صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

ساعات داخل معتقل الدعم السريع

374

مذاق الحروف
عماد الدين عمر الحسن
ساعات داخل معتقل الدعم السريع

تسير بنا الحافله في اتجاه منطقة (بتري) جنوب الخرطوم ، الارتكازات تملأ الطريق وفي كل واحد منها يطالبونا بهوياتنا واثبات الشخصية وهم يجهلون اننا اصبحنا بلا هوية منذ قدومهم الميمون ، فكيف لمن يعاني كل هذا الشتات ان تكون له هوية ، تجد الاسرة الواحدة مقسمة علي اربعة مدن او اكثر مابين داخل السودان وخارجه ، المهم ، في هذا الارتكاز فتح احدهم تلفون شاب يجلس بالمقعد الاخير ثم جرّه الي خارج الحافلة وبدا يوسعه ضربا ، فاقترب منه زميل له متسائلا ( ده مالو ) فرد الاخر وهو لا يتوقف عن الضرب ( تلفونو فيهو الانصرافي ) .
لم افهم ما الذي يضير الدعم السريع ان يكون هناك (فايروس) في تلفون الشاب لان الاخير وحده هو المتضرر من ذلك ، او ..هكذا كان تفكيري لمّا كنت لا اعرف المقصود بكلمة الانصرافي هذه قبل ان يخبرني جاري بالمقعد ان هذا هو لقب لشخص تافه يقيم خارج السودان ويحدث من هم بداخله عن الاوضاع الداخلية بالسودان وعن تفاصيل الحرب محرّضاً علي المزيد منها في وضعٍ مقلوب تماماً كما كل شئ في هذا الوطن الذي اقسم الّا يستقيم .
المهم . انتهت حفلة الضرب بالاستيلاء علي تلفون الشاب المسكين والسماح لنا بالتحرك مرة اخري ، ثم كان في الارتكاز الذي يليه ان دق تلفوني في اكثر وقت يفترض فيه ان يصمت ، فحاولت ايقافه بسرعة لفتت انتباه عسكر الارتكاز ليتحرك احدهم نحوي ويطالبني بالجهاز . سلمته له وفي بالي تجربة الشاب لم تزل ، فبدأ يتصفح بطمأنينة حسدته عليها قبل ان يسالني : ( المدخلك القروب بتاع السياسة ده شنو ) . لم ينتظر الاجابة بل طلب مني النزول وامر سائق الحافلة ان يتحرك فقد حصل علي صيده لهذا اليوم .
كنت سابقا اظن ان الارتكاز هو مجموعة الافراد الواقفين علي الطريق يفتشون الناس ويسالونهم عن هوياتهم ، لكن تبين ان ورائهم مكتب وبداخله معتقل صغير يسوقون اليه من يشتبهون فيهم من المارة ، دخلنا المكتب فكان اول ما وقع نظري عليه مجموعة من الشباب معصوبي الاعين ومقيدي الايدي والارجل يجلسون علي الارض ، كانت هناك امرأة ايضا بذات الصفات لكن بالجهة الاخري من المكان ، ويجلس علي مكتب شخص يبدو انه اعلي رتبة من الذي أتي بي ، ومجموعة اخري من الافراد . ( ده مالو .؟ ) سأل أحدهم زميله الذي لم يجب واكتفي بان دفع اليه تلفوني : ( كدي فتش التلفون ده ) ثم انسحب الي الخارج .
لم يجد الاخ الصديق بابكر سلك وقتاً انسب من هذا بالتحديد ليرسل اليّ فيه عموده ( في السلك ) لأرسله الي النشر ، فصفّر التلفون معلنا عن وصول رسالة في ذات اللحظة التي بدا فيها التفتيش ، فاطلت ( صلعته) البهية مستفزةً لمن كان يقوم بالتفتيش فقال لي ( ابو صلعة ده شكلو لواء في الجيش ) . كان الموقف يستحق الضحك ، لكني لم أجد الجرأة لأفعل ، فأكتفيت بان اقول له بل هذا عميد في حب المريخ ولا شأن له بالجيش ولا بالسياسة ، ولم يصدقني بطبيعة الحال حتي قرأ مضمون الرسالة .
واصل البحث في تلفوني وهو يتوعدني بمصير البؤساء الجالسون خلفه إن هو عثر علي ما يفيد بانتمائي الي الكيزان او الجيش ( وليس الفرق بينهما كبير ) ، لكن علي عكس ما كان يتمني فقد وجد كمّاً هائلاً من رسائل الذم والاساءات والاتهام بالخيانة من قِبَل من كان يتهمني بالانتماء اليهم قبل قليل ، فأمر باخلاء سبيلي دون تأخير .
في حياتي كلها لم يقدم لي اي كوز معروفا كما فعل هذا الغبي الذي ادمن توجيه الاساءات لي وتهديدي بالقتل ان لم اكف عن قول لا للحرب ، فاجد نفسي مرغما علي شكره فقد انقذني من حيث اراد ان يضرني .
خرجت من المكان وكل تفكيري في مصير اولئك الشباب ، وتلك المرأة التي لو كانت في زمان اخر وصرخت ( وامعتصماه ) لهبت اليها الجيوش لانقاذها . ولكنها بكل اسف كانت تنادي ( وا برهاناه ) وهو نداء سيطول ولن يحقق لها ما تريد .

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد