صابنها
محمد عبد الماجد
التين والزيتون ولالوب بلدنا
في الأيام الماضية تداولت الوسائط الإعلامية تصريحات تلفزيونية للاعب الهلال السابق والمدرب والكابتن الشهير شوقي عبد العزيز قال فيها إن الهلال والمريخ لن يحققا بطولة إفريقية إذا لم يكن قوام القمة السودانية من اللاعبين الوطنيين وأن يكون ذلك بقيادة فنية للمدربين السودانيين.
وهذا لعمري يعني أن نفارق البطولات الإفريقية فراق الطريفي لجمله.
أشهر تعريفات الدكتور كمال شداد الإداري المعروف واللاعب والمدرب السابق أنه أطلق على المدربين السودانيين (ناس زعيط ومعيط)، وهذا كلام يحققه أن الدخيري الزين أو الزين الدخيري أصبح مدرباً الآن وهذا أعلى معدل تطابق وتوافق يمكن أن يصل له تعريف (ناس زعيط ومعيط) لواقع الكرة السودانية المتأزم.
الدكتور كمال شداد بخبراته الطويلة وعلمه وسودانيته الجميلة، مع انتقاده للمدرب السوداني والتقليل منه وهو الذي قاد الهلال لنهائي دوري أبطال إفريقيا في 1987م وصف اللاعب السوداني في إحدى أشهر المجلات العربية بأنه (مخزن للأمراض) وقد قصد شداد أن يشخص مشكلة الكرة السودانية وهو يتحدث عن المدرب واللاعب السودانيين فكيف لشوقي عبد العزيز أن يحلم بتحقيق البطولات الإفريقية بهذه العناصر أو تلك “الأزمات” حسب وصف الدكتور كمال شداد.
وكفى قبل أن ندخل للغريق ونرد على الكابتن شوقي أن نقول إذا كان المريخ بـ18 لاعباً أجنبياً، (تم تجنيس 6 منهم) وبجهازين فنيين أجنبيين ومعسكرات خارجية يصرف فيها المريخ صرف من لا يخشى الفقر يخرج من الدور التمهيدي، كيف كان سوف يكون وضع المريخ إذا شارك بدون هؤلاء الأجانب؟ الأكيد أننا كنا وقتها لن نسمع بالمريخ إلا عند الدخيري قيت أو الدخيري مكتب، أو في الدورات الرمضانية.
ومع احترامنا الكبير للكابتن شوقي عبد العزيز وتقديرنا لحميته تلك ونصرته للمنتج الوطني في الرياضة السودانية نقول له إن الرياضة في العالم تحررت من تلك النظرة التي تجعل النشاط والمنافسات مرتبطة بالجنسية، وأحسب أن هذه الرؤية تتوافق مع الدعوة الإنسانية لإسقاط الجنسية واللون واللغة في المنافسة والسباق على التميز لأن القياس أصبح يقوم على الجودة والكفاءة والموهبة والعلم والدراسة والخبرة، هذا شيء أصبح يطبق في كل المجالات وليس في الرياضة وحدها.
موهبتك في الأشياء التي تتعلق بالإبداع هي التي تقيمك، وليس قبيلتك التي تنتمي إليها أو الجنسية التي تحملها، وعلمك وخبراتك هي التي ترفع من قدرك في مجال العمل.
والدين الإسلامي سبق الجميع عندما دعا إلى نبذ العنصرية والقبلية وحرر الإنسان من محيطه الجغرافي، والقبلية لا تعني فقط أن هذا جعلي وذاك شايقي وإنما تذهب أبعد من ذلك وتسقط معيار الجنسية إلا في أمور يبقى فيها الانتماء والوطن مصدراً للفخر والتباهي دون الإساءة للشعوب الأخرى.
الاختلاف بين الشعوب للتعارف وليس للتحارب والتعارك.
والرياضة جسر للتعارف والمحبة والمودة وهي الدبلوماسية الشعبية التي تتفوق على الدبلوماسية الرسمية أو السياسية.
وإذا تناقشنا حول رؤية الكابتن شوقي عبد العزيز التي تجسدت في تصريحاته الأخيرة سوف نرد له بضاعته ونقول له ولماذا لم يحقق الهلال والمريخ بطولات إفريقية في السنوات التي كانت القمة السودانية تشارك بدون أجانب وبقيادة فنية سودانية خالصة، وإذا كان شوقي عبد العزيز يحسب للهلال وصوله لنهائي دوري أبطال إفريقيا في 1987 وفي عام 1992 بالعناصر الوطنية الكاملة وبقيادة فنية سودانية وتحقيق المريخ لبطولة الكؤوس الإفريقية في سنة 1989م بنفس الكيفية التي وصل فيها الهلال للنهائي الإفريقي مرتين، فإن ردنا على شوقي عبد العزيز على هذه الاستثناءات يتمثل في أن الهلال والمريخ وقتها كانا ينافسان أندية لم تطبق الاحتراف وكانت تلعب وتشارك في البطولات الإفريقية بعناصرها المحلية دون الاستعانة بالأجانب كما يحدث الآن.
في هذه الظروف التي يمر بها السودان لو شارك الهلال والمريخ بدون عناصرهما الأجنبية ومن غير الاستعانة بالخبرات الأجنبية في الجانب الفني فإن فضائح القمة السودانية سوف يتحدث عنها الركبان.
علينا أن نحفظ للأجانب هذا الجميل، وألا ننكر لهم هذا الفضل في ظل فقر الملاعب السودانية من المواهب الوطنية، أما الكوادر الإدارية السودانية فهي للأسف الشديد لا وجود لها إلا في مثل هذه التصريحات التي أخرجها شوقي عبد العزيز.
نحن لا نحس بالسودانيين إلا في صراعاتهم وخلافاتهم وحروبهم.
لا وجود لهم إلا في التدمير والخراب، أما في البناء فلم ينجح أحد.
نعم المريخ في السنوات الأخيرة ظل يخرج من مرحلة التمهيدي مع كمية الأجانب الكبيرة التي تسيطر على القيادة الفنية وعلى كشف اللاعبين، والخلل هنا ليس خللاً في الاستعانة بالأجانب وإنما خلل في الكيفية وفي المواصفات ، وفي الإدارة ، ويمكن للهلال والمريخ أن يرتقيا إلى منصات التتويج في القارة الإفريقية إذا كانت اشتراطات الجودة أعلى وكان سقف التعاقد مع محترفين أجانب أفضل من الأسماء الموجودة الآن.
في السنوات التي كان يعتمد فيها الهلال والمريخ على العناصر الوطنية مع الاستثناءات التي تحققت إلا أن القمة السودانية كانت تخسر بالخمسة والستة في البطولات الإفريقية والعربية، وكان تصنيف الهلال تحديداً يضعه إلى جانب أندية ملاوي وكينيا ويوغندا والصومال، مع أندية صغيرة مثل الإكسبريس الكيني وفيلا اليوغندي ووقد الصومالي، والهلال الآن بفضل أجانبه يصنف مع أندية القارة الكبيرة وهو ليس بعيداً عن الأهلي المصري وصن داونز والترجي وهو ضمن أفضل عشرة أو ثمانية أندية في القارة حسب تصنيف الكاف، وأحسب أن الفروقات تصنعها البنية التحتية في تلك البلاد وسيطرة تلك الأندية على لجان ومكاتب الاتحاد الإفريقي، والبطولات ونتائج المباريات أصبحت تحدد في المكتب وهذا ليس في الاتحاد الإفريقي وحده، هذا أصبح يحدث حتى في اتحاد كرة القدم السوداني وما حدث في الموسم السابق يؤكد ذلك.
لولا هذه العوامل كان يمكن أن يكون الهلال بطلاً وفي صدارة الأندية الإفريقية.
وما زلنا نقول إن الخلل الذي نعاني منه هو خلل إداري، أي خلل سوداني يرجع للإدارات في الاتحادات والأندية، وهي إدارات سودانية ولو طبقنا الاحتراف الإداري واستعنا بإدارات أجنبية كانت أنديتنا ومنتخباتنا ستحقق الكثير من البطولات القارية.
الكابتن شوقي عبد العزيز اسم كبير في الرياضة السودانية نحترم تقديراته ولا نقلل من رؤيته التي صقلتها الخبرات والتجارب ولكن مع ذلك نختلف معه كلياً في تصريحاته الأخيرة، ونقول له إن نجاحات العنصر الوطني يجب أن نشهدها أولاً في الجانب الإداري، في الجانب الفني السباق سباق مواهب ومهارات، وهنا نسأل أين قدامى اللاعبين من المناصب القيادية في الأندية والاتحادات والإعلام؟ هذا الغياب يسأل عنه قدامى اللاعبين الذين تركوا القيادة إلى شخصيات مثل الدخيري ومحمد حلفا وسيف الكاملين وغيرهم من الفراغات الهلامية أو الحلزونية في الاتحادات والأندية لا يمتلكون الحد الأدنى ليس في علم الإدارة ولكن حتى في ثقافتها العامة.
إنهم مجرد فقاعات من البشر ـ لا أريد أن أقسو عليهم أكثر من ذلك، ولكن ننقل الحقيقة كما نراها.
على شوقي عبد العزيز وكل قدامى اللاعبين أن يثبتوا وجودهم إدارياً وأن يتقدموا إلى المناصب العليا ليبعدوا القيادات التي دفعت بها السياسة والموازنات والفساد لتلك المناصب.
يمكن أن نقبل من شوقي عبد العزيز تصريحاته تلك وله أن ينفذ رؤيته إذا نجح في أن يصل إلى منصب يمنحه صلاحية تنفيذ تلك الرؤية، الفشل في الوصول إلى تلك المناصب هو فشل للاعب السوداني.. إذا فشلتم في أن تصلوا لتلك المناصب كيف يمكن أن تنجحوا في الإصلاح؟ لن يتحقق الإصلاح وأنتم في مقاعد المتفرجين، عاجزين عن الوصول لكراسي السلطة.
الرياضة في السودان تحتاج للاعب السوداني ليس في المشاركة في تشكيلة الهلال والمريخ وإنما في قيادة الكرة السودانية.
هنالك أسماء مشرفة في تاريخ كرة القدم السودانية من جانب قدامى اللاعبين مثل نصر الدين عباس جكسا والدكتور محمد حسين كسلا والدكتور عمر التقي ومحمود جبارة السادة والرشيد المهدية ومحمد عبد الله مازدا وعادل أمين وهنالك كوادر فنية في مجال التدريب من بينها شوقي عبد العزيز، ولكن أين هذه الأسماء من القيادة الرياضية في الاتحادات وفي الأندية؟ الفشل في الوصول إلى هذه المناصب يسأل عنه قدامى اللاعبين أنفسهم، قبل أن نسأل عنه غيرهم.
في مصر القريبة من السودان يتواجد قدامى اللاعبين في كل المناصب الرفيعة في الدولة وفي الوزارة وفي الاتحادات والأندية وفي الإعلام والنماذج على ذلك تتمثل في الكابتن صالح سليم الذي يعتبر أبرز رئيس في تاريخ الأهلي المصري وفي الكابتن محمود الخطيب الرئيس الحالي للأهلي، ونجدها كذلك في الكابتن طاهر أبو زيد الذي كان وزيراً للرياضة وفي نبيل جوهر الوزير الحالي، والاتحاد المصري معظم رؤسائه كانوا لاعبين، ليس بالضرورة أن يكونوا لاعبي كرة قدم فقط، فهنالك ألعاب أخرى وصل منها قدامى اللاعبين إلى أعلى المناصب مثل وزير الرياضة الحالي في مصر نبيل جوهر الذي كان لاعب كرة يد، حتى في جانب الإعلام يتصدر الموقف الكابتن أحمد شوبير وهنالك الكابتن مجدي عبد الغني والكابتن محمد أبو العلا والكابتن خالد الغندور والكابتن محمد فاروق والكابتن رضا عبد العال وغيرهم من الذين يقدمون البرامج الرياضية في الفضائيات ويشرفون على إدارة المواقع والمنصات الإعلامية.
اللاعب السوداني في التحليل الفني ضعيف، فشلوا حتى في الاستوديوهات التحليلية ولم ينجح إلا القليل منهم.
نحن نفتقد اللاعبين السودانيين في هذا الجانب، أن يغيبوا عن المنطقة الفنية أو عن التشكيلة الأساسية هذا لا يضير في شيء لأن الأجانب غزوا حتى الدوري البرازيلي، والمنتخب البرازيلي يقوده الإيطالي كارلو أنشيلوتي والاحتراف هو الذي أحدث نقلة في الدوري الإنجليزي مهد كرة القدم وريال مدريد وبرشلونة مع أكاديمياتهما ومع النشاط الرياضي الكبير في قطاعاتهما السنية، إلا أنهما حققا بطولاتهما القارية والعالمية بفضل الأجانب، فكيف لشوقي عبد العزيز أن يعيدنا ثلاثين سنة إلى الوراء.
كرة القدم متفق عليها أنها أصبحت احترافاً واستثماراً بل أنها تجاوزت ذلك، وهذا أمر لا يمكن أن يتحقق بنظرة شوقي عبد العزيز تلك.
نحن لا نستطيع أن ننافس العالم في عصر التكنولوجيا والتقنية والإنترنت بعظم شليل وين راح.
انظروا إلى النقلة التي حدثت في الدوري السعودي والدوريات الخليجية بصورة عامة، تحقق ذلك من خلال الاستعانة بالأجانب، حتى الدوري الأمريكي استعان بخبرات أجنبية واستنجد بنجوم عالمية من أجل أن يلفت النظر إلى أعظم دولة في العالم في هذا الوقت.
شوقي عبد العزيز والسودان بكل هذه الأمراض وهذا التخلف الذي نعيشه في كل الجوانب يريد أن يغلق السودان داخلياً وألا يستعين بالكوادر الأجنبية والعالم من حولنا يتقدم والدول تتطور ونحن ما زلنا نبحث عن شليل.
كيف للهلال والمريخ أن ينافسا الأهلي المصري وصن داونز والترجي وهي أندية تستعين بالأجانب وتتعاقد معهم وتحقق بطولاتها من خلالهم.
دعك من تلك الأندية الكبيرة، وانظر إلى يانغا إفريكا وسيمبا التنزانيين والأهلي طرابلس والجاموس جنوب السودان وهي تبذل كل ذلك الجهد من أجل التعاقد مع محترفين أجانب، هل يمكن للهلال والمريخ أن ينافسا تلك الأندية بالمنتج السوداني ونحن فشلنا حتى في أن نقدم الصمغ العربي والقطن والسمسم والفول السوداني ـ منتجاتنا التي يمكن أن نتصدر العالم من خلالها.
شوقي عبد العزيز يريد أن ينافس التفاح والعنب والتين والزيتون باللالوب.
الكادر السوداني ضعيف والفساد استشرى في الأرض، هؤلاء الذين يسيطرون على الساحة الآن لا يصلحون حتى لأن يمسكوا دفتر الكشف في فراش البكاء.
الكادر السوداني دمر السكة الحديد ودمر سودانير ودمر النقل النهري ودمر مشروع الجزيرة، والإذاعة والتلفزيون ودمر الكرة السودانية.
إنهم لا ينجحون إلا في التدمير أو عندما يصبحون مغتربين في الخارج، أما في الوطن فهم يتصارعون.
الغريب أننا نتعاقد ونتخابر ونتصالح مع من يدمر البلد ولا نستعين بالخبرات الأجنبية إلا في الخراب والدمار أما في البناء والتطوير فلا.
اللاعب السوداني مفتوحة له كل ملاعب العالم، عليه أن ينجح ويثبت وجوده في الخارج كما نجحت دول صغيرة في أن تقدم مواهبها للدوري الإنجليزي والدوري الإسباني، حيث يكاد أن يكون المنتخب الفرنسي خلاصة للمواهب الإفريقية المجنسة. أين اللاعب السوداني من ذلك؟
على اللاعب السوداني أن يثبت وجوده والمنافسة مفتوحة له في الهلال والمريخ وفي كل الأندية العالمية والأكاديميات الخارجية.
الهلال والمريخ لن يفتحا كشوفاتهما للاعب السوداني ليتم تسجيله باللائحة أو بالواسطة أو لأنه يحمل الجنسية السودانية.
عندك موهبة حقيقية وأنت لاعب مجتهد يمكن أن تلعب في الهلال والمريخ وفي برشلونة والريال ـ كل الأندية سوف تتسابق من أجل أن تكسبك.
أما الكوادر السودانية فلا ينتظر منها شيء ـ ليس في الرياضة وحدها، بل في كافة المجالات بما في ذلك الإعلام.
…..
متاريس
أندية سودانية غير الهلال والمريخ تعتمد على اللاعب الوطني ويقود أجهزتها مدربون سودانيون، وتمتلك إمكانيات جيدة لماذا لا تنافس خارجياً، تلك الأندية تفشل حتى على مستوى المنافسات المحلية ولا تستطيع أن تتجاوز الهلال والمريخ.
في الأيام الماضية رحلت والدة الزميل محمد إبراهيم كبوتش، كما رحلت والدة الناشط الهلالي أمجد ود السائح، لهما الرحمة والمغفرة والتعازي للإخوين محمد وأمجد في فقدهما العظيم.
…
ترس أخير: خلوها مستورة أحسن.
قد يعجبك أيضا


