صابنها
محمد عبد الماجد
المعجزة الحقيقية في كوننا أحياء
عندما يصبح للعزلة ضجيجٌ، تفقد حتى هدوء العزلة.
النظارة السوداء لا تخفي العيون الحزينة، بل تظهرها.
كل المعادلات اختلفت، تغيرت الحسبة؛ لذلك النتائج التي كانت صحيحة بالأمس، هي غير صحيحة اليوم.
الخزنة الخالية لا تجتهد كثيراً في إخفاء مفاتيحها، إلا إذا كنت تريد أن تخفي فراغها.
إنه صراع من أجل إخفاء العيوب.
الفراغ أصبح هو الغالب حتى في كامل الأعمال.
غسان كنفاني في إحدى روايات غربته يقول على لسان أحد أبطال الرواية: (لماذا تكون باقة الزهر أكثر براءة من صحن الكنافة؟).
هؤلاء لا تعنيهم شيءٌ غير (الكنافة)، هل حدثتكم عنها قبل ذلك؟ أم أني قد تشابهت عليّ (الكنافات).
وقال غسان كنفاني على لسان عبد الجبار بكلمة تصلح لتأبين الشهيد، فإذا بالكلمة تصبح قراره الموجز الجديد حسب الناشر: (إن الفكرة النبيلة لا تحتاج غالباً للفهم.. بل تحتاج للإحساس).
هل تعطل الشعور بالإحساس؟
بعد مضي ثلاث سنوات من حرب السودان، ما زال الجدل الدائر في المنابر الإعلامية والمتبادل في مواقع التواصل الاجتماعي مشتعلاً عن مَن أطلق الرصاصة الأولى؟.. بعضهم يظن أن في ذلك البحث والتقصي أقصى غاية المهنية.
الأكيد أن من يخضع ثلاث مرات في الأسبوع لعملية غسيل كلى، متوزعاً ومتلاقحاً بين الغسلة والأخرى عن توفير حق الغسلة القادمة، هذا الذي تغسله هموم تكلفة الغسلة المادية لا يهمه من أطلق الرصاصة الأولى؟ هذا حديث يتجادل فيه من لا يعنيهم من الحرب غير الطلقة الأولى.
هذا حديث استوديوهات مكيفة.. هو جزءٌ من عملية المكياج التي تحدث قبل الدخول للاستوديو.
حدثوهم أننا تجاوزنا مربع من أطلق الرصاصة الأولى؛ هذه رفاهية حسابية لم تعد تعنينا كثيراً.
إن من أطلق الرصاصة الأولى لا يهمه أن يثبت ذلك عليه أو على خصمه.
من يموت برصاصة ترده قتيلاً لا يعنيه إن كانت الرصاصة روسية الصنع أم أمريكية، هذا شيء قد يهم غيره.
بعد ملايين الرصاصات وملايين “الدانات” ما جدوى الرصاصة الأولى في ذلك الزخم الرصاصي؟
من يبحث عن الرصاصة الأولى في هذا الوقت، كأنه يبحث عن قشة في كوم قش.
في هذه الحرب كثيرون ماتوا بدانة طائشة أو رصاصة مع سبق الإصرار والترصد، أو كانوا ضحية لمسيرة، أو ماتوا في غياهب السجون، لكن أكثر من ذلك الذين ماتوا حسرةً، وغربةً، وكمداً.
تقرير الطبيب قد يحدد أسباب الوفاة في هبوط حاد في الدورة الدموية أو توقف عضلات القلب، أو غيبوبة سكر، لكن الحقيقة أن كل أولئك ماتوا من جراء رصاصة لم تطلق عليهم ولم تصبهم.
هنالك مسدسات كاتم (صوت)، وهنالك مسدسات كاتم (موت).
الرصاص القاتل في هذه الحرب هو رصاص قد يصيبك حتى وأنت في بلاد بعيدة.
الرصاص القاتل في هذه الحرب هو رصاص صامت.
ماتت الدكتورة آلاء فوزي المرضي، ابنة كابتن فريق الهلال السوداني ومدربه السابق فوزي المرضي، في 17 أبريل 2023 إثر رصاصة طائشة اخترقت نافذة منزلهم في أم درمان. توفيت آلاء، التي كانت تعمل طبيبة، فور إصابتها، وتُوفي والدها محمد فوزي محجوب المرضي أيقونة نادي الهلال السوداني، مساء الجمعة 5 مايو 2023م، إثر تعرضه لذبحة قلبية.
توفي فوزي المرضي حزناً على ابنته بعد 18 يوماً من وفاة ابنته؛ لذلك فإن الرصاصة التي أصابت ابنته هي في الحقيقة أصابته هو بالذبحة القلبية.
فوزي وابنته الاثنان ضحايا لهذه الحرب، الاثنان قتلتهما الحرب، فقد مات فوزي المرضي حسرة على ابنته.
هذه الحرب سوف تقتلك ولو بعد حين.. ذبحات القلب شكل من أشكال الرصاص الحديث في حرب السودان.
ما هو الأسوأ؟ هل الأسوأ أن تموت خارج الوطن وتدفن “برة”، أم الأسوأ هو أن تعيش داخل الوطن وتدفن فيه حياً؟
رصاص الحروب الأكثر فتكاً، هو ذلك الذي يصيبك بالسكتة الدماغية أو الذبحة القلبية أو غيبوبة السكري، أو الفشل الكلوي أو حمى الضنك.
الموت الذي يحدث مرة واحدة خطورته أقل من الموت الذي يحدث ألف مرة؛ موت يتسلل في جسدك وفي أطفالك وفي وطنك وفي أبناء شعبك ويصيبك بذلك في مقتل.
يقول ألبير قصيري: (لا يحتاج المرء إلى معجزة لكي يهنأ، المعجزة الحقيقية في كوننا أحياء).
ألبير قصيري (1913-2008) هو روائي وكاتب مصري فرنكفوني، اشتهر بلقب “فيلسوف الكسل” و”فولتير النيل” عاش في باريس معظم حياته، مروجاً لفلسفة الكسل المثمر، والبساطة، والسخرية من الطموح المادي والعمل المأجور عبر رواياته الثماني التي تدور أحداثها غالباً في القاهرة، مدافعاً عن كرامة البسطاء.
من أشهر مقولاته التي تعكس فلسفته: “كم هو مؤسف أن تستيقظ كل صباح لترى أشكالاً تسد النفس” (يقصد السلوكيات المادية وليس الأشكال).
الحديث عن الأشكال الخارجية هو نوع من العنصرية المرفوضة، نحن نتحدث عن المضامين.
نحن نعيش بمعجزة حقيقية، ما زلنا رغم كل ما حدث أحياء، أو ربما نحن في الحقيقة أموات ننتظر تصريح الدفن… أصبحنا مثل أصحاب الكهف (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ)، غير أننا نفتقد لكراماتهم ولصلاحهم.
هذه الحرب نحن جزء من أسباب اشتعالها، حتى وإن كنا ضحاياها.
نغالب كل ما فينا، حتى لا يصيبنا رصاصها بالذبحات القلبية.
ما زلنا رغم كل شيء، ننتظر انتصار الهلال وعودة التيار الكهربائي.
ما زلنا نسمع لمحمد وردي، رغم أن ذلك يعتبر منا قمة الترف، وفينا يحسب عدم مسؤولية.
ما زلنا رغم كل المهددات والمحذرات نشرب القهوة “سكر زيادة”.
ما زلنا نلبس القميص مكوياً، ونستعمل العطور الباريسية، نظن أننا بذلك يمكن أن نخفي حالة الحزن التي استوطنت فينا.
أصبحت أتعمد أن أضحك بصوت عالٍ لأثبت لنفسي وللآخرين قدرتي على التغلب على كل الأحزان.
أحاول أن أحافظ على كل عاداتي وتقاليدي، أعصر الليمونة على الشطة، وأسحن الفول السوداني ليكون (دكوة).. في أسوأ أيام الحرب، عندما كان يمكن أن تفقد حياتك وأنت في الطريق لصلاة الجمعة، كنت أتربص “الخمسين”، وأستهدف أن أصل لذلك بـ (الدو)؛ هنالك اعتقاد أن الحرفاء لا يُمنحوا في “الحريق” (الدو) نحن كنا نترصده، لنثبت أننا بخير، وأننا “ما عندنا أي عوجة”.
قادرين رغم كل شيء “نجر الخمسين”.
أكثر الذين تضرروا من هذه الحرب، وأصابتهم حسرتها قبل رصاصها، هم نجوم البهجة، أو الموكولون بإسعادنا، والمعنيون بفرحتنا؛ قلوبهم المرهفة لم تحتمل هذا الذي يحدث في السودان، فانتقلوا للدار الآخرة ما بين دانة أصابتهم وهم في الوطن أو بالذبحة القلبية أو السكتة الدماغية وهم بعيدون عن أرض الوطن، أو بغيبوبة السكري التي لحقت بهم حتى وهم في غرفهم المغلقة بعيداً عن الوطن.
أتحدث تحديداً عن ملوك البهجة، سواء كان ذلك في الدراما أو في الإعلام بضروبه المختلفة.
أقدم في ذلك نموذجاً لأن الحصر أمر غاية في الصعوبة، وقد يكون هنالك من رحل من هذه الفئة من نجوم البهجة ولم نعلم به حتى الآن.
أتحدث عن أسماء تخصصت في منح الفرحة وتوزيع الضحك على كل ربوع السودان.
في هذه الحرب رحل في فترة وجيزة نجوم يربطهم مع بعضهم البعض رحم الكوميديا الذي خرجوا منه.
هؤلاء النجوم كان يفصل بين رحيلهم أيام، بعضهم نعى زميله على صفحته في “الفيسبوك” ورحل في اليوم التالي مباشرة، مثل زميلنا الصحفي وعضو الكثير من الفرق الكوميدية نميري شلبي الذي نعى زميله عادل فرج الله يوم الثلاثاء 23 يناير 2024م، ورحل نميري في اليوم التالي مباشرة في يوم الأربعاء 24 يناير 2024م، فقد مات نميري في غرفته بالإمارات متأثراً بغيبوبة سكري على طريقة الإعلامي محمد محمود حسكا الذي مات أيضاً في غرفته بالقاهرة في 8 ديسمبر 2024م.
غيبوبات السكري رصاص آخر في هذه الحرب.
كانوا في الغربة، بل ماتوا في عزلة وهم نجوم مجتمع، كأنهم يعبرون بذلك عن حسرتنا ووجعتنا.
وبعد ذلك بأسبوع رحل الكوميديان محمد عباس (كوكي) في 30 يناير 2024م.
إنها أرواح جمع بينهم الحب وتخصصوا في توزيع البهجة والفرحة على الآخرين.
قبلهم بأيام قليلة في يوم الاثنين 11 ديسمبر 2023م رحل الممثل الكوميدي هاني عبد الله الشهير بـ(أبو الدبش) أو هاني كابوس بمدينة عطبرة.
وبعد يوم واحد من وفاة أبو الدبش رحل في 12 ديسمبر 2023م إثر سقوط دانة عليه في الحارة الأولى ـ الثورة أم درمان الممثل عباس عوض جبريل الذي اشتهر مع ربيع طه وكان أحد ظرفاء أم درمان المألوفة.
في 8 يناير 2024 رحل الصحفي الساخر صاحب عمود (رمزيات الفوال) محمد الفوال.
عمار محمد آدم أحد أبرز الوجوه الصحفية التي كانت توزع البسمة على مكاتب الصحفيين توفي في العاصمة السودانية بسبب حمى الضنك في 1 نوفمبر 2024م، بعد أن رفض الخروج من العاصمة وواجه كل تعديات الدعم السريع وكل نهبهم وبطشهم، مع ذلك لم يمت عمار محمد آدم برصاصة وإنما مات بحمى الضنك.
وكان ملك السخرية الذي اشتهر بحربه على الفساد الفاتح جبرا قد رحل في 21 سبتمبر 2023م في القاهرة من جراء أزمة قلبية.
ذبحة قلبية أخرى.
آخر ملوك البهجة الراحلين كان الكوميديان مختار بخيت “الدعيتر” الذي رحل في يوم الأحد 19 أبريل 2026م أيضاً إثر ذبحة قلبية في السعودية.
معظم هذه الأسماء التي ورد ذكرها، أسباب وفاتهم كانت علة لها علاقة بقلوبهم، حتى من مات منهم بدانة طائشة، أعتقد أنها أصابت قلبه، أما من رحل بسبب فقد السكر كما حدث لنميري شلبي ومحمد محمود حسكا، فهم كأنهما برحيلهم ذلك يؤكدان أننا فقدنا طعم السكر في حياتنا.
في هذه الحرب من لم يمت بالرصاصة مات بالذبحة أو السكتة أو الغيبوبة، أو توقف وظائف الكلى.
معظم أولئك الراحلين دفنوا بالخارج، لم يجدوا في الوطن حتى شبراً ليُقبروا فيه.
لقد رحلوا بصورة تؤكد مأساة هذه الحرب، فبعضهم اكتُشفت وفاتهم بعد أيام، وبعضهم علمت أسرهم برحيلهم بعد فترة من رحيلهم بسبب انقطاع خدمة الإنترنت.
طبعاً هنالك آخرون كثر، رحلوا بنفس الصورة مثل الأسطورة حامد بريمة حارس المريخ ومنتخب السودان السابق والذي مات أيضاً بسبب غيبوبة سكري.
لقد فقدوا السكر في الدم رغم أنهم مصابون به.
أسماء أخرى سوف أعود للكتابة عنها مثل زميلتنا عائدة قسيس وأمير آدم والمصور عصام الحاج وميرغني أبو شنب وأحمد الحاج.
أسماء كثيرة رحلت وحرمتنا الحرب حتى من المشاركة في تقديم العزاء.
…..
متاريس مع كل هذه الأوجاع، نحاول أن نكتب شيئاً بعيداً عن هذه المآسي.
الاستسلام للحزن يعني الموت.
الاكتئاب هو أخطر أسلحة هذه الحرب.
…
ترس أخير: سوف نعود إن شاء الله أقوى.



