صابنها
محمد عبد الماجد
خاف على (العرديب) لو ما عاوز تخاف على (الديمقراطية)
في حوارٍ في الدوحة عام 1976م قال الأديب والصحافي إحسان عبد القدوس: (إن كل ما أتمناه للجيل الجديد هو ألا يبني مستقبله على الاستجداء، وأن تكون له شخصية مستقلة حتى لو سار بهذه الشخصية حافي القدمين، وليذكر الجيل الجديد أننا عانينا كثيرًا عندما كنا نحن جيلاً جديدًا، والذين تحملوا هذه المعاناة هم الذين أثروا في كل التطورات).
نعم، فإن الذين ضحوا ودفعوا الثمن هم وحدهم القادرون على التغيير وعلى التصحيح، أما الذين استفادوا من تلك الأوضاع فهم آخر من يتحدثون عن أوجاع الشعب السوداني.
ويلخص الأديب يوسف إدريس الحكاية عندما يشرح الشخصية العربية فيقول: (الشخصية العربية هي شخصية -كما يسمونها في علم النفس- الاكتئابية المرحة.. تتردد باستمرار بين المرح والاكتئاب.. نحن لا نحتمل الحزن طويلاً ولا نحتمل المرح طويلاً.. في حالة حزن إذا مرحنا، وفي حالة فرح إذا حزنا).
هل هذا هو واقعنا اليوم؟
هل خلصت الحكاية، أم أن للرواية فصلاً آخر؟
لا أقول فصلاً أخيرًا.. لأن كل القصص نهايتها مفتوحة… كل القصص فيها جزء آخر.
والحقيقة تحدث في الكواليس، لا تحدث على خشبة المسرح؛ ما يحدث في الخشبة وتحت الأضواء هو (تمثيل)، لذلك قال الفيتوري: (والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء).
غفلتنا كلها تكمن هنا.
حكومة مايو عندما وضعت الفنان محمد وردي في سجن كوبر معتقلاً في عام 1973م، طلب الفنان محمد وردي وهو في المعتقل أن يأتوا له بـ(العود)، فكان رد السلطات على طلب محمد وردي في قولهم له: (ونحن جايبنك هنا عشان شنو؟ أنت دخلت هذا السجن عشان “العود”، فكيف نأتي لك به؟)، وعلق أحد الضباط الذي كان على مقربة من سن المعاش الإجباري: (يعني نحن كنا اعتقلناك عشان راكب ليك دبابة!! يا أستاذ أنت معتقل بسبب العود). لذلك قام وردي بتلحين أغنية (وا أسفاي) في سجن كوبر بدون آلة موسيقية، مستعملاً في تلحين الكلمات (فمه) ليضع وردي بعبقريته لحنًا يعتبر من أصعب الألحان التي وضعها وردي لأغنياته بجانب “الحزن القديم، وبناديها، والود”، وهي الأغنيات الفلسفية في مسيرة وردي، وكما هو معلوم فهي من كلمات عمر الطيب الدوش، ومن يكون بهذا العمق غير الدوش؟ غير أننا لا نستطيع أن ننسى ألحان “خاف من الله، والمستحيل” وكلاهما من كلمات إسماعيل حسن، وحتى أغنيتي “سؤال، وبعد إيه”، كلها أغنيات وضع لها وردي ألحانًا بديعة، وكل هذه الأغنيات من كلمات إسماعيل حسن.
لا يمكن أن تتحدث عن محمد وردي دون أن تتحدث عن إسماعيل حسن.. الحديث عن وردي يمر تلقائيًا بمسار إسماعيل حسن.
خرج وردي من السجن وفي حفل كان يحضره نخبة من وزراء حكومة مايو، قدم وردي أغنية “وا أسفاي”، وعندما قال وردي: (ومن ناس ديل وا أسفاي) أشار بيده للصف الأول الذي كان يشغله السادة الوزراء، فشعروا بالحرج وأحسوا بأن وردي يقصدهم، وأن العالم كله ينظر لهم ، لقد وضعهم وردي في محاكمة تاريخية، حتى كادوا أن يعيدوه إلى السجن مرة أخرى.
رسالة الفنان في رمزيته، لهذا غنى وردي (والضل الوقف ما زاد)، وغنى حمد الريح (في اللي ماشين المدارس.. في المصاريف في الكتب.. في اللي ضاق بيهو المكان.. هسه سافر واغترب.. لمدن بعيدة تنوم وتصحى على مخدات الطرب).. وهي أيضًا من كلمات الدوش.
هكذا هو دور الفنان، دور رسالي عظيم، لا يحتاج أن يقول رأيه بصورة مباشرة، لأن الرسائل الضمنية أقوى، والفن رسالة غير مباشرة لذلك سمي فنًا.
أقول ذلك وأنا أقارن بين مواقف بعض الفنانين الذين وصلوا مستوى من السطحية جعلنا نقول إنهم لا يحتاجون حتى لأن نرد عليهم أو نكتب عنهم؛ لأن السطحية تتآكل لوحدها، وهي ليس لها مقومات للبقاء أو العيش إلا في مثل هذه الأجواء، وفي كل الأحوال هي أجواء مؤقتة سوف تنتهي ويعود كل شيء لمساره الطبيعي.
لكن هل هذا الذي يقدمونه غريب عليهم؟ إن ما يحدث من سباب وشتائم ومحاكم بين الفنانين على مواقع التواصل الاجتماعي يكشف حقيقة المستوى الذي وصلنا إليه، فماذا تتوقع من فنانين الصراع الدائر بينهم هو صراع من أجل (الترند) و(العداد) وسط جوقة من الهتيفة والمنتفعين والذين يحسبون النجومية بعدد (اللايكات) بعيدًا عن المضمون.
عبد الوهاب وردي موسيقار تحترم تجربته في التوزيع الموسيقي، لا أريد أن أقسو عليه لكن مواقفه تمثلت في أغنية أو ممازحة قدمها، هي لا تُحسب على عبد الوهاب وردي وإنما تُحسب على فنان عظيم مثل محمد وردي الذي لا يمكن إلا أن تحترم مواقفه حتى ولو اختلفنا حولها.
وردي قال إنه يحترم تجربته وتاريخه عندما غنى لمايو، وقال إن ألحانه وحتى الكلمات التي تغنى بها لمايو كانت ألحانًا قوية بكلمات جميلة، لا علاقة لها بفانيلة عبد الوهاب التي اختزلها في (بتاعة فنيلتك). هذه الفترة سوف تمضي وتلك الحرب سوف تنتهي وسوف يحاسب الناس من بعد على مواقفهم، وعلى الفنانين أن يكونوا دعاة سلام لا أن يكونوا دعاة حرب يؤطروا لخطاب الكراهية الذي أعتبره الخطر الحقيقي على السودان.
إننا لا نخشى على السودان وشعبه من الرصاص والدانات والمسيرات وحمى الضنك؛ هم أصحاب جلد وثبات في مثل هذه المواقف، إنما نخشى على السودان وشعبه من خطاب الكراهية.. وللأسف الفن أصبح يروج لخطاب الكراهية ويؤجج له.
علينا أن ندرك أن هذه الحرب سوف تنتهي.. الرصاص زائل ولكن الكلمات باقية، وجرح الكلمات أسوأ من جرح الآلات.. هاشم صديق يقول: (كل الجروح بتروح إلا التي في الروح).
أعود لعبد الوهاب وردي وفانيلته الآن؛ لأن ذلك أمر كان لا بد منه وأنا أكتب عن الممثل محمد عبد الله كابو الذي قدم مشهدًا في مقطع فيديو رائج يسيء للفنانين بما فيه من ذل وانكسار وتدليس وتغبيش للأشياء.
جمال فرفور في برنامج تلفزيوني كان قد قال عن الوسط الفني إنه وسط قذر… وهذا الذي يقدم الآن لا يخلو من قذارة.
محمد عبد الله كابو فنان لا يهمه في الدنيا شيء غير (عداده)، وهو من أجل العداد يمكن أن يفعل أي شيء، فنه قائم على هذه الطاعة الغارقة في كل الذل.
ابتلينا في السودان ببعض الناس في كافة المجالات ممن يريدون أن يبنوا بيتًا أو يكملوا بناء البيت أو يشتروا عربية أو يغيروا عربية؛ هؤلاء هم على استعداد أن يفعلوا أي شيء من أجل حلمهم الشخصي هذا. إكمال بناء البيت عندهم مبرر لكل شيء.
غير ذلك فإن سطحية محمد عبد الله كابو تتنافى تمامًا مع القيمة الفنية؛ يمكن لمحمد عبد الله ويمكن لعبد الوهاب وردي أن يخدموا أهدافهم ويقدموا وجهة نظرهم بعمق واحترام، هذا الذي يقدمونه هو خصم لما يدعون إليه.
لا يمكن أن تكون الديمقراطية المتفق حولها، والتي تدعو لها كل الرسالات ويقر بفضلها العلم والمنطق، عند محمد عبد الله كابو بهذه السطحية امتثالاً إلى من يسمعون له في تلك الجلسة حتى يزيد من عائد بنكك أو يخرج بظرف ثقيل من تلك الجلسة.
الفن السوداني الذي نعرفه والفنانون السودانيون هذا لا يمثلهم، وهم لا يمكن أن يكونوا بهذا المستوى الركيك الذي يجعلنا نشعر بالشفقة على محمد عبد الله كابو.
عداد الفنان إذا كان حسنة تقدم له يجب أن يرفضه، وعلى الفنان أن يثق في مقدراته وإمكانياته، وعليه ألا يحصل على أجره بهذه الصورة الذليلة التي تفتقد حتى لأدنى مقومات كرامة الإنسان، ناهيك عن الديمقراطية التي اختزلها محمد عبد الله كابو في شراب العرديب في السوق العربي.
هذا كل الذي يعرفه عن الديمقراطية.
هكذا هم ينظرون للديمقراطية، لذلك هم لا يفهمونها ولا يعرفون قيمتها.
طيب خاف على (العرديب)، لو ما عاوز تخاف على (الديمقراطية)، تخاطب محمد عبد الله كابو بما يليه.
يمكن الموضوع (يقع ليه).
ندخل ليه بالعرديب، كما ظن هو أن في ذلك فنًا وإبداعًا.
نحن لا نستطيع أن نسمي ذلك غير أنه تسول فني.
في ناس شعروا بالخوف، وهزت الحرب ثقتهم في أنفسهم، عاوزين يعيشوا ويمشوا حالهم، لذلك هم اعتادوا على أن يصفقوا لمن هو في المنصة.
لم أكن لأقف عند مثل هذه النماذج لولا أنني شاهدت فيديو آخر للفنان الحقيقي عبد الله صوصل يبكي فيه على حال البلاد، ليس مثل بكاء محمد عبد الله (التمثيلي) في تراجيديا الديمقراطية، عندما كان يبكي وهو يتحدث عن العرديب شاهدًا على الديمقراطية في فهمه، فيضيف على ذلك مؤثرات صوتية مصطنعة.
الفنان عبد الله صوصل كان يبكي وهو يتحدث عن طفل في أحد مناطق الصراع كان يرضع من ثدي أمه الميتة.. هذا الإحساس الذي قدمه لنا صوصل وذلك الحزن الذي شعرنا به منه، جعلنا نرى مدى كانت مآسي تلك الحرب كبيرة.
صوصل كان عاجزًا عن أن يكمل كلامه، كان يبدو كحالة بلادي تمامًا.
أنت تشعر بالشخص الذي أمامك عندما يكون صادقًا، لا يحتاج الصادق لإجراء عمليات خارجية؛ لأن الدواخل لا ساتر لها في مثل هذه المواقف.
الفنان محمد نعيم سعد، الذي يرقد طريح الفراش منذ ثلاث سنوات، قال في حوار معه وهو على فراش المرض، إنه عندما سمع بالحرب وعندما أُخبر بوقوع الاشتباك، وبعد أول إطلاق طلقة في هذه الحرب أصيب بما هو يعاني منه الآن؛ لقد فقد محمد نعيم سعد قدرته على الحركة، وأوصله إحساسه بالوطن إلى تلك الحالة التى يعان فيها من الشلل، هذا شعور حقيقي يدفع محمد نعيم سعد ثمنه من صحته وأعصابه، ليس مثل شعور محمد عبد الله كابو المصطنع الذي كان يبكي لأن المشهد يفرض عليه ذلك وهو يتحدث عن العرديب.
لن أقول الديمقراطية؛ لأن الديمقراطية لا علاقة لها بهذا المسخ الذي يقدمه محمد عبد الله كابو ويبكي من أجله.
لقد ظللت أتعمد أن أتجنب الكلمات القاسية في نقدنا وكتاباتنا تجنبًا لخطاب الكراهية السائد، لكن يبدو أنه لا بد لنا من مواجهة مثل هذا العبث بمثل لغته.
في هذه الحرب لا تتركوا أصحاب المصلحة هم من يفكروا لكم وهم من يقرروا؛ كثيرون يعرفون أن وجودهم ورزقهم مرتبط بهذه الحرب لذلك هم ضد إيقافها.
لا تتركوا أنصاف العقول هي من تقودكم، لأنهم لن يقودوكم إلا للخراب والدمار.
فكروا فيما هو قادم.. خسر السودان كثيرًا في هذه الحرب، لا نريد أن نخسر المستقبل.
لا تفسدوا للأجيال القادمة وطنهم.. يمكن أن تكون وجدت الكثير من المرارات، ويمكن أن يكون وقع عليك ضرر عظيم، كل هذه الجراح علينا أن نتجاوزها من أجل أجيال قادمة، لا نريد لها أن تعيش ما عاشه هذا الجيل من نزوح ولجوء وضنك وموت.
التفكير في الأمس لن يقودنا إلا للضياع، فكروا في الغد حتى وإن كانت جراحات اليوم كبيرة.
خلاصنا هو في الغد، هذا الطريق الوحيد الذي يجب أن نتفق عليه.
إذا تم تقسيم السودان، لا تعتقدوا أنكم سوف ترتاحون، لو كانت هنالك راحة في ذلك لكانت بعد انفصال الجنوب الذي حدث بعد أطول حرب أهلية في العالم.
هذه الحرب سوف تنتهي.. لا توجد حروب مستمرة، علينا أن نحرص على ألا نخلف بعدها كل هذه الجراح.
دعونا نقسط في الجراح إن كان لا بد منها.
….
متاريس
على كل شخص أن يحرص على مواقفه.
أنت مسؤول عن موقفك.
قدم مصلحة الوطن على مصلحتك الشخصية.
…
ترس أخير: وللحديث بقية.



