حليمة عادت إلى عادتها القديمة.. والمريخ يكرر سيناريو الخروج من تمهيدي الأبطال! هدف قباني لم يكن كافياً.. وداركو يعجز عن فك الشفرة الدفاعية لحوريا كوناكري، والأحمر يدفع ثمن الأخطاء المتراكمة!
من أسوار الملاعب | حسين جلال
حليمة عادت إلى عادتها القديمة.. والمريخ يكرر سيناريو الخروج من تمهيدي الأبطال!
هدف قباني لم يكن كافياً.. وداركو يعجز عن فك الشفرة الدفاعية لحوريا كوناكري، والأحمر يدفع ثمن الأخطاء المتراكمة!
مرة أخرى، تتجرع جماهير المريخ السوداني مرارة الخروج المبكر من دوري أبطال أفريقيا، ومرة أخرى تتبخر الأحلام الحمراء عند عتبة الأدوار التمهيدية، في مشهد أصبح يتكرر بصورة تدعو إلى القلق وتفتح أبواباً واسعة من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء تراجع أحد أكبر الأندية السودانية وأكثرها جماهيرية وتاريخاً.
فقد خيب المريخ آمال جماهيره العريضة بعدما فشل في تجاوز عقبة حوريا كوناكري الغيني، رغم أن ظروف المباراة ومجرياتها كانت تمنحه فرصة حقيقية لتحقيق النتيجة المطلوبة والعبور إلى مرحلة المجموعات، التي ظلت عصية عليه خلال مشاركاته الأخيرة.
والأكثر إيلاماً أن الخروج لم يأتِ أمام منافس فرض سيطرته الفنية أو تفوق بوضوح في الأداء الهجومي، وإنما أمام فريق اختار التحفظ الدفاعي، وأغلق المساحات، واعتمد على التكتل العددي أمام مرماه، تاركاً للمريخ الاستحواذ والمبادرة دون أن يتمكن الأحمر من تحويل أفضليته إلى أهداف كافية لحسم بطاقة التأهل.
سيطرة بلا أنياب هجومية
منذ بداية المباراة، فرض المريخ أفضليته الميدانية، وضغط على المناطق الخلفية لحوريا كوناكري، وحاول الوصول إلى المرمى عبر الأطراف والكرات العرضية والتمريرات الطويلة.
وفي المقابل، ظهر الفريق الغيني بتنظيم دفاعي متأخر، مع كثافة عددية واضحة داخل منطقة الجزاء، وحرص على إغلاق المساحات أمام المهاجمين، وتقليل فرص الاختراق من العمق.
ورغم أن المريخ امتلك المبادرة الهجومية خلال فترات طويلة من المباراة، فإن هذه السيطرة افتقدت إلى التنوع والفاعلية المطلوبة، وتحولت في كثير من الأحيان إلى استحواذ لا يترجم إلى فرص حقيقية.
ولم يكن كافياً أن يمتلك الأحمر الكرة أو يحاصر منافسه في مناطقه الخلفية، لأن كرة القدم الحديثة لا تقاس فيها الأفضلية بمجرد الاستحواذ، وإنما بالقدرة على خلق المساحات، وتحريك الدفاعات، وصناعة الفرص، ثم ترجمتها إلى أهداف.
وهنا ظهرت المشكلة الأساسية التي عانى منها المريخ طوال المواجهة.
هدف قباني المتأخر.. وأمل لم يكتمل
انتظرت الجماهير الحمراء حتى الدقيقة السبعين لتشهد هدف محمد قباني، الذي أعاد الأمل إلى المدرجات وأشعل التطلعات نحو إضافة الهدف الثاني الذي كان سيمنح المريخ بطاقة العبور.
لكن الدقائق المتبقية كشفت مجدداً عن محدودية الحلول الهجومية، وعجز الفريق عن التعامل مع دفاع متكتل يعرف تماماً كيف يحمي تقدمه في مجموع المباراتين.
فبدلاً من تنويع أساليب الوصول إلى المرمى، استمر الاعتماد بصورة كبيرة على الكرات العرضية والتمريرات الطويلة، وهي الطريقة التي خدمت الفريق الغيني أكثر مما أضرته.
لقد امتلك مدافعو حوريا الأفضلية في التعامل مع الكرات الهوائية، مستفيدين من أطوالهم وقوتهم البدنية وتمركزهم الجيد، ولذلك كان من الطبيعي أن تتكرر عمليات إبعاد الكرة وإفساد المحاولات الهجومية للمريخ.
وكان المطلوب في مثل هذه الظروف الانتقال إلى حلول أكثر تنوعاً، تعتمد على التمريرات القصيرة والسريعة في المساحات الضيقة، والتحرك دون كرة، والتسديد من خارج منطقة الجزاء، واستغلال الكرات الثابتة بصورة أفضل.
لكن شيئاً من ذلك لم يظهر بالفاعلية التي كانت تنتظرها الجماهير.
داركو.. أين الحلول التكتيكية؟
في تقديري الشخصي، يتحمل المدير الفني الصربي داركو جانباً مهماً من المسؤولية الفنية عن هذا الخروج، ليس لأن فريقه افتقد الرغبة أو المبادرة، وإنما لأنه لم ينجح في إيجاد الحلول المناسبة أمام الأسلوب الدفاعي الذي فرضه المنافس.
فالمدرب الذي يطمح إلى قيادة فريق كبير نحو مرحلة المجموعات يجب أن يمتلك القدرة على تغيير شكل المباراة عندما تتعثر خطته الأساسية.
وكان واضحاً أن الاعتماد المتكرر على الأطراف والكرات العالية لم يحقق النتيجة المطلوبة، ومع ذلك لم يظهر التحول التكتيكي المؤثر الذي يجبر دفاع حوريا على الخروج من مناطقه أو يخلق ثغرات يمكن استغلالها.
كما أن الإصرار على أسلوب لعب أصبح مألوفاً للمنافسين يعكس مشكلة في المرونة التكتيكية، خاصة عندما يغيب التنوع بين الاختراق من العمق واللعب على الأطراف والتسديد المباشر.
لقد عانى المريخ خلال الفترة الماضية من التحفظ الدفاعي المبالغ فيه في بعض مبارياته، وعندما وجد نفسه مطالباً بالهجوم وصناعة الأهداف، ظهرت محدودية قدرته على الانتقال إلى أسلوب أكثر جرأة وفاعلية.
وهذا التناقض بين الحذر الدفاعي وضعف الابتكار الهجومي يستحق مراجعة جادة من الجهاز الفني.
الفرص الضائعة.. أزمة تتكرر دون علاج
من السلبيات التي ظلت تلاحق المريخ عجز بعض لاعبيه عن التعامل المثالي مع الفرص المتاحة أمام المرمى، سواء بسبب التسرع أو ضعف التركيز أو سوء اتخاذ القرار في اللحظات الحاسمة.
وهي مشكلة لا يمكن فصلها عن العمل التدريبي، لأن تطوير الفاعلية الهجومية يتطلب تدريبات متخصصة على إنهاء الهجمات، والتحرك داخل منطقة الجزاء، والتعامل مع الدفاعات المتكتلة.
كما أن الاستعداد للمواجهات الإقصائية يجب أن يشمل جميع السيناريوهات المحتملة، بما فيها ركلات الترجيح، التي تحتاج إلى إعداد فني وذهني خاص، وليس مجرد الاعتماد على مهارة اللاعبين أو حظوظهم.
فالفرق التي تطمح إلى المنافسة القارية لا تترك التفاصيل الصغيرة للمصادفة، لأن هذه التفاصيل كثيراً ما تصنع الفارق بين التأهل والخروج.
المشكلة أكبر من مباراة ومدرب
رغم الانتقادات الفنية التي يمكن توجيهها إلى داركو، فإن تحميله المسؤولية كاملة سيكون تبسيطاً لأزمة أكثر عمقاً.
فخروج المريخ المتكرر من الأدوار التمهيدية لا يمكن النظر إليه باعتباره سلسلة من المصادفات أو سوء الحظ، وإنما مؤشر على وجود خلل يحتاج إلى معالجة شاملة.
وتبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة، الذي يقع على عاتقه توفير البيئة المناسبة للعمل الفني، واختيار العناصر القادرة على صناعة الفارق، ووضع برنامج إعداد يتناسب مع طبيعة المنافسات الأفريقية.
ثم تأتي مسؤولية الجهاز الفني في بناء فريق يمتلك شخصية واضحة، ومرونة تكتيكية، وقدرة على التعامل مع مختلف ظروف المباريات.
ولا يمكن إعفاء اللاعبين من المسؤولية، لأن ارتداء شعار المريخ يفرض عليهم تقديم مستويات تتناسب مع قيمة النادي وتاريخه وتطلعات جماهيره.
فالمنافسة الأفريقية لا تعترف بالأسماء الكبيرة وحدها، ولا تمنح بطاقات التأهل استناداً إلى التاريخ والجماهيرية، وإنما تكافئ الفريق الأكثر جاهزية وانضباطاً وقدرة على استثمار الفرص.
الإعلام المريخي.. بين الدعم وصناعة الأوهام
ومن القضايا التي تستحق النقاش أيضاً طبيعة الخطاب الإعلامي المحيط بالمريخ.
فمن حق الجماهير أن تفخر بتاريخ ناديها، ومن حق الإعلام أن يحتفي بإنجازاته، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشعارات إلى بديل عن التقييم الموضوعي للأداء.
فالألقاب الجماهيرية من قبيل «الزعيم» و«بطل عموم السودان» تحمل قيمة عاطفية وتاريخية لدى أنصار النادي، لكنها لا تعالج ضعف الأداء، ولا تصنع فريقاً قادراً على تجاوز المنافسين داخل المستطيل الأخضر.
والإعلام الذي يكتفي بتضخيم الإيجابيات وتجاهل السلبيات قد يساهم، دون قصد، في خلق صورة غير واقعية عن مستوى الفريق.
والمريخ اليوم يحتاج إلى إعلام يمارس النقد المسؤول، ويكشف مواطن الخلل، ويطالب بالتصحيح، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات التي لا تغير شيئاً من واقع النتائج.
سنوات من الإخفاق.. إلى متى؟
إن تكرار الخروج من المنافسات الأفريقية، إلى جانب التعثر في بعض الاستحقاقات المحلية والإقليمية، يجب أن يدفع أصحاب القرار في المريخ إلى مراجعة شاملة لمسار الفريق.
فالنادي الذي يمتلك هذه الجماهيرية الكبيرة والتاريخ العريق لا ينبغي أن يظل أسيراً للأخطاء نفسها موسماً بعد آخر.
والمطلوب ليس مجرد تغيير مدرب أو التعاقد مع مجموعة جديدة من اللاعبين، وإنما بناء مشروع فني متكامل يقوم على الاستقرار الإداري، وحسن اختيار المحترفين، وتطوير الأداء الجماعي، وتوفير إعداد حقيقي يتناسب مع طموحات المنافسة القارية.
كما أن تقييم اللاعبين يجب أن يقوم على المردود الفني داخل الملعب، وليس على الأسماء أو السمعة أو حجم التعاقدات.
فالفريق الكبير لا يُبنى بالوعود، وإنما بالعمل والانضباط والتخطيط والمحاسبة.
الخلاصة الفنية والإدارية
خرج المريخ أمام حوريا كوناكري لأنه لم يحسن استثمار أفضليته الميدانية، ولم يمتلك الحلول الهجومية الكافية لاختراق التنظيم الدفاعي للمنافس، رغم سيطرته على فترات طويلة من المباراة.
وكان الاعتماد المفرط على الكرات العرضية والطويلة، وضعف التنوع الهجومي، وتأخر الوصول إلى الشباك، من أبرز الأسباب الفنية التي حرمت الأحمر من تحقيق النتيجة المطلوبة.
لكن المسؤولية لا تتوقف عند الجهاز الفني، بل تمتد إلى الإدارة واللاعبين والمنظومة المحيطة بالفريق، التي يجب أن تتعامل مع هذا الإخفاق باعتباره جرس إنذار يستوجب الإصلاح.
وفي اعتقادي، فإن المريخ لن يستعيد مكانته الأفريقية بمجرد تغيير الأسماء أو رفع سقف التوقعات، وإنما يحتاج إلى مراجعة شجاعة تعترف بالأخطاء، وتضع الحلول، وتمنح العمل المؤسسي الأولوية على الشعارات.
لقد أصبح السؤال الذي يؤرق الجماهير الحمراء أكبر من مجرد معرفة أسباب الخروج أمام حوريا كوناكري: متى يتوقف مسلسل الإخفاقات المتكررة، ومتى يعود المريخ فريقاً قادراً على ترجمة تاريخه وجماهيريته إلى نتائج حقيقية في الملاعب الأفريقية؟
فالتاريخ وحده لا يسجل الأهداف، والجماهيرية لا تمنح بطاقات التأهل، والشعارات مهما بلغت قوتها لا تعوض غياب التخطيط والجاهزية الفنية.
حليمة عادت إلى عادتها القديمة.. والمريخ يعود من جديد إلى نقطة الصفر، بينما تبقى جماهيره وحدها تدفع ثمن الأحلام التي لم تكتمل.


