صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

شندي المحطة

44

صابنها
​محمد عبد الماجد

شندي المحطة

​يأتيها النيل مهرولاً، في أزهى حالات الفرح؛ أظن أنه لا يكون بهذا الفرح إلا عندها (مع الاعتذار لكل مدن السودان ولمنطقة بقروسي حدود المتمة تحديداً). وبقروسي من شوق النيل لها يحاصرها في كل عام من الجهات الأربع، يغرقها فيضاً ولا تقول فيه إلا كل جميل. وشندي ترد تحية النيل بما هو أحسن منها كرماً وحباً؛ تستقبله بجناينها الوارفة، فرحةً به وهي تطرح ثمارها من المانجو والموز والبرتقال والجوافة. في فرحتها بالنيل وتوردها تبدو كأنها عروس، فهي “عروس النيل”. إنها مدينة شندي التي تمنح الفرح لكل من يأتي إليها.. فهي مدينة كل من أتى لها أصبح من سكانها وأهلها؛ فيها تجد الأقباط والنوبة والشوايقة والمحس، وحتى أبناء جنوب السودان الحبيب ينافسون في حبهم لها أهل المنطقة الأصليين.
​شواطئ النيل في شندي غنى لها عثمان الشفيع: (في الشاطئ يا حبان).. وعثمان الشفيع بالعود لا يقاوَم؛ مثل فسق الصباح عندما يتمكن من غسق الليل وآخره.
​ومثلما يفرح النيل عندها وينحني لها احتراماً، تدخلها قطارات “المشترك” بفرح مماثل: (القطار المرّ.. فيه مرّ حبيبي)، حتى إن أرصفة محطتها تفترش الفرح: طعمية وعيش وفراد وشالات. ركاب القطارات كانوا لا يجدون راحتهم إلا في محطة شندي.. في محطة شندي يشعر المسافر أنه في بيته.
​محطة شندي غنى لها علي اللحو: (يا الفي شندي ساكن بالسكة الحديد). وصوت علي إبراهيم اللحو مثل أواني الفضة البيضاء؛ كان له بريق.
​من أسرار شندي أن كل الذين ينتمون لها تمنحهم تميزاً خاصاً، وكل ما يضاف إليها يعلو بذلك ويزهو؛ كل شيء في شندي له بصمته وكينونته الخاصة. أنت تقول “ربوع شندي” فترتاح النفس وتطمئن، ونقول “شندي المحطة” فتزغزغ الفرحة في النفس كالعصافير. ويبدو على سبيل الجمال: شندي المشرع، وشندي السوق، وشندي المحكمة، وشندي الأهلية، وشندي فوق، وجناين شندي، والقيادة العامة، وميدان المولد الشريف، وشندي الثانوية بنين، وشندي الثانوية بنات، وعبد الله الحسن الثانوية بنين، وكامل إبراهيم بنات، ومعهد المعلمين، وطب شندي.. كل من ينتمي لشندي فيه ذلك التميز: منقة شندي، وموز شندي، وشواطئ شندي، وبانطون شندي الذي كان أشهر بانطون في السودان؛ وهل هنالك أشهر من محطة شندي في خط السكة الحديد كله؟ في شندي أي شيء مختلف ومميز: عيش شندي، وسمك شندي، وفول شندي، وطعمية شندي، وفراد شندي، وباسطة شندي؛ حتى البصل عندما يرتبط بشندي يأخذ هيبة التفاح، فهذا “بصل شندي” يعرضونه في الأسواق بذلك الشرف؛ وبصل شندي فيه هيبة التفاح، حتى رائحته مختلفة. أما رجال شندي، فمن المك نمر وحتى صلاح إدريس (نار مولعة) وحريقة في العدو والدخيل الأجنبي.
​هذه شندي كل شيء فيها يأخذ نكهته منها… مليم، والسر مشعال، والمريود، وأسمر، والمريخابي العتيق الراحل الطيب محمد خير، وخميس (النسر) ، وبلة (ساردية) ، وسمير، ولطفي، وحزقيال، ونصحي، وعوض نوري، ومحمود حنوت، وحدباي، وعائلة أبو جوخ، وأسرة بيومي، والعماوي، وأولاد الحارث، وأولاد جمعة، وعلي عكور، وهيثم السنوسي، وأحمد ليبيا، وأبو بكر علي عبد الرحمن.
​شندي شيخ عبد الرحيم عبد الله؛ ذلك الرجل الذي كانت سماحته تغطي المدينة كلها، وشيخ عباس عبد الله، ويمتد الأثر حتى شيخ عكرمة.
شندي أولاد ملاح، وعبد الوهاب الصافي، وميلاد، وجزارة حجو، ودكان النقادي عباس، وفول أبو الزيك، وكشك جاد الرب، وعطارة همام، ومتجر سعدان، وود إلياس، والبشاري، وأولاد ساردية، وطعمية نور الشام، وأسرة نادي الكوكب، ونهضة السكة الحديد، وبقالة الدسمة في مدخل شندي، وبقالة أستاذ سراج في السوق، وسوق الديم، ومسجد 14، وصيدلية إدوارد جوزيف، وصيدلية الأمل، وباسطة حامد، وفرن ود الزاكي، ومحلات أولاد جاد أمين، وقهوة أبو سبعة، وقهوة هبار، وقهوة التيمان، ومولانا أيوشورة، ومولانا عبد الفتاح بشير فحل، ودكتور الهادي جلال، واختصاصي العلاج الطبيعي أبو الجاز.
​شندي أستاذ أحمد سعران، وأبو درق إخوان، والنقاشي، وأستاذ أبو عبيدة، وأستاذ برسي، وأستاذ حمزة “إنجليزي”، وأستاذ زاهر، وأستاذ الشاذلي، وأستاذ إميل برسوم، وأستاذة فتحية.
شندي النعيم سليمان، وصديق برو، وكمال برو، وعصام توفيق، وحسن فول، ونوري عوض نوري.
شندي عثمان الشفيع، والطيب عبد الله، وعلي اللحو، وحسين شندي، وجحا (سليمان حسين)، والمسرحي قاسم صالح.
شندي الشفيع أحمد الشيخ، وعبد الله الحسن المحامي، وعامر جمال الدين، وعبد المجيد منصور، وصلاح إدريس، ومحمد الشيخ مدني، وعصام الحاج، والفريق منصور عبد الرحيم، وابن شندي وأحد رجالات المريخ الأقوياء في الخليج مولانا مجذوب مجذوب، وياسر الجعلي وأمين عبدالوهاب أبن مروي.
شندي في الجانب الإعلامي: د. مزمل أبو القاسم، والناظر محمد الحسن خلف الله، وعثمان عبد التام، وهاشم تندل، وعبد القادر رحمة الله، ومحمد عبد العظيم.
​كل ما له علاقة بشندي يخرج بهذا التميز والشيوع. شندي مويس، والدويمات، وقندتو، والشقاولة، والقليعة، والمسياب، والمسيكتاب، والتراجمة، وديم القراي، وكيوشية. شندي ـ المتمة، وهذا يكفي.
​على مواقع التواصل الاجتماعي، سعيد بما يقدمه الزميل عبد القادر رحمة الله، الصحفي المعتق الذي ظل يقدم شندي ويطرحها في صورة بهية وجميلة، وقد ظل عبد القادر يفعل ذلك منذ أن كان مراسلاً لعدد من الصحف من شندي، ولا ننسى فترته المميزة في صحيفة (حكايات)؛ وهو الآن ينقب عن كنوز شندي (البشرية) على صفحته في “فيسبوك” ويقدم مادة مخدومة ومجتهداً فيها، ليس كطبيعة المواد التي تنشر على مواقع التواصل التي يفتقد الكثير منها الجهد والمهنية والمعلومة المفيدة التي يمكن أن تشكل لك إضافة.
​في شندي، ونحن في المرحلة الابتدائية، كان هنالك نجوم في دوري شندي لا يقلون بأي حال من الأحوال عن نجوم الدوريات الأوروبية عندما أقارنهم الآن بهم. أسماء لم تكن تسأل عن أسماء تلعب في الهلال والمريخ؛ لا أشك في أن عبد المحمود أبو شريعة (الخواجة) كان أحرف من كل أبناء جيله الذين كانوا يلعبون وقتها في الهلال والمريخ، ولا أحسب أن “الخواجة” يقل عن نجوم عالميين لو كان سار في نفس الطريق الذي سار عليه أولئك النجوم. لا أنسى في “النسر”: إسماعيل دوكة، والسحار، وكزينو، والرومي، والفك، والطيب آدم، وعلي فليكو، وبشرى، وفار، وأوفر. ولا أنسى في “الأهلي”: ماجد، وأبو السارة، وسعد الريح، وشمس الدين، وكير. ولا يمكن أن تنسى في “النيل” المؤسسة: التاج دحيش 80، وخالد سعيد، ونادر خشم الموس، وياسر جاد الرب وشقيقه الراحل عبد الخالق، وميرغني جمعة، والراحل الخلوق الهادي جمعة ، وهيثم محمد الطيب، والزين، وموهبة شندي الذي كان لا مثيل له كمال جمعة. كمال جمعة هذا، مع احترامي لكل الأجنحة، لم أشاهد من هو أسرع منه حتى في قنوات “بي إن سبورت”. في “الهدف” كان عتيبة، وبحر، وضنبو، والرشيد، ومصطفى الربع. وفي “الحوش” خالد شندي. وفي “الهلال” وليد الريح. وفي “الكوكب” أسد، وصديق الطيب. وفي “النهضة” كابتنا جانبو عماد عوض وتيرا، وقسم الله، ونجم الدين، وبكري عيسى، والعاص، وعاطف السيد، والراحل عثمان إبراهيم كاريكا ، وفي التدريب كان إبراهيم جمعة ، وفي الإدارة جعفر التراجمة وعمر قدرة ، هذه أجيال متعاقبة منذ إسماعيل أرفع وحتى آخر المواهب التي قدمتها مدينة شندي معتز كبير.
​أعتذر للأجيال الجديدة فإني أكتب عن شندي بذاكرة الثانوي العالي؛ في شندي لعبت في “النهضة”، ولعبت في “هلال شندي”، ولعبت في “الربيع”. كان لي شرف ارتداء شعار الهلال في شندي، لكن كنت لاعباً (متمرداً). هؤلاء النجوم الذين جاء ذكرهم كمثال كانوا في شندي مثل نجوم السينما الهندية؛ نجوميتهم كانت تجعلهم يدخلون سوق شندي “يشيلوا خضارهم ساكت ويمرقوا”. كنا في شندي نحرص على توفير حق تذكرة المباراة، وحق تذكرة السينما، وحق الباسطة، وحق الجريدة… إذا وفرنا ذلك في اليوم، “تاني ما عندنا مشكلة”… “ما بنسأل في أتخن زول”، فنحن بذلك أسعد الناس.
​شندي مدينة غريبة، لغاية الآن الناس ما اكتشفوا سرها. مدينة يحنو لها النيل كما الطفل، وتدخلها قطارات “المشترك” كالصبايا في يوم العيد بالجديد. من إيثار شندي على نفسها أنها أعطت لغيرها أكثر مما أعطت لنفسها؛ رجال شندي يتواجدون في كل القطاعات وكل الأنحاء وهم دائماً في المقدمة، ولكنهم لا يتحدثون عن شندي، وهذا أمر جميل منهم؛ لأن الوطن أكبر من كل الانتماءات الضيقة. ولا نكتب عن شندي هنا إلا لأنها جزء من الوطن، ومعزة بورتسودان وعطبرة وحلفا ودنقلا وكريمة ومروي وكسلا والفاشر والجنينة والأبيض، والقضارف، وكوستي ،ومدني، لا تقل عن معزتها ، معزة تلك المدن عندنا مثل معزة شندي تماماً، والأكيد أننا سوف نكتب في مناسبات قادمة عن مدن سودانية أخرى، فكل أجزائه لنا وطن.
​نكتب عن شندي لأن التعدد السكاني فيها يمثل السودان وقوميته. ابعدوا عن خطاب الكراهية، واخرجوا من هذه الحرب بالمزيد من التماسك والقومية، انبذوا خطاب العنصرية؛ وإذا نظرنا إلى شندي سوف تجدون أن زرعهم كان في شندي وثمارهم كانت في مدن أخرى؛ ليحصدها غيرهم ، سوف تجدون رجالات شندي في عطبرة والفاشر ونيالا وبورتسودان والخرطوم أكثر إشراقاً. حتى على مستوى الرياضة، فإن شندي قدمت رجالها للاتحاد العام وللهلال والمريخ؛ لذلك أحببنا في شندي قوميتها. في تلفوني مقال عن عطبرة، وفي رأسي حكايات عن الفاشر سوف أدفع بها لاحقاً، حتى مقال شندي هذا كنت أحجزه في تلفوني منذ فترة ووجدت أن أخرجه للناس.
​بقي أن أقف أخيراً عند مدرسة “الشمالية الابتدائية بنين” التي تأسست في عام 1912م، ودرّس فيها الفنان محمد وردي كأستاذ ، ودرس فيها الفنان الطيب عبد الله؛ كطالب ، وحظينا أن كنا يوماً من طلابها في وجود أستاذ السر، وأستاذة فتحية، وأستاذ إميل برسوم. شندي الشمالية ليست مجرد مدرسة، مدرسة الحياة.
….
​متاريس
الأكيد أن هنالك أسماء سقطت مني، فإني أكتب من ذاكرة كنت أظن أن الحرب أتلفتها كلياً.
قرى الضفة الغربية من “حوش النقل” وحتى “المحمية”، أو من غرب “الجيلي” وحتى غرب “عطبرة” تحتاج إلى أن نكتب عنها. الضفة الغربية أيضاً حكايات قادمة؛ سوف أكتب عنها إن شاء الله من “حجر العسل” وحتى “أم الطيور”.
​ومدحة حاج الماحي لخصت كل شيء وقدمت جغرافيا النيل من الضفة الغربية:
يا أخواني لا الباقير.. لا قوز البسابير
مويس والسناهير.. السيال مع الجوير
بقروسي والمغاوير.. الدامر والعشير
الباوقة والبنقير.. مقرات مع أب سدير
بي داير المناصير.. جيراني الكجاجير
قريب الكواوير.. جريف الحواج نير
سقاي ولاد بشير.. عمران والسواعير
دويم ود حاج شهير.. تنقاسي والقرير
الدتي والحجير.. حلة ولاد بصير
جزيرة ود سرير.. عربان الهواوير
في أبقش التناجير.. لا تنسَ الجبابير
سوابق والبدير.. لا أرقو والحفير
أبريم كنوز والدر.. ما يشوفوا زمهرير
في زفة الوزير

​ترس أخير: نلتقي لاحقاً مع مدينة أخرى.. كتبت عن شندي ليس لأنها مدينتي، ولكن لأني أعرفها جيداً.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد