صحيفة كورة سودانية الإلكترونية

نحن الجيل الكان عامل فيها ما سامِع

16

صابَنَها
​محمد عبد الماجد
​نحن الجيل الكان عامل فيها ما سامِع
​نحن جيل كنا ما بنحفظ القصائد، عندما كنا طلبة في مرحلة الابتدائي، كنا بنعتبر ذلك عدم موضوع، أو عدم شهامة مننا، معقولة نحفظ: («دجاجي يلقط الحب»)، وبعد دا ح يعمل شنو لو لقط الحب؟ («ويجري وهو فرحان»).
​ح نقعد نباري في (الجداد) كمان!! وما هي الكيفية أو الوسيلة التي يمكن أن أعرف بها (فرحة الدجاج)؟ هل هي التنطيط والصياح؟
​هي حصلت كمان عشان نقعد نتحسس فرحة الدجاج.
​شوف زمان ـ حتى دجاجنا كان فرحان!!
​في اللغة العامية السودانية عندما تسمع كلمة (نباري) ستعتقد من الوهلة الأولى أنها كلمة دارجية وما عندها علاقة باللغة الفصحى، وهي كلمة أصيلة في الإفصاح والبيان.
​ناس اللغة يقولوا كلمة “نُبَارِي” لها معنيان رئيسيان في اللغة العربية بحسب السياق الذي تُستخدم فيه، فهي قد تعني (المنافسة والمسابقة):
​تأتي من الفعل بَارَى – يُبَارِي – مُبَارَاة، وتعني نُنافس أو نُسابِق أو نُواجِه.
​كلمة مباراة جاءت من ملاحقة الشخص ومباراته، محل ما يمشي تمشي وراهو ـ ونحن بنقول للزول التلحة الذي يلاحقك: يا زول مباريني وين؟
​وفي الكورة نقول: “نحن نُباري أفضل الفرق” أي نُنافسها ونلعب ضدها.
​وهناك معنى آخر لمباراة الشخص، إذ يأخذ المعنى هنا (المحاكاة والمجاراة):
​وتعني نُقاطِع أو نُشابِه أو نَسِير على نهج شخص ما في فعلٍ ما.
​مثال: “نُباري الرياح في سرعتها” أي نُجاريها ونشابُهها في السرعة.
​في العامية السودانية:
​تُستخدم الكلمة بمعانٍ مشابهة ومشتقة من السياق نفسه: نُتابع أو نُرافق: وكما أشرت يُقال “نُباري” بمعنى نتبع أو نصاحب شخصًا ما أو طريقًا معينًا (مثل: “نُباري الدرب” أي نتبع الطريق).
​نَمْشِي خلف: مثل قولهم “فُلان ده بيباري الناس دول” أي يتبعهم ويُصاحبهم، ويسير على خطاهم.
​نحن جيل كنا ما بنجمع (كراس الرياضيات)، قوة رأس كدا ـ وبرضو بنعتبر ذلك شهامة مننا ـ رأسنا كان حجر… وكان في أحيان كتيرة ما بنصحح التمرين، الغريبة كان عندنا رأي في الطلبة البتصحح التمرين، في النهاية هم طلعوا دكاترة ونحن ركبنا رأس.
​كنا ما بنشرب موية التلج، وما بناكل بالملاعق وقهوتنا ما سكر زيادة، وبنفقش البصلة في كراع العنقريب، وننتظر “الجدادة” حتى تبيض في القفص.
​نحن جيل كنا بنمشي للحفلات، حتى لو كانت في آخر الدنيا، وكان عندنا برنامج شامل وكامل عن أي حفلة معلنة أو غير معلنة في البلد وعن العريس والعروس والفنان.
​بالتفاصيل المملة.
​أهم حاجة عندنا فنان الحفلة، ووقت تمشي حفلة وما تلاقي صاحبك، بكرة أول حاجة بتعملها عندما تلاقيه، بتقول ليه: يا زول أمس أنت وين؟ والله فاتتك حفلة ما بتتعوض… حتى لو كانت الحفلة بائخة كنت بترفع ليه من قيمتها ـ نحن كدا.
​نحن جيل ممكن تقول علينا (جيل الجوابات)، كنا بنرسل الجوابات وبنستقبلها، ثقافتنا اتكونت عن طريق الجوابات وأشرطة الكاسيت.
​والجرائد والمجلات والكتب والجمعية الأدبية والحصة القاضية والقعاد قدام دكان الحلة.
​كنا بنتبادل المعرفة ـ الكتب والمجلات وشرائط الكاسيت، وحتى شرائط الأفلام في زمن الفيديو.
لو عندكم فيديو ناس الحلة يعاينوا ليك عشرة.. عشرة.
​كنا بنسمع لحمد الريح ـ أغنيات حمد الريح هي حجر الأساس لكل قصة حب جديدة.
​ما في أجمل من: («وبي خجل بتسأل الزاير بلدنا حبايبنا أهلنا فاتوا للحلة لا بيكاتبوا لا يفيدونا الحصل»).
​المعنى الناس ديل ما يرسلوا لينا جوابات.. وقاطعين الخبر («والقمري فوق النخل فاقد الأهل يبكي ويحن»).
​كنا بندخل السينما ما في فيلم هندي يفوتنا ـ الغريبة لو عادوا الفيلم مئة مرة بندخله، ولو الأستاذ شافك في صف السينما، بكرة تمشي المدرسة وتشيل دفتر العيادة وتعمل فيها عيان.. تلاتة يوم ما تظهر في المدرسة.
​وتاني وقت يسألك وتغلبك الإجابة بقول ليك: أنت فاضي لي من السينما؟
​السينما كانت مدرسة أخرى.. اتعلمنا فيها أن الخير لازم ينتصر في النهاية وأن البطل في نهاية الفيلم بتزوج البطلة.. وكنا نسعد لذلك.
​المحطة كانت برضو مدرسة، والقطر والركاب والأرصفة والحقائب الحزينة أساتذة، و”السفر” كان فصل، جزء أساسي من ثقافتنا ومن حياتنا.. أن تقف في الرصيف إما مسافر وإما مودع وإما مستقبل، فذلك إحساس بستف ليك كل المشاعر.
​الحصة سفر.
​نحن من جيل اتعذب في كرة القدم جنس عذاب، نتائج مباريات الهلال نسمع بيها في اليوم التاني في “عالم الرياضة”، ولو عندك تلفونك ثابت وقريبك في الخرطوم ممكن تضرب ليه الصباح عشان تسأله عن نتيجة المباراة، وإذا قال ليك تعادل بتقفل التلفون في وشو، وتاني ما بتضرب ليه عشان بتكون اتشاءمت منه، والقون لو كانت المباراة يوم السبت بتنتظر الجمعة القادمة عشان تشوفه، الهدف زمان كان زي “العقد” ما بتشوفه إلا يوم الجمعة وبعد الغداء كمان، وكمال حامد في برنامج “عالم الرياضة” كان بجيب لينا الهدف في آخر البرنامج، بعد ما نشوف الدوري الألماني وسباق الحصين وكرة التنس ودورة المرحوم، ومن ثم يجيب لينا أهداف مباراة الهلال، ولو الكهرباء قطعت، تشوف ليك واحد من أصحابك كهربتهم ما قطعت، عشان يحكي ليك الهدف اتسجل كيف؟
​أهداف معتز كبير ووالي الدين القريبة دي، كنا بنشوفها فقط يوم الجمعة.
​نحن من جيل كنا بنوم قبل نشرة تسعة، ولكن عندما يكون الهلال لاعب في الدوري بنقعد نحضر النشرة في التلفزيون عشان نسمع نتيجة المباراة، وناس أحمد سليمان ضو البيت والفاتح الصباغ كانوا بقولوا لينا طوالي في النشرة الرياضية أن المباراة ما زالت جارية في إستاد الخرطوم، عند إعداد النشرة.
​ونحن كنا شفوت، وعارفين أي حاجة، كنا لمن نشوف الفاتح الصباغ زعلان أو أحمد سليمان ضو البيت ما رضيان كنا بنعرف طوالي أن المريخ مغلوب، من الزمن داك المريخ كان دائمًا مغلوب.
​وكنا وقت يقدم للنشرة إسحاق عثمان أو عمر الجزلي أو عبد الرحمن فؤاد أو عمار عبد الرحمن، أو عوض إبراهيم عوض كنا بنعرف طوالي أن الهلال غالب، قبل ما يذيعوا الخبر.
​نحن كنا شفوت عارفين أي حاجة، وما في شيء بتدس.
​الزبير نايل هلالابي والطيب عبد الماجد هلالابي وحمزة عوض الله هلالابي، لكن هذا الجيل جاء بعد مشقة معرفة نتيجة المباراة.
​نحن الجيل الذي كنا ننتظر الجرائد في المكتبة، مرات كتير بنكتفي بالعناوين، ووقت يكون عندنا حق الجريدة بكون هذا اليوم هو الأسعد بالنسبة لنا… نشيل الجريدة ونقرأها عشر مرات، تهنئة نجاح أو نعي أليم ما بنفوته. وكانت أعمدة ميرغني أبو شنب وشجرابي عندنا زي الروشتة، وكان طلحة الشفيع وقت يكون كاتب “واتفرج يا سلام” ما بنوم الليل، عشان طلعاته الجوية كانت خطيرة.
​كنا بنتغالط في المكتبة قبل الجرائد تصل، وبنضع التشكيلة، ونطلع نجم المباراة، كنا ما بنسأل في أعظم المحللين.
​نحن من الجيل الذي كنا وقت ما يكون عندنا حق تذكرة المباراة بننتظر يفتحوا باب الملح، ندخل في آخر عشر دقائق من المباراة وبكرة في السوق تلقانا مستلمين أستديوهات التحليل في السوق والقهوة والدافوري والنادي.
​وكنا بنمشي نحضر التسجيلات، نقعد أمام مكاتب الاتحاد من صباح الرحمن ونحن نترقب في العربات الفخمة التي تصل للاتحاد، وكانوا عارفين شوقنا عشان كدا كانوا بصبرونا. مرات يقولوا لينا شالوا الأورنيك ومرات يقولوا لينا اللاعب مع أعضاء المجلس اتحرك نحو مكاتب الاتحاد لإكمال إجراءات التسجيل.
​أي لاعب لازم يتسجل في مكاتب الاتحاد وفي حضور لجنة بكونها اتحاد الكرة.
​وأي لاعب بعد التسجيل بقول إنه كان يشجع الفريق الذي وقع له منذ نعومة أظافره، وبعد ما يشطبوه، بقول سمعت خبر شطبي من عالم الرياضة.
​عالم الرياضة كان المصدر الوحيد للأخبار، عشان كدا الساعة اتنين ونص لو طلعت الشارع ما يتلقى ليك هلالابي حائم. المريخاب من يومهم كانوا قنعانين، ما عندهم عشم كبير.. تلقاهم في الهجيرة ديك حائمين في الشوارع.
​نحن جيل كان التعاقد مع محترف أجنبي أصعب حاجة في الدنيا بالنسبة لينا. وقد يسافر وفد من مجلس الإدارة للتفاوض الجرائد تكتب والأخبار تنشر.. الشغل كان كأنه شغل عصابات.
​عبد المجيد منصور ربنا يرحمه كان لو دخل في التفاوض على أي لاعب الهلال يكسب اللاعب ويسجله.
​عبد المجيد منصور مشى إريتريا جاء راجع بي طائرة خاصة برفقة يوهانس.
​الهلال كان فيه رجال عظماء.
​صلاح إدريس لو فاوض الجن، بقتنعوا ليك.
​وعبد الله السماني كان اسمه زي الجنيه الذهب وقت يقولوا عبد الله السماني الكلام انتهى.
​شخصيات تقيلة فعلاً، وأسماء تهتز لها الأجيال.
​مع ذلك التسجيلات كانت عذاب، زي (والحب عذاب في كسلا).
​وفود تسافر، ومفاوضات وتحنيس وطائرات خاصة.
​وبعد أن يتم الاتفاق كنا بننتظر أسبوع عشان اللاعب يصل، ولو اللاعب ما وصل الخرطوم موضوعك طرشق.
​وبعد أن يوقع اللاعب ويشيلوه على الأعناق بندخل في فيلم جديد. كان موضوع إرسال الكرت أصعب من توقيع اللاعب وحضوره للخرطوم.. نقعد أيام وليالي في انتظار إرسال الكرت، مرات يقولوا اليوم عطلة رسمية في البلد التي انتقل منها اللاعب، ومرات يقولوا ليك الاتحاد الوطني هنالك رافض يرسل الكرت، عاوزين حقهم، أنت في إفريقيا، ومرات يقولوا ليك في نادي دخل لخبط الصفقة، ومرات يقولوا ليك الحركات دي من ناس المريخ، ما غريبة عليهم.
​من زمان الناس ديل كانوا كدا.
​ننتظر الإيميل، عشان التسجيلات لو قفلت والكرت ما وصل، اللاعب الذي وقعت معاه طار، بل مويته واشربها.
وبعد أن يصبح المحترف لاعبًا رسميًّا للهلال، وقت يسافر إلى بلاده في نهاية الموسم ما يرجع بالساهل.
مرة يقولوا ليك الطائرة فاتته، كأنه كان منتظرها في “مظلة”، ومرة يقولوا ليك جواز سفره امتلأ ومنتظر الجواز الجديد، والمحترف كان وقت يكون عاوز يتجرجر بقول ليك “حبوبته” التي ربته اتوفت، ودي بقعد فيها شهر.
نحن اتعذبنا عذاب شديد.
​نحن الجيل الذي كانت عندنا معزة شديدة لي أي لاعب بيلبس شعار الهلال ـ الموضوع ما زي هسه الجمهور عادي يشتم في اللاعب.
​من معزتنا للاعبين، كنا بنقطع صورهم من الجرائد ونحتفظ بيها، وكنا لمن نمشي الخرطوم وندخل مباراة الهلال بنحرص نقابل عمنا “بادي” عشان نشتري منه صورة أو صورتين لفريق الهلال أو للاعب في الهلال.
​نحن جيل عشنا المتعة في المشقة، كنا بنجد في الصعوبات لذة، وكانت المغامرة في كل خطوة بنقوم بيها.
​كنا مستمتعين بالحياة، لا إنترنت ولا كهرباء ولا موية باردة ولا الدوري الإنجليزي، لكن كنا سعداء.. وكنا فعلاً عايشين حياتنا بالطول والعرض.. وعارفين أي حاجة في الدوري الإنجليزي.
​نحن جيل عشنا متعة الجرائد ومتعة النت، استلفنا الكتب واشترينا أشرطة الكاسيت وسجلنا بعض الأغاني من الراديو، حضرنا مسلسلات الإذاعة ودخلنا الفيس.
​نحن جيل حضرنا حفلات وردي في قاعة الصداقة ومحمد الأمين في نادي الضباط وعقد الجلاد في إستاد ود نوباوي في رأس السنة ومحمود عبد العزيز في المكتبة القبطية.
​نحن جيل دخلنا مسرح، شفنا الفاضل سعيد شوف عين على خشبة المسرح، وحضرنا مسرحيات محمد شريف علي في التلفزيون، وتابعنا برنامج “متاعب” لفرقة الأصدقاء الساعة 11.
​نحن جيل شاركنا في الدورات المدرسية ونحن طلبة مشينا الأبيض وحلفا الجديدة وأبو حمد ونيالا ونوري، كانت عندنا «كل أجزائه لنا وطنُ»، نحن جيل تابع النشاط الثقافي في الميدان الشرقي في جامعة الخرطوم وحضرنا أركان النقاش السياسية في جامعة النيلين وفي الأهلية، وحضرنا خطبة الصادق المهدي في ود نوباوي يوم الجمعة.
​المعرفة كانت عندنا “صلة رحم”، لازم نصلها، ما في معرفة بتكتسبها بالتليفون.
​نحن جيل كنا بنعشق عمر الطيب الدوش وبنحفظ شيء من أشعار صلاح أحمد إبراهيم وبنمتلك ديوان محمد سعد دياب (عيناك والجرح القديم)، وبنسك أخبار علي المك، وبنعلق صورة طارق أحمد آدم في صواليننا مع السيدين/ السيد عبد الرحمن المهدي و/ السيد علي الميرغني… ما في بيت بكون خالي من صورة أحد السيدين إلى جانب طارق أحمد آدم الثابت في أي بيت.
​…..
​متاريس
​يرجع ليكم تاني للموضوع دا ـ خلوا بالكم طويل.
​الدنيا ما طارت.
​زمان المسكول كان عندو قيمة، خاصة إذا جاك من زول عزيز.
​نحن جيل المسكول كان عندنا فيه مشكلة.
​برجع ليكم.
​الموضوع لسه ما انتهى.
​عندنا بواقي كلام.
​ونحن أي حاجة عندنا بي نظام.
​بعد تمرين زينباور أمس، قالوا نص لعيبة الهلال شالوا دفتر العيادة قبل تمرين اليوم.
​…
​ترس أخير: الظاهر الحرب دي رجعتنا لسنة 1906م.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد