناك لحظة فكرت فيها أن تتوقف؟
محمد: أحيانًا أشعر بالتعب، وهذا طبيعي، لكنني لا أريد أن أستسلم. عندما أتذكر حلمي أعود وأكمل.
حامد عمر: ماذا تقول لزملائك الأطفال الذين لديهم مواهب رياضية لكنهم لا يثقون بأنفسهم؟
محمد: أقول لهم: لا تقولوا إنكم لا تستطيعون. ابدأوا وتدربوا، وإذا فشلتم في سباق لا تتوقفوا. حاولوا مرة أخرى.
حامد عمر: وهل تحلم بالمشاركة خارج اليمن؟
محمد: نعم، أحلم بالمشاركة في بطولات عربية وآسيوية ودولية، وأن أرفع علم اليمن وأسمع اسم بلادي في البطولات.
حامد عمر: عندما تتخيل نفسك بعد عشر سنوات، أين ترى محمد؟
محمد: أتمنى أن أكون لاعبًا كبيرًا، وأن أحقق بطولات وميداليات، وأن أكون قدوة للأطفال الذين يريدون ممارسة ألعاب القوى.
حامد عمر: لو أعطيناك فرصة لتوجيه رسالة إلى اليمن، ماذا ستقول؟
محمد: أقول لليمن: نحن نحبك، وسنحاول أن نفرحك بالرياضة. أتمنى أن يكون عندنا اهتمام أكبر بالرياضيين، وأن يحصل كل لاعب موهوب على فرصة للتدريب والمشاركة.
حامد عمر: وماذا تقول لمدربك؟
محمد: أشكره لأنه يتعب معنا ويعلمنا، وأقول له إنني سأحاول دائمًا أن أكون عند حسن ظنه.
حامد عمر: ولعائلتك؟
محمد: أشكرهم لأنهم يشجعونني ويساعدونني على الاستمرار. بدون دعمهم سيكون الطريق أصعب.
حامد عمر يكتب: من خط البداية يبدأ الوطن
وأنا أستمع إلى محمد، لم أكن أرى مجرد طفل يقف أمامي ويتحدث عن سباق 2000 متر أو عن الميداليات.
كنت أرى حلمًا يمنيًا صغيرًا يحاول أن يكبر.
في وجه محمد شيء من براءة الطفولة، وفي حديثه شيء من إصرار الرياضي الذي بدأ يفهم مبكرًا أن الوصول إلى القمة لا يكون بالأمنيات، وإنما بالتدريب والانضباط والصبر.
محمد لا يركض فقط لكي يسبق منافسيه.
إنه يركض ليتجاوز نفسه.
وهذه هي الفلسفة الحقيقية للرياضة.
فالعداء الناجح ليس هو الذي ينتصر على الآخرين فقط، بل هو الذي يستطيع كل صباح أن ينتصر على الكسل، وعلى الخوف، وعلى اليأس، وعلى تلك اللحظة التي تقول له: «توقف».
وفي اليمن، حيث واجه الأطفال والشباب سنوات صعبة، تصبح الرياضة أكثر من نشاط بدني؛ تصبح مساحة للحياة، ومدرسة للأمل، ورسالة بأن المستقبل لم يُغلق أبوابه بعد.
من هنا تأتي أهمية محمد وأمثاله من المواهب الصغيرة.
إنهم لا يحتاجون إلى التصفيق فقط، بل يحتاجون إلى رعاية حقيقية، ومدربين، ومضامير، ومشاركات، وتجهيزات، وفرص عادلة للوصول إلى البطولات العربية والآسيوية والدولية.
فالموهبة إذا وجدت الرعاية أصبحت إنجازًا، وإذا وجدت الإهمال قد تختفي قبل أن يكتشفها العالم.
محمد اليوم يقف عند خط البداية.
وقد يراه البعض مجرد شبل صغير في مضمار محلي.
لكن التاريخ الرياضي يعلمنا أن كثيرًا من الأبطال الذين ملأوا الملاعب العالمية بالتصفيق بدأوا بخطوات صغيرة، وبحذاء رياضي بسيط، وبحلم لم يصدقه أحد في البداية.
وربما يكون بين أطفال اليمن اليوم من سيقف غدًا على منصة عالمية.
وربما يكون محمد واحدًا منهم.
الخاتمة | حين يصبح الركض رسالة
في نهاية هذا الحوار، سألت محمد سؤالًا أخيرًا:
«إذا فزت يومًا ببطولة دولية ووقفت على منصة التتويج، ماذا ستفعل؟»
ابتسم وقال:
«سأرفع علم اليمن.»
ثلاث كلمات فقط، لكنها كانت كافية لتختصر الحكاية كلها.
سأرفع علم اليمن.
هكذا يبدأ الحلم.
من طفلٍ يربط حذاءه قبل التدريب، إلى عداءٍ يقف على خط البداية، إلى بطلٍ يركض تحت راية وطنه.
قد تكون المسافة بين الحلم والواقع طويلة، وقد تكون الطريق مليئة بالتعب والعثرات، لكن كل بطلٍ في العالم بدأ يومًا بخطوة.
ومحمد اليوم يخطو خطواته الأولى.
فليكن مضمار ألعاب القوى مكانًا لاختبار السرعة فقط، بل لصناعة الإنسان.
وليكن كل طفلٍ يركض في اليمن رسالة إلى العالم تقول:
نحن لسنا أبناء الحرب فقط… نحن أبناء الحلم أيضًا.
نحن لا نركض هربًا من المستقبل… بل نركض نحوه.
ومن خط البداية، حيث يعلو صمت الثواني الأخيرة قبل انطلاق السباق، قد يولد ذات يوم صوتٌ يسمعه العالم كله:
«اليمن على منصة التتويج.»
وحينها لن تكون الميدالية لمحمد وحده…
بل ستكون لكل طفل يمني آمن بحلمه، ولكل مدرب لم يتعب من العطاء، ولكل أسرة آمنت بموهبة أبنائها، ولكل يدٍ امتدت لتصنع من الموهبة بطلًا.
محمد… اركض.
فربما لا تعرف اليوم إلى أين ستأخذك خطواتك، لكننا نعرف شيئًا واحدًا:
أن الحلم الذي يركض من أجله طفلٌ بإصرار… يستطيع يومًا أن يصل إلى العالم.



