صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

مهند الطاهر والهدف الثاني

4

صابنها
محمد عبد الماجد
مهند الطاهر والهدف الثاني
كثيراً ما ذكرت أنّ نُضْجَ عثمان حسين الفني وجمالَ أغنياته ناتجٌ عن أنّ عثمان حسين غنّى للحب الثاني ، بشكل واضح وصريح وبدون مُواراة ، ودي منطقة لعب فيها أبو عفان وحده ، بأغنيات مثل حبات اللؤلؤ. وردي غنى للهوى الأول ، وزيدان إبراهيم غنى “آخر حب وأول” ، وعبدالله محمد غنى “حبيبنا الأولاني” والتي إشتهر بها محمود عبد العزيز، أما عثمان حسين فقد غنى دون كل الفنانين للحب الثاني وهو حب أكثر نضجاً ووعياً، الحب الأول فيه شيء من الطيش والاندفاع والتهور والخوف والتردد “وخطاباتي البوديها تقول لا بتمشي لا حاجة” ـ الحب الثاني هو الاختيار الحقيقي لك لأن العقل حاضر فيه ، والرؤية واضحة ـ الحب الأول يمكن أن ينتج بسبب الظروف والاختيارات المحدودة والفطرة الطبيعة ، ودائماً “بنت الجيران” هي بطلته ـ للحب الأول جمالياته لآنه الأول ، ونحن حتى الفشل في الحب الأول عندنا جميل ـ الحب الأول أكثر خلوداً ، حتى وإن أصبح ذكرى ـ الذكريات تملك قدرة على العيش والبقاء والخلود أكثر من الأثر والواقع المعاش … وأية حاجة عندنا تصبح حلوة وجميلة ، عندما تصبح ذكرى ، حتى وإن كانت مؤلمة أو فاشلة ، أو قاسية ، نحن أمة نعيش في الماضي ، والأخطر من ذلك أننا نعيش على الماضي ، ويدعم ذلك أننا أمة ماضيها أقوى من حاضرها.. حاضرنا حروب وأزمات ومشاكل ، حتى على المستوى الأخلاقي والثقافي هنالك تراجع مخيف.
الغريبة التكنولوجيا في العالم كله بتتقدم وتتطور من يوم للتاني ـ نحن الدولة الوحيدة الفيها التكنولوجيا عندنا ماشى متدهورة ومتراجعة.
اشْرَحْهَا ليكم ـ لو بتصبروا ، خلوني اشيل نفسي.
بنكك في الماضي أفضل من “بنكك” اليوم.. يعني بدل ما يحصل تقدم ، حصل تخلف.
زمان مشكلتك في السودان بتكون إذا كان ما عندك قروش ـ هسه لو ما عندك مشكلة ، ولو عندك مشكلة.
التحويلة بقت أصعب من التحويشة.
إنك تدخل قروش أسهل عندنا من إنك تصرفها!!
تلفزيون السودان ، قبل سنوات ، أيام حمدي بدرالدين ومتوكل كمال وفريد عبدالوهاب أفضل من التلفزيون اليوم ـ العالم كله ماشي متقدم إلا السودان.
الإذاعة أيام أحمد سليمان ضو البيت وليلي المغربي ونجاة كبيدة كانت أفضل من الإذاعة اليوم.
هو نحن الأيامات دي عندنا إذاعة وتلفزيون؟
هل الحب الفاشل أكثر خلوداً من الحب الناجح؟ .. التاريخ خلّد لنا الحب الذي فشل ـ عبلة وعنتر .. وقيس وليلي .. وكثير وعزة وتاجوج والمحلق .. ومع أن المحلق تزوج من تاجوج في القصة الشهيرة في تراثنا الجميل إلا أن الحب أودى بهما إلى الانفصال.
حتى على مستوى الادب ، المسرح الانجليزي قدم مأساة روميو و جوليت.
وكما يقال الحزن أكثر تأثيراً من الفرح ، فإن الفشل أقوى من النجاح ـ قد تنسى الأشياء التى نجحت فيها ، لكن لن تنسى الأشياء التى فشلت فيها.
أطهر الطاهر سجل في مازيمبي وسجل في الأهلي المصري وسجل هدفاً جميلاً في النجم التونسي ، ولكن الناس يذكرون له فقط ضربة الجزاء التى أهدرها أمام صن داونز.
يمكن تنسى الجميل ، لكن لو في زول أساء لك أو جرحك ، عمرك كله ما بتنساه ، ويتكون شائلها معاه وفي “الضلمة” تحدر ليه.
لذلك الحب الفاشل أبقى من الحب الناجح وأقوى ، والحب الأول أخذ مكانته من فشله.
مع ذلك يبقى الحب الثاني الأوفرُ نجاحاً، والأكثرُ امتلاكاً لمقومات الحياة والاستمرار رغم قسوة الظروف.
الحب الثاني ينتج بعد تجربة فاشلة ـ لولا فشل الحب الأول لما وصلت للحب الثاني ، لذلك انت تأتي للحب الثاني بعد تجربة ، وتمتلك في الحب الثاني خبرات عاطفية ، سابقة ـ الأشياء التى فشلت فيها دائماً بتبقى عندك مستحيلة ، لذلك تنظر لها على أنها أشياء عزيزة في حياتك ، هذا مع إمكانية فشل الحب الثاني أيضا ليكون أَكْثَرُ عِزَّةً وَأَعْنَفُ أَثَرًا ، وهذا ما نجده في أغنيات عثمان حسين.
إحسان عبد القدوس لخص الحكاية بصورة أكثر إيجازاً عندما قال : «لا يوجد شيء اسمه حب أول، بل يوجد حب حقيقي وحب غير حقيقي.. الحب الأول غالباً تجربة نمر بها لنكتشف أنفسنا، والفرق بين الحب الأول والحب الأخير كالفجر والشروق؛ الفجر يريك الأشياء، أما الشروق فهو الذي يريك إياها بوضوح ودفء.».
ونحن نتفق على ذلك لكن لا ننكر وجود الحب الأول.
الحب الأول عند إحسان عبد القدوس وهم… ويمكن أن نحسب ذلك للحب الثاني ، لأن إحسان عبد القدوس أنكر الحب الأول.
غنى عثمان حسين للحب الثاني في أغنية “كل لحظة” من كلمات حسين بازرعة (في حياتي قبلك أنت عشت قصة حب قاسية لسه ما زالت في قلبي ذكرياته المرة باقية لما هلبت في وجودي وقلت بيك سعادتي باقية.. لكن انت هدمت املي بعد عشرة نبيلة سامية).
دي قصة حب ثانية واعتراف واضح .. ليس لنا نحن فقط ، بل للمحبوبة الثانية أيضا ـ شوف صراحة بازرعة … وحسين بازرعة هو شاعر الموقف العاطفي في تاريخ الفن والأغنية السودانية.
بازرعة في تقديري هو أكثر شعراء الأغنية السودانية وفاءً وإخلاصاً ـ الحتة دي لازم تقيفوا عندها ، ما تمروا فيها ساكت ، يؤكد كلامي هذا أن حسين بازرعة ظل يذكر حبه الأول ويقف عنده حتى وهو في رحاب محبوبته الثانية ـ إخلاصه جعله لا ينكر حبه السابق وهذا شيء لا يحدث عند الشعراء ـ هم دائماً في حالة نكران للحب السابق.
وبازرعة عاش لحبه ـ لم يتزوج ، كان قدر كلماته التى تغنى بها مجموعة من الفنانين ـ بازرعة غنى ليه التاج مصطفى “يا عازف الأوتار” وغنى ليه عبدالعزيز محمد داود “صبابة” التى يقول مطلعها :(عجباً يقول الناس إنك هاجري) وهي من أجمل أغنيات عبدالعزيز محمد داود ، وغنى له كذلك الأغنية الخفيفة “الفرقة من بكرة حليلها الأصبحت ذكرى” ، هذا إلى جانب ثنائيته مع عثمان حسين والتى لا تجارى.
أغنية “صبابة” من كلمات بازرعة وألحان برعي أحمد دفع الله وغناء أبوداود وهي تعتبر من روائع الغناء السوداني :
عَجَبًا! يقول الناس إنك هاجري
وأنا الذي ذوبت فيك مشاعري
سبحت باسمك والنجوم سوامري
حتى بكى قلبي بدمع محاجري
قل لي بربك كيف تنسى الموعدا؟
والليل أحلام… وشوق غردا
والجدول الهيمان حولنا عربدا
كانت ذراعاك لرأسي مرقدا
عجباً أتنساها وتنسى المشهدا؟
أنسيت أنك في شعوري وفي دمي؟
مهما بعدت وزاد منك تألمي
سأعيش بعدك راهباً في مأتمي
وتعيش أبداً ذكرياتك في فمي
ما دام حبك يا حياتي ملهمي
كيف تكون الروعة إن لم تكن كذلك؟
في اغنية “بعد الصبر” لحسين بازرعة الحب الثاني مثبت ومعلن عنه صراحة:
كلّ واحد ليه في تاريخو ماضي
أيّ ماضي؛ وليه ذكرى حب قديمة
وأنت عارف لمّا اخترتك حبيبي
كان في قلبي جرح يندي بالهزيمة
لكن أنت صرت أغلى حب عندي
وكنت راضي معاي بظروفي الأليمة
كنت راضي بالشقا البتبع خطاي
والمآسي المرّة في طفولتي اليتيمة
ما في أكتر من كدا ، اعتراف واضح وصريح والاعتراف سيد الأدلة.
لذلك أغنيات عثمان حسين فيها ذلك النضج والوعي ، والخبرات العاطفية الكبيرة ، هي ليس مجرد انفعالات أو حب أول عابر.
يمكنك أن تسأل الآن ـ الزول دا بكتب عن الحب الثاني ليه؟
يا زول مالك عاوز تهيج علينا المصران؟ ـ في ناس لو جبت ليهم سيرة “أمل كتبت وبدر قرأ” مصرانهم بقوم عليهم.
في الحقيقة أنا بكتب عن مهند الطاهر لذلك اكتب بحب .. ومهند الطاهر لا تستطيع أن تكتب عنه إلا بحب ،وأكتب عن الحب الثاني لأني أكتب عن الهدف الثاني ، وفي ذاكرتي وكراساتي القديمة أن مهند الطاهر في الهلال دائماً كان يسجل الهدف الثاني ، والهدف الثاني للهلال عندي ليه معزة خاصة ، لأن الهدف الثاني بخليك تقعد في المباراة بي مزاج ـ تشرب شايك وقهوتك وتخش الفيس، من غير توتر أو خوف ، عندما يكون الهلال متقدم بهدف وحيد أو بفارق هدف ، المباراة ما بأخد ليها طعم وبكون قاعد على أعصابي ، دا لو قعدت أصلاً ـ ممكن أكون حائم المباراة كلها.
لا أنسى مرة ونحن في صحيفة الأحداث ، كان الهلال يلعب أمام الأمل في عطبرة ، ومباريات القمة في عطبرة كانت مباريات ضرب نار. اذكر إني كنت حائم في نواحي شارع البلدية بالقرب من مكاتب صحيفة الأحداث ، وبينما أنا هائم على شوارع مظلمة لقيت الرشيد علي عمر ، كان عندهم مكتب هنالك ، ومع إني أظنه برضو كان غالبها القعدة ، إلا أنه بشرنا وقال الهلال جاب قون.
ومرة هربت من مباراة القمة إلى سينما مول عفراء ، فقد كانت سينما عفراء تقدم أحدث الأفلام العربية تزامناً مع نزولها لدور العرض في مصر.. المفاجأة إني وجدت في سينما عفراء الراحل صلاح ميليشيا (إلا الهلال) والذي كان أيضاً هارباً من المباراة ، غير أن ميلشيا كان شائل تلفونه ومتابع المباراة ـ لا أنسى يومها أنه بشرني بفوز الهلال على المريخ بهدفين دون رد ـ وهي المباراة التى سجل فيها للهلال ريتشارد وقودوين.
طلعت من السينما لقيت الدنيا مقلوبة بانتصار الهلال.
مهند الطاهر في الهلال كان دائماً يخليني نقعد للمباراة وبشيل مننا التوتر والخوف ، وذلك لآن مهند الطاهر كان بسجل الهدف الثاني.
كان متخصصاً في الهدف الثاني.
والهدف الثاني نحن عندنا أهم من الهدف الأول.
المباراة التى تنتهي بفوز الهلال بهدف وحيد غير إنها بتحرق لينا أعصابنا ما بنعرف ليها حاجة.
لذلك حتى وقتي هذا بشعر أن أهداف الغزال فيها الثقة والطمأنينة… أهداف فيها “كرت ضمان” بالفوز.
فيها متعة وجمال وروعة … وهذه صفات لا يمكن أن تجتمع إلا في الهدف الثاني ، لذلك كتبت وشبهت الهدف الثاني بالحب الثاني.
زمان نحن كنا ما بتقعد لينا في مباراة للهلال ، إلا بعد أن نسمع الرشيد بدوي عبيد يقول : مهند الطاهر والهدف الثاني للهلال.
الهوبة في الراديو كنا بنشوفها.
وقعت ليكم ، وإلا اقوم أشرح ليكم من أول وجديد.
يا جماعة أنا من الصباح بقول في شنو؟
…..
متاريس
وعكة صحية أبعدت الزميل محمد إبراهيم كبوتش من الكتابة ، وهو أحد أقلام الهلال التى لا تهادن.. افتقدنا كبوتش ، عودة سريعة أن شاء الله .. وربنا يكتب ليه الشفاء ويبلغه الصحة والعافية.
كبوتش من الذين لهم فضل على الكثيرين في الإعلام الرياضي.
الزميل ياسر عائس يمثل دائماً عندي رشاقة المفردة وأناقة العبارة ـ وحده عائس يكتب ويلحن ويغني … ليس هنالك مقال أكثر رصانة من مقال ياسر عائس.
اختيار عائس رئيساً للجنة القانونية في الاتحاد العربي للاعلام الرياضي هو إرتقاء للمنصب.
الخطر الحقيقي الذي يهدد المنتخبات السودانية هو اتحاد كرة القدم السوداني.
….
ترس أخير : الكهربة جاءت ما عرفناها … شكلها اتغير شديد… جاءت ومشت ما في زول عرفها.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد