رحيل الملك !

0
99

ضد التيار

هيثم كابو

رحيل الملك !

 

* هاهو الحزن يتمدد بحجم الفجيعة .. الغصة تقف في الحلق كنصل سكين حاد.. الأسى يكاد يشق الضلوع نصفين.. الحسرة تخيم على الجميع .. الألم يشتد؛ والوجع يمتد؛ وترديد اسم الجلالة مسبوقاً بياء النداء (يا الله.. يا الله) يمثل أبلغ عبارة تأثير لكل من سمع نبأ الرحيل المر؛ والعزاء في تذكُر حقيقة أن الموت مصير الأولين والآخرين مع ترديد (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
* السؤال الموجع الذي يفرض نفسه والفن السوداني يرتدي أمس ثوب سواد ويعلن بوفاة الفنان الرقم صلاح بن البادية الحداد :
يا ترى ما هو حجم الفراغ الذي تركه رحيل ابن البادية؟، والإجابة بتفصيل أكبر تعكس للملأ حقيقة أننا فقدنا فناناً بقامة وطن؛ ومبدعاً بحجم أمة؛ فالرجل كان يمثل (رمزاً سودانياً) قدمته الساحة الفنية على مر واحد وستين عاماً هي تقريباً تمثل عمره الفني؛ فبدأيته كانت في عام ١٩٥٨م وإنطلاقته الحقيقية تلتها بعام واحد؛ ومنذ مصافحة صوته للأذان لم يتوقف عن العطاء .. ساهم في ترقية الذوق العام باختياراته الغنائية الرصينة؛ وكان شريكاً أصيلاً عبر أعماله البديعة في كل قصة حب؛ وحالة وجد؛ ولحظة شجن؛ وفيض مشاعر .. رافقت ألحانه أجيالاً عديدة في نشوتهم الوجدانية؛ ومواقيتهم الغرامية؛ وانكساراتهم العاطفية.. كلمات أغنياته تكتب على المركبات العامة كديباجة حب؛ وتعلق على جدار القلب كتميمة عنق؛ وتظل على مر السنوات ساكنة في الوجدان ومحفورة في الأذهان.
* لا يختلف أثنان على حقيقة أن الراحل صاحب مسيرة حافلة وممتدة قوامها أكثر من مائة عمل غنائي؛ غير إسهاماته الفنية الأخرى المتعددة؛ فابن البادية صاحب تجارب مسرحية وسينمائية مختلفة؛ وتعد (تاجوج) أشهرها؛ كما أن هناك أعمال أخرى مع نعمات حماد ومكي سنادة وكمال فضل وأحمد عاطف وعثمان حميدة (تور الجر)؛ بالإضافة إلي فيلم (رحلة عيون) الذي أثار صجة كبرى وردود فعل متباينة وجمعه بمحمود المليجي وسمية الألفي وشارك فيه الفاضل سعيد بينما قام بإخراجه أنور هاشم.
* التربية الصوفية؛ والتشبع بالإرث الديني؛ والبيئة التي نشأ فيها أنعكست أيضاً في المدائح النبوية التي قدمها بصوته الذي يسكن الوجدان ويريح الأذان ويدخل القلب غازياً مقتحماً؛ فإستثنائية ابن البادية تجسدها سيرة فنية عطرة جمَّلها الوجد الصوفي؛ وأضفى عليها بعداً روحياً جعل لصلاح مذاق مغاير ونكهة خاصة؛ فهو في المديح النبوي (منشد بصوت مغني وتكنيك فنان) ؛ وفي الساحة الفنية (مطرب بأخلاق المسيد وزهد الصوفية) .
* تتعدد أوجه خصوصية ابن البادية الذي عرف بوفائه للتراث والأدب الشعبي والدوبيت وثقافة المنطقة التي نشأ فيها أو تلك التي تنحدر أصول أسرته منها؛ لذا كان طبيعياً جداً أن يرافقه اسمها طوال مسيرته الفنية؛ فهو (ابن البادية) وصفاً ومعناً وأسماً..!
* فقدنا بالأمس فناناً شاملاً؛ وصوفياً زاهداً؛ وباحثاً مثابراً؛ فالراحل قضى أربعين عاماً من عمره في إعداد كتاب خاص بالثقافة الشعبية السودانية بعنوان (الكجبارة والكنجفيرة) سعى من خلاله لحصر المفردات التي بدأت في الاندثار، كما أنه سبق معظم الفنانين السودانيين في الثوثيق لرحلته الفنية بكتاب من إعداده سرد فيه تجربته والصعاب التي واجهته والمحطات الفارقة التي مرت به والأحداث التي عاشها؛ وتلك خطوة متقدمة تنم عن وعي كبير.
* كان الراحل مختلفاً عن أقرانه من كبار الفنانين الذين تسربت السنوات من بين أصابعهم بقدرته على العطاء والتطريب كلما أعتلى خشبة المسرح للغناء؛ فبرغم وصوله سن الثانية والثمانين عاماً إلا أنه ظل يعيش شباباً دائماً وأوراق موهبته تخضر يوماً بعد الآخر؛ وتكتسي جمالاً ونضرة وتفتقاً؛ بينما صوته يزداد حلاوة وقوة ونداوة وتعتقاً؛ حيث كان من الصعب على شباب الفنانين منافسة ابن البادية في الغناء لأطول فترة ممكنة دون أن تظهر عليهم ملامح الفتور والإرهاق والإعياء.
* لم يغب عن المشاركة في محفل طوال مسيرته ليأتي ختام رحلته الفنية بالغناء في (فرح السودان) والبلاد تحتفي بمدنية السلطة وتوقيع أتفاقية بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الإنتقالي؛ وكأنه أراد أن يودع الوطن كله قبل رحيله وهو يتبتل في محرابه شادياً :
ما عشقتك لجمالك انت آية من الجمال.. وما هويتك لخصالك انت اسمى الناس خصال.
* رحم الله الفنان صلاح بن البادية الذي أنتقل إلي جوار ربه بالعاصمة الأردنية عمان أمس وألهم أهله وذويه ومحبي فنه والشعب السوداني الصبر والسلوان.. (إنا لله وإنا إليه راجعون).
نفس أخير
* وخلف عثمان خالد نردد:
قالوا الجمال يا غالي بيك
كانت نهايتو وأولو
ونحنا في هواك يا غالي
لا بنطيق فراق لا بنحملو
واصلو المحبين الحنان
لا بنسوا لا بتحولو.

المشاركة

أكتب رد

أدخل تعليقك من فضلك!
أدخل إسمك هنا من فضلك