عزالدين عثمان “الدحيش”… قنّاص الهلال السوداني الذي روّع أفريقيا في الستينات
بقلم د.عوض النقر بابكر محمد
في تاريخ الكرة السودانية، ثمّة أسماء لا تنسى، بل تُنقش على جدران المجد. يأتي في مقدمة هؤلاء عزالدين عثمان الشهير بلقب “الدحيش”، ذلك المهاجم الخارق الذي كان يشكّل رعباً دائماً لدفاعات الفرق الأفريقية والعربية خلال العقد الذهبي للكرة السودانية (الستينات).
من أين جاء لقب “الدحيش”؟
في اللهجة السودانية، كلمة “دحيش” تُطلَق على الرجل الضخم القوي الجسور الذي لا يهاب شيئاً،. وقد أُطلِق هذا اللقب على عزالدين عثمان بسبب قوته الجسدية الخارقة وتصويبته الصاروخية التي كانت لا تُطاق، حيث كان المدافعون والحُرّاس يخشون مواجهته لأن تسديداته كانت كالصواريخ، وكثيراً ما كانت تمزق شباك الخصوم بقوة وعنفوان.
البدايات وصعود النجم (منتصف الخمسينات – أوائل الستينات)
وُلد عزالدين عثمان في ثلاثينيات القرن الماضي (تقريباً بين 1938-1942) في مدينة أم درمان، قلب الثقافة والرياضة السودانية النابض.
بدأ مسيرته الكروية في الأحياء الشعبية، وسرعان ما خطف الأنظار بحضوره البدني المهول ومهاراته الفطرية، فالتحق بصفوف النادي الأعرق في السودان، نادي الهلال السوداني، في نهاية الخمسينات. لم يمضِ وقت طويل حتى تحول من لاعب صاعد إلى قائد للخط الأمامي، وأحد الركائز الأساسية التي بنى عليها الهلال عصراً من البطولات.
العصر الذهبي مع الهلال (الستينات)
شكّل عزالدين عثمان “الدحيش” مع جيل العمالقة الآخرين (كحسن سليمان، وإبراهيم يحيى، وعبد القادر إبراهيم) واحدة من أخطر الخطوط الهجومية في تاريخ القارة السمراء.
– كان “الدحيش” يلعب عادةً كمهاجم صريح أو جناح أيمن، وكان سلاحه الأفتك هو **قدمه اليمنى** التي كانت تولّد قوة خارقة في التسديد من خارج منطقة الجزاء.
– في نهائيات كأس السودان والدوري المحلي، كان يُعتمد عليه في حسم المباريات الصعبة، وساهم في تحقيق الهلال لعدة ألقاب محلية متتالية جعلت من النادي الزعيم بلا منازع في تلك الحقبة.
– كانت جماهير الهلال تترقب تسديداته البعيدة وكأنها انتظار لحدث جلل، فكان إذا استلم الكرة قرب منطقة الجزاء، يصطف الجميع، ثم تخرج الكرة كالصاروخ لتستقر في شباك المنافس.
مشواره الدولي مع “صقور الجديان”
لم تقتصر شهرة الدحيش على المستوى المحلي، بل كان نجماً بارزاً في المنتخب السوداني الأول خلال ستينيات القرن الماضي.
– كان جزءاً أساسياً من التشكيلة التي خاضت تصفيات كأس الأمم الإفريقية وتصفيات كأس العالم في تلك الفترة.
– شارك فيبطولة كأس الأمم الإفريقية عام 1963 التي أُقيمت في غانا، وكان من بين اللاعبين الذين رفعوا اسم السودان عالياً في تلك المحافل، رغم أن المنتخب لم يتوج باللقب حينها. نال لقب البطولة الافريقية 1970 مع المنتخب.
– كان يُمثل القوة الضاربة للمنتخب إلى جانب نجوم مثل جاكسا وغيره، وكان المدافعون الأفارقة يهابون التحاماته القوية وسرعته الانفجارية رغم قامته الممتلئة.
أسلوب اللعب الذي سبق عصره
لو شاهدنا “الدحيش” اليوم، لقلنا إنه كان مهاجماً شاملاً:
1. التصويب القناص: كان أشهر ما يُعرف به، فهو صاحب واحدة من أقوى تسديدات الكرة السودانية على مر العصور.
2. التمركز الذكي: كان يعرف كيف يهرب من رقابة المدافعين في المساحات الضيقة.
3. الصلابة الذهنية: لم يكن ينهار تحت الضغط، بل كان كلما اشتدت المباراة، كلما زاد تألقه وحسم النتائج.
الاعتزال والإرث الخالد
اعتزل عزالدين عثمان “الدحيش” كرة القدم في أوائل السبعينات، بعد أن ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الهلال والكرة السودانية. ورغم مرور عقود طويلة على رحيله عن الملاعب (ورحيله الجسدي في سنوات لاحقة)، إلا أن اسمه ما زال يُتردد في مجالس كبار عشاق الكرة السودانية، ويُضرب به المثل في القوة والروح القتالية.
الخلاصة:
عندما نتحدث عن عزالدين عثمان “الدحيش”، فإننا لا نتحدث عن لاعب عابر، بل عن أحد آباء الكرة السودانية الحديثة، وعن رمز من رموز جيل الستينات الذي جعل أفريقيا كلها تعرف اسم السودان كروياً. هو نموذج لللاعب الأصيل الذي يعتمد على الموهبة والقوة والإرادة، وهو فخر يليق بنادي الهلال والمنتخب الوطني على مر العصور.


