عبد الفتاح حمد أبو زيد.. صانع المجد السوداني في سبعينيات القرن الماضي
د.عوض النقر بابكر محمد
في تاريخ كرة القدم السودانية، تظل سبعينيات القرن العشرين بمثابة العصر الذهبي الذي لا يُنسى، وعلى رأس من صنع ذلك المجد يقف المدرب القدير عبد الفتاح حمد أبو زيد، الرجل الذي قاد “المنتخب القومى” لتحقيق الإنجاز الأكبر في مسيرة الكرة السودانية على الإطلاق.
البداية والنشأة
ولد عبد الفتاح حمد أبو زيد في السودان، وكان لاعبًا متميزًا في حقبته قبل أن يتحول إلى عالم التدريب، حيث حمل شغف الكرة في عروقه وتربى على مبادئ الانضباط والروح الجماعية التي عُرف بها طوال مسيرته. لم تكن شهرته مقتصرة على الجانب النظري، بل امتلك حسًا تكتيكيًا فذًا جعله قادرًا على قراءة المباريات وقيادة الفرق في أصعب الظروف.
إنجاز 1970.. التاج الذي لا يمحوه الزمن
لا يمكن الحديث عن عبد الفتاح حمد أبو زيد دون التوقف مطولاً عند عام **1970**، حين استضافت الخرطوم بطولة كأس الأمم الأفريقية. في ذلك الصيف الحار، وضع المدرب السوداني ثقته في مجموعة من اللاعبين الاستثنائيين، أمثال حسبو الصغير، ، وبشارة، وغيرهم من النجوم الذين شكلوا العمود الفقري للمنتخب.
على ملعب الخرطوم، وفي المباراة النهائية أمام منتخب غانا القوي، فرض أبو زيد خطته المحكمة التي اعتمدت على التوازن الدفاعي وسرعة الهجمات المرتدة، إلى جانب الروح القتالية التي غرسها في نفوس لاعبيه. انتهت المباراة بفوز السودان بهدف تاريخي سجله حسبو الصغير، ليمنح السودان أول وأغلى كأس أفريقية في تاريخه، وليخلد اسم عبد الفتاح حمد أبو زيد كأول مدرب وطني يفوز بهذه البطولة القارية مع منتخب بلاده.
الفكر التدريبي والبصمة التكتيكية
امتاز المدرب عبد الفتاح حمد أبو زيد بقدرته على المزج بين المهارات الفردية والانضباط الجماعي. في زمن لم تكن فيه التحليلات الرقمية والتقنيات الحديثة، كان يعتمد على ذكائه الكروي وحسه العالي في اختيار التشكيلات المناسبة لكل مباراة. كان يدرك جيدًا نقاط قوة خصومه ويستغلها لصالحه، مما جعل منتخب السودان في تلك الفترة عصيًا على الاختراق، سواء أمام الفرق الأفريقية أو حتى في المواجهات الودية أمام منتخبات من قارات أخرى.
كان يؤمن بأن كرة القدم ليست مجرد لياقة بدنية، بل لعبة عقل وروح قبل أي شيء آخر، وهذا ما ظهر جليًا في أداء المنتخب السوداني طوال البطولة، حيث لم يكتفِ بالفوز، بل قدّم أسلوبً لعب جميلً نال إعجاب النقاد والجماهير على السواء.
ما بعد المجد القاري
بعد التتويج الأفريقي، استمر عبد الفتاح حمد أبو زيد في مسيرته التدريبية، حيث درب العديد من الأندية السودانية الكبرى، محاولًا نقل خبراته للأجيال الجديدة من اللاعبين والمدربين. كان دائمًا يكرر أن الإنجاز الجماعي أعظم من أي مجد فردي، وأن البطولة التي تحققت عام 1970 كانت ثمرة عمل جماعي متكامل بين الجهاز الفني واللاعبين والجماهير.
الإرث الخالد
اليوم، وبعد مرور أكثر من خمسة عقود على ذلك الإنجاز التاريخي، يظل اسم عبد الفتاح حمد أبو زيد يحتل مكانة خاصة في قلوب عشاق الكرة السودانية. إنه رمز العصر الذهبي، وشاهد على أن الكرة السودانية كانت يومًا ما قادرة على منافسة الكبار وتخطي الصعاب. ورغم تقلب أحوال الكرة في السودان لاحقًا، يبقى إرث أبو زيد شاهدًا حيًا على أن الكفاءة المحلية، حين تُصقل بالعمل الجاد والرؤية الثاقبة، قادرة على صنع المعجزات.
في كل حديث عن أمجاد الكرة السودانية، وفي كل استذكار لكأس أفريقيا 1970، يُذكر عبد الفتاح حمد أبو زيد، ليس فقط كمدرب، بل كأب روحي لذلك الجيل الذهبي، ومهندس الانتصار الذي رفع راية السودان عالية في سماء القارة السمراء.



