العمود الحر
عبدالعزيز المازري
الوصيف وأحلام زلوط… ديكٌ يحلم بالقمم وريشٌه ما زال في المنتصف
*(من “أحلام زلوط” إلى “أحلام الوصيف” الديك ينام على وهم البطولة)*
*الوصيف وأحلام زلوط… ديكٌ يركض خلف قمة لا تُرى أو كما يمكن تسميتها اليوم بلا تجميل: “أحلام الوصيف”
*فالتاريخ لا ينسى الديك “زلوط” الذي كان يحلم بجناحين لا يملك حتى ريشهما، ثم يستيقظ على حقيقة واحدة: أنه ما زال في نفس الحظيرة، لكن بصوت أعلى فقط
*وهكذا هي بعض الأحلام بلا سقف… تتحول من أمنيات إلى نكات لطيفة على هامش الواقع
*“ظلوط” هو ديك للحاجة (أم الحسن)، وقد سمي بذلك الاسم من فرط تعب وضعف جسده وريشه المنتوف وجلده المزلط
*وقيل إن زلوط كان ينام واقفاً على حبل مشدود بعرض الغرفة الوحيدة التي تسكنها أم الحسن
*وفي يوم من الأيام حلم زلوط كما يحلم النائم أنه أصبح ديكاً وسيماً، وأصبح زوجاً لدجاجة جميلة تمشي الهويني أمامه هي وسواسيوها أي كتاكيتها الصغار
*ورأى في ذات الحلم أن نسراً كبيراً همّ باختطاف أحد أبنائه، فهجم مدافعاً حتى وقع على رأس الحاجة أم الحسن التي صحت من نومها مفزوعة وضربته ونتفت ما تبقى له من ريش
*ليدرك زلوط أن ذلك لم يكن سوى حلم، ومن هنا جاءت عبارة “أحلام زلوط”
*وغنت جماهير الوصيف متحسرة ومتغنية: يا ريت الحلم يمتد تطول لحظاتو حتى النوم يزيد يطعمنا من لذاتو كم من صاحي فاق اتكدر في ساعتو ديك أحلام وهم زلوط وبي رويشاتو
*قصة زلوط التي علقت في ذاكرة السودانيين لم تكن مجرد حكاية ديك منهك الريش، بل كانت درساً مبكراً في أن الحلم لا يكفي إن لم تسنده أقدام واقفة على أرض صلبة
*لكن بعض الأحلام تتضخم أكثر من اللازم وتبدأ في المشي على الهواء ثم تصطدم بالأرض عند أول اختبار*
*من الطبيعي أن ينشغل الناس ببطولة النخبة وما يدور فيها من أحداث ومفارقات… بطولة تُلعب برجالة ساكت وبإمكانات محدودة لكنها تكشف من يلعب كرة ومن يلعب على التفاصيل خارج الملعب
*الهلال حين خرج إلى موريتانيا ورواندا لم يكن مجرد فريق ضيف، بل كان سفير كرة قدم فتح أبواباً لدوريات كانت تبحث عن اعتراف ومنحها ما لم تحلم به من حضور
*لكن الغريب أن من يصنع هذا الحضور خارجياً لا يجد من اتحاده حضوراً داخلياً يوازي حجمه
*اليوم المنافسة ليست في القدم فقط بل في ما يدور حولها من أخطاء وتحركات ورسائل مشفرة، والهلال شئنا أم أبينا أصبح في قلب مشهد تتداخل فيه الصافرة مع الحسابات
*بيان الهلال الأخير كان واضحاً جريئاً ومباشراً، لكنه لا يزال بداية كلام لا نهايته، فالبيانات مهما كانت قوية لا توقف صافرة منحازة ولا تعيد حقاً ضاع في زحمة الصمت
*الأمر لا يتعلق بالأهلي مدني أو غيره من الأندية، فكل نادٍ حر في تاريخه وقراره، لكن المشهد أقرب إلى تحالف مصالح غير معلن تبدأ معه الأسئلة في الظهور بلا استئذان
*ووجود حازم القنصل على رأس الأهلي مدني مع ما يُعرف من انتماءات وتقاطعات يجعل البعض يقرأ المشهد لا بعين الرياضة بل بعين السياسة الكروية الرمادية
*وليس بعيداً عن ذلك تظهر مواقف أخرى تزيد المشهد ضبابية، حيث تتحول بعض البيانات إلى ما يشبه رسائل في بريد الوصيف أكثر من كونها دفاعاً عن نادٍ بعينه
*المشكلة ليست هنا وهناك، المشكلة أن الهلال ترك فراغاً في المساحات التي لا تُرى داخل الملعب فدخلها غيره بسهولة، وفي كرة القدم من يترك المساحة يُهزم حتى لو كان الأفضل
*في السنوات الماضية كان الهلال حاضراً في كل التفاصيل وكان الخصم يكتفي بالركض خلفه، أما اليوم فقد تبدلت الأدوار حضور أقل للهلال وضجيج أكثر للآخرين
*وهنا تبدأ القصة التي لا تُحسم بالأقدام وحدها، بطولة النخبة لن تُحسم لمن يملك الفريق فقط بل لمن يملك إدارة حضور داخل وخارج المستطيل الأخضر
*ومن يظن أن الكرة تُلعب داخل الخطوط فقط سيكتشف متأخراً أن الخطوط نفسها تُرسم أحياناً خارج الملعب
*جماهير الهلال بدأت تشعر أن ما يحدث ليس مجرد منافسة بل إحساس متراكم بالاستهداف، وهذا أخطر من أي خسارة لأنه يتحول إلى قناعة
*الهلال يملك القوة والجماهير والتاريخ، لكن القوة بلا حضور إداري واعٍ تشبه ديكاً مثل زلوط يحلم بالقمة بينما القمة تحتاج من يعرف طريقها لا من يكتفي بالحلم بها
*كلمات حرة*
*الأحلام لا تُلغى لكنها تحتاج من يصحو قبل فوات الحلم
*زلوط لم يكن المشكلة، المشكلة في من ظن أن الحلم وحده يكفي للطيران
*الكرة لا ترحم الغائبين عن تفاصيلها حتى لو كانوا كباراً
*كلمة حرة أخيرة*
*في زمن تتداخل فيه الأحلام مع الواقع، يبقى الفرق بين الهلال وغيره أن الأول مطالب دائماً بأن يكون يقظاً، لأن أحلام زلوط لا تُصنع فقط في النوم بل أحياناً في اليقظة أيضاً


