صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

النصري حتى لا يفقد (النخيل) شموخه

0

صابنها
محمد عبد الماجد
النصري حتى لا يفقد (النخيل) شموخه
​محجوب شريف كان في حيرة عندما طلب منه محمد وردي تغيير كلمة في أغنية (جميلة ومستحيلة)، لم تتوافق معه موسيقياً. كان شاعر الشعب يبحث عن كلمة يضعها بدلاً من الكلمة التي طالب وردي بتغييرها ـ ربما لم يكن مقتنعاً باستبدال الكلمة، ولكن عندما كان في حافلة متحركة من السوق العربي إلى أحد أحياء العاصمة الطرفية، كان ركاب الحافلة كلهم من مشجعي الهلال والمريخ العائدين من مباراة جمعت بين الهلال والمريخ، وكان الغلاط والجدل كبيراً بين ركاب الحافلة، أحدهم قال للآخر: (إنت جاي من وين؟)، ليرد عليه ساخراً: (أنا جاي من أقاصي الدنيا)، ليجد محجوب شريف الذي كان أحد ركاب الحافلة ضالته في كلمة (أقاصي) التي أهداها له ذلك المشجع، ويوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، وينزل محجوب شريف من الحافلة فرحاً وهو كأنه يردد على طريقة العالم والرياضياتي اليوناني أرخميدس، عبارته الشهيرة “وجدتها وجدتها” عندما خرج من الحمام بعد أن لاحظ أن منسوب الماء يرتفع عند انغماسه في حوض الاستحمام؛ أدرك حينها أن حجم الماء المزاح يساوي حجم جسمه، مما قاده إلى اكتشاف قانونه الشهير للطفو (مبدأ أرخميدس).
​الشاعر محجوب شريف وجد في فوهة مشجع ضالته وحقق لوردي رغبته عندما استبدل الكلمة المرفوضة بكلمة أقاصي، فكانت جميلة ومستحيلة: “من أقاصي الدنيا جيت وعلى رحالي”.
لولا هذا المشجع ربما ما كان محجوب شريف سيستجيب لوردي، وربما ما كان وردي سوف يغني (جميلة ومستحيلة) بكل الجمال الذي فيها.
​الشاعر حافظ عباس الذي كتب أغنية مصطفى سيد أحمد الشهيرة (والله نحن مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة ولا في إيدها جواز سفر)، استمد فكرة الأغنية من مطاردة كان قد تعرض لها الشاعر في السوق العربي من الشرطة أيام حكومة مايو عندما كان لا يحمل أوراقاً ثبوتية، ليتم جمع مجموعة كبيرة من الناس في استاد الخرطوم، فيخرج من عشب شيخ الملاعب السودانية أشهر أغنيات مصطفى سيد أحمد (والله نحن مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة ولا في إيدها جواز سفر).
​أي مبدع بعيد عن شغف كرة القدم ولا يتفاعل معها، أعتقد أنه ينقصه الكثير، وحراك المشجعين ومساطب المدرجات فيها الكثير من الأفكار والإبداع.. وهلال مريخ عندنا في السودان حياة، كفى أننا في هذه الحرب لم نعرف الفرح إلا من خلال المنتخب والهلال والمريخ.
وكفى أننا وسط كل هذه الخرافات والأحزان والدماء والأشلاء والرفات نتحدث عن الهلال والمريخ.
وكفى أننا نشاهد مباريات كأس العالم، نفرح ونزعل، رغم أن نفوسنا لم يعد فيها مساحة للفرح.
نحن قادرون على أن نصنع البهجة حتى من ركام الحرب.
هل هذا الذي أقوله لكم أو أكتب عنه يصلح كمقدمة لما أريد أن أتحدث عنه؟
ربما!!
سوف أحدثكم عن النصري.
هل يمكن أن تزور لندن ولا تحضر مباراة للأرسنال؟ وهل يمكن أن تزور ليفربول ولا تشاهد مباراة لليفربول؟
هل يمكن أن تزور إسبانيا ولا تحضر كلاسيكو الأرض الذي يجمع بين ريال مدريد وبرشلونة؟
كرة القدم لم تعد تسيطر فقط على الرياضة، كرة القدم أصبحت تؤثر على الاقتصاد والفنون، بل أضحت تؤثر حتى على السياسة.
هل طلعت من الموضوع؟
​الكلمة مسؤولية، أخشى كثيراً من أن أتجنى عبرها على أحد أو أظلم جهة بغير حق ـ الأكيد أني لست على حق في كل الانتقادات التي أوجهها، وأدرك أني قد أكون ظلمت كثيرين، فنحن نكتب منذ أن كان (أ) أسد شبلاً في اللفة، لكن عزائي أني إذا فعلت ذلك أفعله دون قصد وبنية سليمة ومن غير غرض أو أجندة خفية، ونقع بطبيعة البشر في أخطاء ليست في وجهات النظر فقط، أو في تقديرات غير سليمة، يمكن الوقوع في أخطاء في معلومة أو في خبر، أخطاء عن جهل، هذا يحدث كثيراً ولا أتحرج من ذلك ـ هنالك قصص كثيرة سوف أكتب عنها لاحقاً، الغريب أني عندما أقع في خطأ وإن كان ساذجاً أسعد لذلك، فهذا أمر يجعلني أكثر حرصاً من بعد ـ والأخطاء جميلة لأنها تشعرك بقيمة نفسك، وحجمك الحقيقي، (عشان ما تصدق روحك)، وهذا اعتذار مني للجميع.
​لا أطرح نفسي مصلحاً اجتماعياً أو مثقفاً أو مناضلاً، وهذا توضيح مني حتى لا يمنحنا البعض أكثر مما نستحق.. نحن حتى الصحافة أصبحنا نمارسها هواية فنحن نكتب من أجل الكلمة.. لم يعد يربطنا بالكتابة غير الهواية ونحن سعداء بذلك.
لا أقف كثيراً عند الإساءة الشخصية وأملك وقاية منها وأعتبرها أحياناً تكفيراً لنا فقد نكون أسأنا للبعض، ونحن لسنا ملائكة ونعمل في مهنة تستوجب منا أن نتقبل كل شيء، بما في ذلك الإساءة، حتى وإن وجهت لنا.
​لا غضاضة عندي إذا تعرضت لإساءة من أحد والجميع رأى أني أستحق ذلك.. علينا ألا نستغل أقلامنا من أجل أن ندافع عن أنفسنا.. ولا أحب التفسير أو التوضيح أو التبرير، نحن نقدم آراءنا ونكتب في النور ولا نفعل شيئاً في الظلام أو الخفاء، مهنتنا نمارسها في النور والعلن، وحتى أفكارنا الخاصة وخلجاتنا نعرضها للناس جهراً، لذلك الصحفي يجب أن تدافع عنه مواقفه وأفكاره وليس قلمه… عطفاً على ذلك فإني سعيد بكل فهم أو ردة فعل تكون نتاج ما أكتب، وجاهز لأن أدفع ثمن ذلك برضاء تام.. حتى وإن كان هنالك سوء فهم، أشعر أني مسؤول عن ذلك أيضاً.
​بعض الذين قد تسعدهم كتاباتي أقول لهم دائماً قد تجدون مني ما لا يسعدكم في الغد، نحن لا نكتب لإرضاء أحد.. لذلك لا تنتظروا منا أن نكتب لكم فقط من أجل أن نسعدكم.
لا أحب أن أخلق صداقات أو علاقات من خلال كتاباتنا حتى أضمن أن أقف على مسافة واحدة من الجميع، وفي العادة أقسو أكثر على من أحب.
نحن نكتب لقراء أكثر منا فهماً وعلماً، ونكتب في أمور هنالك متخصصون فيها، بل هنالك علماء فيها ونحن لا نفقه فيها كثيراً، لذلك نحن حريصون دائماً على أن نتعلم وأن نعتذر.. ما أكتبه ليس صحيحاً كله وقد يكون كله ليس صحيحاً، خذ منه ما تيسر.
​تواصل معي الحبيب آدم سيد أحمد (اللدوم) بلهجة الشايقية التي أحبها، لم أكن أعرفه قبل ذلك، وجدته يحمل عنا كل الحب، أشعرنا آدم بخطورة الكلمة وهو يوضح لي موقفاً كان غائباً عني مثل (هدهد سليمان)، وذلك عندما انتقدنا محمد النصري.
آدم سيد أحمد أحد أصدقاء النصري تواصل معي ليوضح الصورة، علماً أن آدم هلالابي متعصب.. وإن تواصله كان من وراء النصري الذي تجمعني به علاقة طيبة، وما كان تواصل (اللدوم) معي إلا لأنه شعر بالذنب تجاه النصري فهو كان وراء ذلك الحدث، والأكيد أنه فعل ذلك بدون قصد لذا أراد أن يوضح الموقف.
​أولاً عندما كتبت عن هذا الأمر ـ لم أكتب من أجل الهلال، وإنما كتبت من أجل النصري لأني أحب أن أرى النصري في الصورة التي أحبها له وفي المكان الذي يستحقه.. نقدنا للنصري بسبب حبنا له، أنا أعرف قيمة النصري الفنية وأعرف إنسانيته وما يقوم به في الخفاء وما يفعله من خير ـ نحن نعرف أن نقيم الناس جيداً ونعرف الصالح من الطالح والطيب من الخبيث، وأحسب أن الله ييسر لي في أحيان كثيرة أن أعرف بعض الأمور الخفية التي تجعلني أشهد لأصحابها من بعد.
​آدم سيد أحمد ذكر أن كل ما حدث كان بسببه هو، فقد اعتادوا على تلك المشاغلات والمشاغبات فيما بينهم كمجموعة من الأصدقاء والأهل الذين يجمعهم حبهم للنصري، وقد كان هدف فلومو سبباً في أن يستفزوا به النصري الذي أغضبه الهدف كثيراً وتسبب حتى في أن يمنعهم من الدخول إلى بيته بسبب ما فعلوه فيه، وكانوا هم السابقين للإساءة لشعار المريخ دون أن يكون قصدهم ذلك، فتلك مداعبات تحدث بين الهلالاب والمريخاب حتى في البيت الواحد، لذلك رد النصري بنفس الطريقة، غير أن اسم النصري كان سبباً في تضخيم الحدث، والأكيد أن هنالك من كان يتربص بالنصري فعمل من أجل الصيد في الماء العكر، وإن كنا نرفض ذلك من النصري لأنه فنان، إلا أننا في نفس الوقت ندرك أن الفنان في النهاية إنسان ويمكن أن ينفعل ويغضب، خاصة في كرة القدم، وقد كان ذلك التصرف من النصري في حدود ما حدث له في محيط مجموعة تحدث بينها مثل هذه المشاغبات، اللدوم أوضح لي أن صفحة النصري تلك التي أثارت هذه الضجة صفحة محدودة للمقربين من النصري والأصدقاء، وإن الأمر كله كان في محيطهم الخاص.
​مواقع التواصل الاجتماعي البعض قد ينظر إلى ضرورة الحذر من التعامل معها وأن تكون بعيدة عن الانفعالات الشخصية، ولكن في الحقيقة أن مواقع التواصل الاجتماعي دخلت في كل تفاصيل حياتنا وأصبحت تعكس حتى الأنفاس والأمور الخاصة، خاصة بالنسبة للنجوم، وصفحة النصري نقلت عنه انفعالاً وقتياً لم يكن يقصد منه كل ذلك، وما يجمع النصري بالهلال الكثير مع كامل احترامنا لمريخية النصري ولهواه الشخصي لحامل الكاسات المحمولة جواً.
العلاقة بين الهلال والمريخ يمكن أن تنحدر وأن تظهر فيها بعض السلبيات، لكنها في النهاية تبقى علاقة جميلة، يفترض أن تقوم على الاحترام.
أنظر إلى أي مبدع نظرة وطنية، والنصري عندي قيمة كبيرة، بل قيمة وطنية، وأحرص دائماً على أن أنتقد من أحب، لأني أحسب أن القدح للنجم أفضل من المدح.
هذا الأمر أثق أن النصري لن يقف عنده كثيراً، أعتقد أنه سوف يخرج منه بالمزيد من الحب، مثل هذه المواقف تزيدك قوة وتمنحك قدرة أكبر على التحدي.
أقول كثيراً، الذين يظنون فيك الظن السيئ هم الخاسرون، لأنهم سوف يصطدمون بخيبة ظنهم.
​أما الحبيب آدم سيد أحمد من مروي شرق فقد سعدت بتواصله معي وتوضيحه لبعض الأمور التي كانت غائبة عني، وها أنا ذا أوضح الموقف وأتفهمه منه، وسنكون مع النصري في كل خطواته ومشاريعه الفنية وما زلنا ننتظر منه الكثير، وكل ما حدث كان في إطار انفعال المباراة.. وهو تأكيد على تأثير الهلال والمريخ وحب الناس لهما.
خلاصة الكلام أن النصري فعل ذلك في إطار المداعبات ولم يقصد الإساءة بالمعنى الذي كتبنا عنه.
وما يجمعنا أقوى وأجمل مما يفرقنا ـ الخلاف بين الهلال والمريخ هو من أجمل ما عندنا.
أرجو أن لا تفهموني غلط.. نحن بنحاول من خلال هلال مريخ أن نتعلم أجمل قيم الحوار والديمقراطية والذوق والفهم وهي أن نتقبل الآخر.
ما بيني والمريخاب الكثير من الود والتقدير، ما يحدث في مواقع التواصل الاجتماعي لا أعرفه ولا أقف عنده، ولا يهمني كثيراً، لكن ما يحدث بيننا في الشارع وفي المناسبات والبيوت والأحياء فيه الكثير من الود.. أو قل الكثير من الاحترام، ممكن أن تجد من يشوف العمى وما يشوفك.. نحن نقدر حتى ذلك.
هم لا ينافقونني وأنا لا أتملق لهم ـ والتمهيدي ما بيناتنا.
…..
متاريس
النصري فنان جميل.. لكن قبل ذلك هو إنسان لذلك هو بهذا الجمال.
نحن لا نبحث عن التقديس للهلال والمريخ ولا نطلب ذلك حتى من المنافسين ولكن ننشد الاحترام المتبادل.
ننفعل.. نغضب.. نخرج أحياناً عن النص، ولكن في النهاية يبقى بيننا الود.
السياسة فرقتنا.. لا تجعلوا الرياضة أيضاً تفرقنا، خاصة أن الرياضة في العالم كله تجمع ولا تفرق.
في السودان هذا إن لم نتجاوز الصغائر فلن نمشي لي قدام.
تجاوزوا مراراتكم ولا تجعلوا منها مرارات وطن أثخنته الجراح.
….
ترس أخير : ويبقى النخيل نخيلاً.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد