من أسوار الملاعب | حسين جلال
هزيمة مُذلّة.. يتحمل مسؤوليتها اتحاد الكرة والإطار الفني
على ذات السيناريوهات التي ظلت تطارد الكرة السودانية، تلقى منتخبنا الوطني خسارة ثقيلة برباعية أمام موزمبيق، في نتيجة موجعة لم تكن وليدة تسعين دقيقة فقط، وإنما جاءت بعد سلسلة من الأخطاء الإدارية والفنية التي سبقت المباراة وظهرت آثارها بوضوح داخل الملعب.
الخسارة مؤلمة، ليس فقط بسبب الأهداف الأربعة، وإنما لأن المنتخب دخل مواجهة مهمة في ظروف لا تتناسب مع حجم الاستحقاق؛ إعداد غير كافٍ، إرهاق واضح، واضطراب في وصول البعثة، مع التحاق بعض عناصرها قبل وقت قصير من المباراة. وعندما تبدأ المباراة بهذه الظروف، يصبح الحديث عن التركيز والجاهزية البدنية والذهنية أمراً بالغ الصعوبة.
البداية كانت ممكنة.. ثم جاء الانهيار
رغم النتيجة الكبيرة، لم يكن المنتخب السوداني بعيداً عن المباراة في بدايتها. سنحت له فرص كان من الممكن أن تغير شكل المواجهة تماماً لو أُحسن استثمارها.
أضاع موسى كانتي فرصة ثمينة، كما لم ينجح روفا وعامر عبدالله في الاستفادة من بعض المساحات التي ظهرت في دفاع موزمبيق. وكان بالإمكان وضع المنافس تحت ضغط حقيقي لو جاء الهدف السوداني مبكراً.
لكن كرة القدم لا ترحم من يهدر الفرص، خصوصاً عندما يقابل ذلك بأخطاء دفاعية متكررة.
بعد إضاعة تلك السوانح، تحولت المباراة تدريجياً لمصلحة موزمبيق، وبدأ المنافس في اكتشاف مناطق الضعف واستغلالها بفاعلية.
الجبهة اليمنى.. ثغرة مفتوحة
إحدى أبرز مشكلات المنتخب ظهرت في الجبهة اليمنى، حيث عانى شادي برقان في التغطية والتمركز والتعامل مع مواقف الواحد ضد واحد.
أدرك المنتخب الموزمبيقي وجود المساحات في تلك المنطقة وبدأ في توجيه هجماته إليها، فتحولت إلى مصدر خطورة مستمر، خاصة مع ضعف المساندة القادمة من وسط الملعب.
المشكلة لم تكن مسؤولية لاعب واحد فقط؛ فالمنظومة الدفاعية تحتاج إلى تغطية جماعية، وعندما يتأخر الوسط في الارتداد يصبح الظهير مكشوفاً أمام تحركات أكثر من لاعب.
أين كان وسط الملعب؟
هنا كانت إحدى أكبر أزمات المنتخب.
لم ينجح عمار طيفور ووالي الدين بوغبا في فرض السيطرة المطلوبة على منطقة المناورة، وغابت السرعة في الضغط والارتداد بعد فقدان الكرة، فحصل المنتخب الموزمبيقي على المساحة والزمن اللازمين لبناء هجماته.
كان المنافس يستطيع نقل الكرة من مناطقه الخلفية إلى الوسط ثم الثلث الهجومي بدرجة من السهولة لا ينبغي السماح بها في مباراة بهذا المستوى.
كما دفع المنتخب ثمناً باهظاً للأخطاء الفردية، وكان فقدان بوغبا للكرة في إحدى اللقطات التي سبقت الهدف الثالث نموذجاً واضحاً لما يمكن أن يفعله غياب التركيز في مثل هذه المواجهات.
هجوم بلا أنياب
في المقدمة، لم يقدم الثلاثي محمد عيسى وموسى كانتي وعامر عبدالله المردود المنتظر، سواء في الضغط على دفاع المنافس أو في استثمار الفرص.
روفا أيضاً لم يظهر بمستواه المعتاد، وبدا أن الإرهاق وظروف السفر أثرا في مردوده.
وحاول الجهاز الفني التدخل بالتغييرات، فشارك صلاح عادل وياسر مزمل ويسن حامد، لكن المباراة كانت قد أخذت اتجاهاً صعباً، قبل أن يسجل يسن هدف السودان الوحيد من علامة الجزاء.
أبياه يتحمل نصيبه من المسؤولية
الجهاز الفني بقيادة كواسي أبياه لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية.
الاختيارات، توزيع الأدوار، التعامل مع نقاط الضعف أثناء المباراة، والتدخل بالتغييرات، كلها ملفات تستحق المراجعة بعيداً عن المجاملات.
ليس المطلوب البحث عن لاعب واحد لتحميله الرباعية؛ لأن ما حدث كان فشلاً جماعياً في المنظومة. عندما يفشل الوسط في حماية الدفاع، وتُترك الأطراف مكشوفة، ويغيب الضغط على حامل الكرة، ولا تُستثمر الفرص في الجانب الآخر، تصبح الخسارة نتيجة منطقية مهما اختلفت الأسماء.
والاتحاد في مقدمة المسؤولين
لكن المسؤولية لا تبدأ من أبياه ولا تنتهي عند اللاعبين.
الاتحاد السوداني لكرة القدم يتحمل مسؤولية إدارية مباشرة عن توفير الظروف المناسبة للمنتخب قبل المباريات الرسمية.
منتخب يمثل السودان في استحقاق قاري يحتاج إلى برنامج إعداد واضح، وترتيبات سفر مستقرة، ووصول مبكر، وتجهيز بدني وفني يليق بأهمية المنافسة.
لا يمكن مطالبة اللاعبين بأفضل مستوياتهم بينما يصل بعضهم مرهقاً، ولا يمكن مطالبة الجهاز الفني بصناعة منتخب قوي إذا أصبحت الأزمات التنظيمية جزءاً متكرراً من المشهد.
السنغال.. والامتحان الأصعب
المؤلم أن الوقت المتاح لمعالجة الأخطاء محدود، والمواجهة المقبلة أمام السنغال ستكون أكثر تعقيداً.
إذا أراد المنتخب استعادة توازنه، فالمطلوب ليس مجرد تغيير بعض الأسماء. المطلوب معالجة الخلل في التغطية الدفاعية، تقارب الخطوط، سرعة الارتداد، الضغط على حامل الكرة وتقليل الأخطاء الفردية القاتلة.
والأهم استعادة الحالة النفسية للاعبين سريعاً، لأن آثار الخسارة الثقيلة قد تكون أخطر من الخسارة نفسها إذا انتقلت إلى المباراة التالية.
الخلاصة
موزمبيق استفادت من أخطائنا، ونحن دفعنا الثمن كاملاً.
أضعنا الفرص، فقدنا معركة الوسط، انكشفت الأطراف، ارتكبنا أخطاء فردية قاتلة، ولم تنجح تدخلات الجهاز الفني في تغيير مسار المباراة.
الهزيمة برباعية ليست نهاية الطريق، لكنها إنذار شديد لا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد يوم سيئ.
وإذا أردنا الحديث بوضوح، فإن المسؤولية موزعة بين إدارة لم توفر الإعداد المثالي، وجهاز فني أخفق في بعض اختياراته ومعالجته للمباراة، ولاعبين لم يقدم عدد منهم المستوى المطلوب بقميص المنتخب.
أما الجمهور السوداني، الذي أنهكته الحرب والشتات، فمن حقه أن يرى منتخباً يقاتل من أجل إسعاده، ومن حقه قبل ذلك أن يرى كرة سودانية تُدار بما يليق باسم السودان.
رباعية موزمبيق يجب ألا تمر كرقم في سجل النتائج.. بل يجب أن تكون جرس إنذار حقيقياً قبل أن يصبح إصلاح ما تبقى أكثر صعوبة.


